كشفت دراسة علمية نشرتها مجلة الجمعية الجيولوجية البريطانية، في 29 شتنبر 2026، عن أحفورة بحرية تعود إلى العصر الجوراسي، اقتُنيت من أحد أسواق مدينة مراكش سنة 1994، وتحمل نقشا بارزا لعبارة الشهادة الإسلامية “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، في اكتشاف وصفه الباحثون بأنه أول مثال موثق لتميمة ذات مضمون ديني إسلامي نُقشت مباشرة على أحفورة داخل الثقافة الإسلامية.
وتندرج الدراسة، المنشورة في مجلة “Journal of the Geological Society” تحت عنوان “محار جوراسي من المغرب يحمل نقشا دينيا إسلاميا”، ضمن الأبحاث التي تتناول العلاقة بين المستحاثات والمعتقدات الدينية والممارسات الرمزية في المجتمعات القديمة والحديثة.
وتتمثل الأحفورة في قالب داخلي لمحار بحري ذي مصراعين متصلين، ينتمي، وفق التحديد العلمي الذي قدمه الباحثون، إلى جنس “بليوروميا”، مع ترجيح مقارنته بالنوع “بليوروميا يونيفورميس” الذي عاش خلال العصر الجوراسي، إذ يبلغ طول العينة نحو أربعة سنتيمترات، فيما يصل ارتفاعها إلى 2.6 سنتيمتر، وهي محفوظة حاليا في المتحف الجيومعدني التابع للمعهد الجيولوجي والتعديني الإسباني في مدريد، تحت الرقم المرجعي MGM-7809X.
وكان أحد مؤلفي الدراسة قد اقتنى هذه القطعة في نونبر 1994 من محل صغير لبيع الأشياء القديمة في منطقة درب عرعان، شمال ساحة جامع الفنا بمراكش، حيث كانت موضوعة داخل صينية خزفية قديمة إلى جانب قطع وأغراض مستعملة أخرى، حيث لم يتمكن الباحث من الحصول على معلومات بشأن أصلها أو تاريخها من البائع، الذي لم يكن يتحدث الفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية.
ولم تتوقف أهمية العينة عند طبيعتها الأحفورية، بل في النقش الذي يغطي أجزاء من سطحيها، إذ تتضمن المصراعتان صيغة الشهادة الإسلامية مكتوبة بالحروف العربية وفق نمط الخط الكوفي، وبطريقة بارزة تجعل الحروف مرتفعة عن السطح المحيط بها، بدلا من أن تكون محفورة إلى الداخل كما هو شائع في النقوش التقليدية.
وبحسب التحليل النقشي الذي تضمنته الدراسة، فإن العبارة الدينية تكررت على جانبي الأحفورة، مع اختلافات محدودة في ترتيب الكلمات وبعض تفاصيل الكتابة، كما يتكرر اسم الله في أجزاء من النقش، ولاحظ الباحثون أن بعض الحروف تبدو غير منتظمة، وأن صياغة العبارة تحمل خصائص عمل حرفي يدوي، وهو ما يرجح أن القطعة لم تُنتج بواسطة تقنية صناعية موحدة.
وأولى الباحثون أهمية خاصة للتحقق من أن الكتابة أُنجزت على الصخر نفسه، وليست طبقة أضيفت لاحقا بواسطة مادة لاصقة أو عجينة ممزوجة بمسحوق حجري، حيث أظهر الفحص أن نسيج المادة الصخرية وتبايناتها المجهرية متطابقة بين الحروف والمناطق المحيطة بها، كما أن بعض الشقوق الطبيعية التي أصابت الأحفورة تمتد عبر أجزاء من النقش أيضا، بما يدعم الاستنتاج القائل إن الحروف نُحتت مباشرة في المادة المتحجرة.
ولا تقدم الدراسة تاريخا دقيقا لصنع هذه التميمة، لكنها ترجح أن النقش أُنجز في الفترة الممتدة من أواخر القرن التاسع عشر إلى الثلث الأول من القرن العشرين، اعتمادا على المقارنات التاريخية والسياق الثقافي الذي ظهرت فيه هذه القطع، إذ يشير الباحثون إلى أن بعض العينات المشابهة شوهدت معروضة للبيع في أسواق مراكش خلال زيارات جرت في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، قبل أن تختفي من المشاهدات اللاحقة.
ومن الناحية الجيولوجية، لا تسمح خصائص المحار وحدها بتحديد موقع استخراجه بدقة، غير أن الباحثين يرجحون أن يكون مصدره أحد المكاشف الجوراسية في الأطلس الكبير الغربي، جنوب غربي مراكش، أو في الأطلس الكبير الأوسط، مع احتمال وجود مصادر أخرى في حوض الصويرة.
وتكتسب الدراسة أهميتها من كونها توثق حالة نادرة تتقاطع فيها الجيولوجيا مع التاريخ الديني والثقافي، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد أحفورة تحمل كتابة عربية، بل بقطعة استُخدمت، على الأرجح، في سياق رمزي أو وقائي.
ويرى الباحثون أن نقش الشهادة عليها يمثل أول مثال موثق لتميمة ذات صيغة دينية إسلامية نُقشت على أحفورة داخل الثقافة الإسلامية، مع الإشارة إلى وجود مثال أقدم لأحفورة تحمل كتابة عربية غير دينية عُثر عليها في سياق أثري يعود إلى الفترة الإسلامية المبكرة في مدينة طبريا بفلسطين التاريخية.
المصدر: الصحيفة





