الملك يجدد الدعوة إلى تأمين المخزون الاستراتيجي بعد خمس سنوات من “التأجيل والتبرير”.. هل تنجح حكومة المنصوري في ما عجزت عنه تجربة أخنوش؟

إيطاليا تلغراف متابعة

أعاد الملك محمد السادس، في خطابه أمام البرلمان بمجلسيه، أمس الجمعة 9 أكتوبر، ملف الاحتياطات الاستراتيجية للمواد الأساسية إلى واجهة النقاش حول جاهزية المغرب لمواجهة الأزمات الدولية، مجددا الدعوة إلى التعجيل بتطوير القدرات الوطنية في هذا المجال وتأمين توريد المواد الضرورية، في سياق دولي يتسم بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتزايد المخاوف بشأن استقرار إمدادات الطاقة وأسعارها. 

وقال الملك في خطابه الأخير “ندعو من جديد، إلى التعجيل بتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية”، قبل أن يوجه دعوة إلى القطاع الخاص الوطني للارتقاء إلى مستوى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، وأن يكون أكثر مبادرة وابتكارا، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير. 

وتكتسب هذه الدعوة دلالتها من كونها لا تتعلق بمجرد تحسين قدرات التخزين أو زيادة الكميات المتاحة في الأسواق، بل ترتبط بإشكالية أوسع تتصل بقدرة البلاد على الاستعداد للصدمات الدولية، وتقليص تعرض تموينها للاضطرابات الخارجية، وضمان استمرار وصول المواد الحيوية إلى المواطنين والقطاعات الاقتصادية في الظروف الاستثنائية.

واللافت أن الخطاب الملكي لم يطرح هذه المسألة للمرة الأولى، بل أعاد التأكيد على توجه سبق أن حدده الملك محمد السادس في 8 أكتوبر 2021، عند افتتاح الولاية التشريعية السابقة، ففي ذلك الخطاب، أشار إلى أن المغرب تمكن، في وقت سجلت فيه دول عديدة اختلالات كبيرة في توفير المواد الأساسية وتوزيعها، من مواصلة تزويد أسواقه بصورة عادية وبكميات كافية، لكنه شدد على ضرورة إحداث منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي تشمل، على الخصوص، المواد الغذائية والصحية والطاقية، مع تحيين الحاجيات الوطنية بصورة مستمرة بما يعزز الأمن الاستراتيجي للبلاد.

وجاء ذلك التوجيه في سياق استثنائي حينها أعقب جائحة كورونا، التي كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، وأظهرت كيف يمكن لاضطراب الإنتاج والنقل والتجارة الدولية أن يتحول، في فترة وجيزة، إلى تهديد لتوفير المواد الأساسية وارتفاع تكلفتها، حيث لم يكن الرهان آنذاك مقتصرا على تدبير النقص عند وقوعه، وإنما على بناء آلية استباقية تسمح للمغرب بالاستعداد للأزمات قبل وصول آثارها إلى الأسواق الوطنية، من خلال تحديد الحاجيات، وتطوير قدرات التخزين، وضمان استمرارية التموين.

لكن المسار الذي أعقب ذلك الخطاب أظهر أن وضوح الهدف الاستراتيجي لا يكفي، في حد ذاته، لضمان تنزيله في آجال معقولة، ففي أبريل 2022، وبعد مرور أشهر على صدور التوجيه الملكي، أعلنت الحكومة، على لسان مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة آنذاك، أن تنزيل المخزون الاستراتيجي لن يتم خلال السنة نفسها. 

وربط المسؤول الحكومي هذا التأجيل بارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية وتأخر التساقطات المطرية، موضحا أن الحكومة شرعت في العمل على الملف أواخر أكتوبر 2021، حين كانت الأسعار في مستويات اعتبرها عادية، قبل أن تتغير المعطيات بفعل الارتفاع الحاد في أسعار المواد الأساسية وتأثير الحرب الروسية الأوكرانية.

وقدمت الحكومة حينها تفسيرا يقوم على أن إحداث مخزون استراتيجي يتطلب سياسة عمومية متكاملة وتمويلات إضافية، إلى جانب التحكم في إنتاج المواد التي سيجري تخزينها، بيد أن الإشكال الذي برز منذ تلك المرحلة يتمثل في أن التحديات التي استدعت إطلاق الورش كانت، في حد ذاتها، مؤشرا على ضرورة الإسراع في بناء آليات الحماية، لا على إمكانية إرجائها إلى حين تحسن الظروف. 

وفي يناير 2023، عادت قضية المخزون الاستراتيجي إلى الواجهة من زاوية أكثر حساسية، بعدما كشفت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي أن المخزون المتاح من المواد الطاقية لا يغطي سوى نحو شهر من حاجيات الاستهلاك الوطني، كما تحدثت عن قدرات تخزينية تقل عن مليوني متر مكعب بالنسبة إلى المواد النفطية السائلة، ونحو 500 ألف متر مكعب بالنسبة إلى الغاز، في وقت لم تكن فيه منظومة متكاملة للمخزون الاستراتيجي قد دخلت حيز التنفيذ.

وبدل الإعلان عن استكمال المشروع الذي دعت إليه المؤسسة الملكية، اتجه النقاش الحكومي، في تلك المرحلة، نحو رفع القدرات التخزينية من خلال مشاريع القطاع الخاص، مع الحديث عن استثمارات مرتقبة بقيمة ملياري درهم وإضافة نحو 500 ألف متر مكعب إلى قدرات التخزين.

ووفق المعطيات التي عرضتها الوزيرة آنذاك، فإن هذه الزيادة كانت ستوفر ما يعادل نحو 13 يوما إضافية من حاجيات الاستهلاك الوطني، وهو ما أبرز أهمية تطوير البنية التخزينية، لكنه كشف أيضا محدودية معالجة الملف من خلال مشاريع متفرقة إذا لم تندرج ضمن تصور شامل يحدد مستويات المخزون المطلوب، والمواد ذات الأولوية، وآليات التدخل عند الأزمات.

وبررت الوزيرة التأخر، بدورها، بإكراهات قانونية، موضحة أن الإطار المنظم للمخزون الاحتياطي، ولا سيما القانون رقم 009.71 والقرار رقم 393.76، لا يتيح للدولة القيام بدور مباشر في إنشاء مخزون احتياطي يعزز التموين أو يؤثر في الأسعار، كما أن النصوص المعمول بها لا تستوعب، بحسب توضيحاتها، جميع التحولات التي عرفتها حاجيات المواطنين والاقتصاد الوطني. 

وهكذا، انتقل الملف من مبررات مرتبطة بارتفاع الأسعار والظروف المناخية وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، إلى نقاش بشأن التمويل والإطار القانوني والاعتماد على استثمارات القطاع الخاص، ومع أن كل واحد من هذه العوامل يمكن أن يشكل تحديا حقيقيا أمام تنفيذ مشروع بهذا الحجم، فإن تراكمها يطرح إشكالية أساسية تتعلق بقدرة التدبير الحكومي على تحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى برامج تنفيذية محددة الأهداف والآجال، بدلا من أن يظل تنزيلها رهينا بتغير الظروف أو باستكمال الدراسات والتصورات والإصلاحات القانونية.

وفي الخطاب الأخير، يعود هذا الرهان في سياق دولي مختلف عن سياق 2021، لكنه لا يقل إثارة للمخاوف، فبعد أن كانت جائحة كورونا واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية في صلب النقاش، باتت التوترات في الشرق الأوسط ومخاطر انعكاسها على أسواق النفط والغاز تفرض نفسها باعتبارها عاملا إضافيا يهدد استقرار الإمدادات وكلفتها. 

وفي هذا الإطار، فإن تصريح وزيرة الانتقال الطاقي قبل أيام بشأن تغطية المخزون الحالي للحاجيات إلى حدود نهاية السنة، وفق ما جرى الإعلان عنه رسميا، لا يحسم وحده مسألة الأمن الطاقي، لأن توفر الكميات في الظروف العادية يختلف عن امتلاك احتياطات استراتيجية مصممة لمواجهة اضطراب طويل أو انقطاع مفاجئ في التوريد. 

وبين الاستباق الذي تؤكد عليه التوجيهات الملكية والتأخر الذي تكشفه سياسات الحكومة، يظل التحدي أمام الحكومة والفاعلين المعنيين هو الانتقال من إعلان النوايا والتصورات إلى إجراءات ملموسة، بآجال واضحة ومؤشرات قابلة للتقييم، حتى لا تعود البلاد إلى مناقشة الأسئلة نفسها كلما اندلعت أزمة جديدة في العالم.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا

شاهد أيضا