سياسة الكراسي الفارغة وإفلاس إسرائيل أممياً

 

 

 

نجيبة بن حسين
أستاذة جامعية تونسية في العلوم القانونية والسياسية والعلاقات الأوروبية المغاربية.

 

أثار انسحاب الوفود الدبلوماسية لـ77 دولة من قاعة اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مع بدء رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامبن نتنياهو كلمته ردات فعل كثيرة وتصدّر منصات التواصل الاجتماعي ونشرات الأخبار. وليست المرة الأولى التي يلاقي فيها نتنياهو هذا الحال المهين في الأمم المتحدة، فقد لاقى مثله العام الماضي، ما يوضح أن هناك سياسة دبلوماسية أممية جديدة على وشك التأسيس إزاء الكيان الاسرائيلي المحتل، عبر اللجوء إلى أسلوب مرن وشديد الحساسية للتعبير عن السخط والتنديد والاستياء من سياسات دولة مارقة عن القانون الدولي ومنفلتة ومفلتة من العقاب والحساب، لأنها تستظل بحماية أميركية مطلقة، وتصعب مساءلتها عن الجرائم التي ارتكبتها ولا تزال ترتكبها في قطاع غزّة والضفة الغربية ولبنان وإيران وسورية من جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الانسانية وعدوان مسلح. وقد عبّرت الصورة التي تداولتها وسائل الإعلام عن عزلة إسرائيلية دولية خانقة، وعن زيف الخطاب المبتذل والمستهلك الذي كرّره نتنياهو مرّاتٍ عن معاداة السامية ومحاربة الإرهاب والدفاع عن النفس والرواية المضلّلة، ولم يعد ينطلي على عاقل أو ملمّ بالحد الأدنى من التاريخ السياسي، سيما وأن تقاريرهيئات الأمم المتحدة التي يخطب على منبر أحد أجهزتها والتوجهات الأولية لمحكمتها الدولية ولمحكمة الحنايات الدولية لا تترك مجالا للشك في تورطه هو وأعضاء حكومته وقادة جيشه في ارتكاب جرائم خطيرة ضد الإنسانية. بل من المفارقات الغريبة والمربكة للهيئة الأممية نفسها، أن يقف مطلوب للعدالة الدولية صدرت في حقة بطاقة إيداع دولية أمام منتظم أممي، يفترض أن يمثل الشرعية الدولية ويدافع عنها، ويلقي خطاباً على الملأ، ويتبجح بإنجازات جيشه الأكثر وحشية في العالم، ويصدح بمقولة المظلومية والأرض الموعودة التي صدّع بها آذان العالم، ويعبّر بوقاحة عن نيات دولته التوسّعية، إذ يمكن توصيف الخطاب المستفز الذي ألقاه أمام مقاعد شبه فارغة بأنه خطاب “البيجر والستارلينك”، إذ إنه عمل على تذكير العالم عموماً وأعدائه خصوصا بانتصاراته على حزب الله فيما تُعرف بعملية البيجر. فقد شهد لبنان في سبتمبر 2024 تفجيرات استهدفت آلاف أجهزة البيجر واللاسلكي التي يستعملها عناصر حزب الله، وأودت بحياة أكثر من 420 شخصاً وتسبب في إصابة نحو 3700 آخرين، ما اعتبر اختراقا أمنياً واستخباراتياً غير مسبوق، أدّى إلى زعزعة الثقة في المنظومة الأمنية، وكشف عن نقاط ضعف وخلل بالغة الخطورة في أنظمة التوقي والحيطة والاستكشاف لدى حزب الله، واعتبر مرحلة فارقة في الصراع مع إسرائيل. فما قبل جريمة البيجر ليس كما بعدها، وما استحضارها من رئيس الوزراء الإسرائيلي في محفل أممي إلا للتفاخر بانتصارات جيشه وأجهزة استخباراته، وبتفوّقه العسكري والاستخباراتي على أعدائه. فكان هذا من قبيل الصلف والعنجهية والتباهي، وكأنه يقول إنه الرابح ولو انسحبت جميع الوفود، وكأنه أعدّ العدة مسبقاً لهذا الانسحاب المرتقب على مستوى محتوى الخطاب وضبط النفس، فبدا هادئاً وواثقاً، رغم حساسية الموقف الذي وجد فيه، وهو موقفٌ ينمّ عن أنه أصبح شخصاً منبوذاً يصارع ليظهر علناً تماسكه وتحدّيه المغادرين العازفين عن سماعه، ما جعله يصفهم بالجبناء، حتى يرتقي بنفسه جزافاً وبهتاناً إلى مصاف الشجعان.

الرمز الثاني الدي استحضره في خطابه جهاز اتصالات ستارلينك الذي يوفر الإنترنت عبر شبكة من الأقمار الصناعية الصغيرة التي تدور في مدارات منخفضة حول الأرض، ويتميز عن الإنترنت التقليدي بسرعته وقدرته على الولوج إلى جميع أنحاء العالم، وخصوصاً الأماكن النائية أو المحرومة، وهو نظام مبتكر مملوك لأميركي الجنسية، إيلون ماسك. ويهدف نتنياهو عبره الى تحريض الشعب الإيراني وحثه على الانقلاب والتمرّد على نظام الحكم القائم، وتمكينه من ممارسة حرية الفكر والتعبير كما يزعم، وهو الهدف الذي كان قد أراد تحقيقه نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وراهنا عليه لإسقاط النظام الإيراني في بضعة أيام إبان العدوان الثنائي الذي شنّاه على إيران، لكنه باء بالفشل الذريع، ودفع المعتديين إلى إعادة حساباتهما في إدارة الحرب وتحييش الحلفاء وترشيد الخطاب ليصيح أكثر واقعية من حيث تقييم قوة العدو ووزنه العسكري وحاضنته الشعبية، فالنصر الخارق والخاطف الذي عوّلا على تحقيقه تحوّل إلى كابوس قاتل، فالشعب الإيراني لم ينتفض كما انتظرا منه، ونظام الجمهورية الإسلامية لم يكن يترنح ويحتضر وينتظر ضربة قاصمة لإسقاطه كما بدا لهما، وظل صامداً وعصياً على الاستسلام والخنوع، رغم أنه يرزح تحت وطأة العقوبات والانقسامات منذ عقود. ومن المثير للانتباه أن الشاهدين اللذين استشهد بهما رئيس الوزراء الإسرائيلي يحملان رمزية مزدوجة، فالأول (عملية البيجر) عنوان للقوة العسكرية والاستخباراتية للكيان المحتل، والثاني (جهاز الستارلينك) رمز للنفوق التكنولوجي الأميركي، وكأن الرسالة التي أراد تضمينها في هذا الخطاب تتمحور حول عظمة التحالف الإسرائيلي الأميركي وامتلاكه كل أسباب النجاح والانتصار والهيمنة على منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره.

دبلوماسية الانسحاب الصامت أو الكراسي الفارغة استراتيجية دولية مستجدّة للتعبير عما عجزت الكلمات والمواقف الصاخبة عن التعبير عنه

هل تستقيم كل هذه القوة المفرطة أمام غياب الشرعية الدولية؟ وإلى أي مدى تستطيع الصمود في وجه السخط والغضب الدوليين من السياسات الإسرائيلية والأميركية المستبدة والمنفلتة والقائمة على تغييب القانون الدولي وإجهاض الشرعية الدولية وشيطنة الخصوم وشرعنة منطق التعسف في استعمال القوة والغطرسة والعنجهية، وارتكاب جرائم خطيرة والإفلات من العقاب؟. … ييدو أن صبر المجتمع الدولي على هذه العبثية بدأ ينفد، وفي هذا السياق تعد دبلوماسية الانسحاب الصامت أو الكراسي الفارغة استراتيجية دولية مستجدّة للتعبير عما عجزت الكلمات والمواقف الصاخبة عن التعبير عنه وللتأثير على الرأي العام العالمي عبر استحضار صورة صادمة تكون شدّ وقعاً من التنديد والاستنكار والصراخ الذي لم يعد له نفع في عالم طغى فيه منطق القوة والغلبة، فالإحراج الذي تعرض له رئيس الوزراء الإسرائيلي ومن خلفه حاميه وشريكه الأميركي وكل من اختار البقاء في القاعة إما تملقاً أو خوفا أو انحيازاً أو تغليباً لمنطق المصالح، لا يضاهيه إحراج لأنه سيزجّ بالمتمسكين بكراسيهم في خانة الاصطفاف المحسوب للكيان المحتل والتملق لشريكه الأميركي، ويؤدّي بالتالي إلى تأسيس نوع من الاستقطاب الثنائي الدولي المبنيّ على معيارمدى احترام الشرعية الدولية والالتزام بالحد الأدنى من ضوابط المحافظة على التعايش السلمي وإقرار الأمن والتضامن الدوليين، فهذا الأمر يعدّ مؤشّراً على تراجع “الشرعية الأممية” لإسرائيل، وهي شرعية سياسية تتجاوز “الشرعية الدولية” المتعارف عليها رسمياً، لأنها متأتّية من الانتماء إلى منتظم أممي تحكمه نواميس وقيم وضوابط للعيش المشترك. ويمكن أن نستشهد، في هذا السياق، بالعزلة الدولية التي تخبّط فيها نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا (الأبارتهايد) في الثمانينيات، بسبب سياساته العنصرية والقمعية، وعجّلت بانهياره عبر نبذ دولة جنوب أفريقيا المتبنية له، ومقاطعة غالبية الدول لها، وكانت بداية النهاية سنة 1964، حين انسحب أكثر من 40 وفداً دبلوماسياً من القاعة في أثناء إلقاء وزير خارجية جنوب أفريقيا خطابه أمام الجمعية العامة، احتجاجاً على دفاعه عن نظام الفصل العنصري في بلاده. حين يخاطب نتنياهو الكراسي الفارغة فهذا دليل قاطع على أن كيان دولة الاحتلال ماض من دون رجعة في عزلة مماثلة ومتفاقمة في المنتديات الدولية، قد تربك حساباته وتعرقلها، من حيث التحالفات الاستراتيجية السياسية والاقتصادية التي يروم بناءها على المديين، القريب والبعيد، خصوصاً مع دول آسيا وأميركا اللاتينية، كما سيشكل وسيلة ضغط متنامية ضد إسرائيل وحلفائها، تنضاف إليها القرارات والتقارير الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة والتوجهات القضائية للمحاكم الدولية الماضية نحو إدانتها بارتكاب إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ابتداع خطاب دبلوماسي جديد للاحتجاج عبر الغياب ليس بالأمر المستجدّ، فقد استعمل سابقاً في اجتماعات منظمة الأمم المتحدة

خلاصة القول أنّ ابتداع خطاب دبلوماسي جديد للاحتجاج عبر الغياب ليس بالأمر المستجدّ، فقد استعمل سابقاً في اجتماعات منظمة الأمم المتحدة، ولكنه في هذه الحالة يعكس صوت جماهير العالم الغاضبة والمتظاهرة في الشوارع، ويقطع مع الخطابات الكلاسيكية التي أضحت جوفاء مفرغة من الصدى والمعنى، إذ ينطوي على رمزية كبرى، حيث إن أعضاء الهيئة الأممية المنسحبين أدركوا ضرورة التأسيس لشرعية دولية شعبية جديدة تتماهى مع نبض الشارع وتتبنّى أسلوبه في المقاطعة والقطع مع الهمجية والبربرية الإسرائيلية الأميركية، وتصطف معه للمطالبة بعدالة دولية منصفة وناجزة، تفكّك المنظومات الدولية الضالعة في القمع والقتل وتشريد الشعوب وتفقيرها وإبادتها وتعاقب مرتكبيها، وتتحوّل الجمعية العامة إلى ساحة للاحتجاج تعاضد الساحات التي تعبّر فيها الشعوب عن غضبها، ويذلك يتحول الانسحاب رسالة سياسية أكثر بلاغة من أي خطاب.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...