بعد عام واحد من صعوده إلى سدة رئاسة الوزراء في إثيوبيا، كانت الأنظار تتابع باهتمام احتفال جائزة نوبل للسلام لعام 2019، والتي مُنحت لآبي أحمد ذلك الشاب الوسيم الذي بدا حينها كما لو أن السماء اختارته في لحظة انتقال قلق ليعبر بإثيوبيا إلى شواطئ الاستقرار النهائي، فيتوج بذلك النجاح الاقتصادي والاجتماعي الذي دشنه رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي ويحوله إلى أسطورة.
كان الشاب القادم من دهاليز المخابرات وأقبيتها بخلفية أكاديمية مولعة بالتكنولوجيا وأمن الشبكات يجمع كل متناقضات التكوين الإثيوبي في شخصه؛ فهو مسيحي بروتستانتي لأب مسلم من الأورومو وأم أرثوذكسية من قومية الأمهرة العريقة، وجاء إلى الحكم على خلفية احتجاجات شبابية كانت تستبطن تذمرا من سيطرة التيغراي بنسبتهم البالغة 7% على مفاصل البلاد، وخاصة في أجهزتها الأمنية والعسكرية.
ولكن ما بدا لحظة حالمة في ذلك الوقت سرعان ما تبدد تحت نيران الحرب الأهلية مع جبهة التيغراي التي راح ضحيتها وفق بعض التقديرات 600 ألف شخص، وعلى الرغم من التسوية السريعة التي طويت بها تلك الأحداث المؤسفة في بريتوريا بجنوب أفريقيا فإن الأحداث أبانت أن تلك التسوية كانت سطحية لم تلامس جوهر الأزمة في عمقها المطلوب.
ولذلك تجدد الصراع بين الحكومة المركزية وتحالف واسع هذه المرة ضم خصوم آبي أحمد من الذين كانوا له حلفاء في حربه السابقة.
وللإجابة عن السؤال المركزي الذي يتعلق بتكرار هذه الدورة الجهنمية في الداخل الإثيوبي وعن التساؤلات المتعلقة بتورطها في أكثر من ملف إقليمي ولا سيما نذر الحرب المستمرة مع الجارة إريتريا، وتوفير الدعم اللوجيستي لقوات الدعم السريع التي تقاتل الدولة السودانية، بجانب التوتر المستمر مع مصر وجمهورية الصومال يلزمنا الرجوع قليلا إلى الوراء لمعرفة الخلفيات والسياقات التي ظلت تشكل هذه التراجيديا السياسية والأمنية في إقليم القرن الأفريقي الذي تحتل إثيوبيا فيه موقعا مهما.
بعد سنوات من التذبذب السياسي صعد آبي أحمد إلى صدارة السلطة بطموحات كبيرة وآمال عريضة، وبخطاب حالم يبشر بالسلام والنهضة والمستقبل، ولكن تلك الخطابات الحالمة لم تصمد طويلا أمام تحديات الواقع مما اضطره إلى أن يضع جانبا جائزة نوبل للسلام ليحمل البنادق في سبيل مواجهة تلك التحديات ويخوض حروبا في الداخل والخارج
نهاية عقد التسعينيات من القرن الماضي كانت لحظة شديدة الخصوصية في العلاقات بين السودان وإثيوبيا، كبلدين مهمين في القارة الأفريقية يجمعهما جوار جغرافي ومصالح إستراتيجية كبرى.
في تلك اللحظة، أدرك قادة البلدين أن تقديم المصالح أوفر حظا لهما من مواصلة حالة العداء التي أعادت إحياء حرب لطالما كانت مستمرة بين هذين البلدين منذ قديم الزمان، وخاصة منذ الثورة المهدية في السودان والتي لا يمكن التأريخ لها دون إفراد فصل كبير لحروبها مع الحبشة وانتصارها الأسطوري على الإمبراطورية الحبشية وقتل إمبراطورها يوحنا الرابع.
كانت العلاقات قبل تلك اللحظة قد وصلت إلى مرحلة عميقة من التدهور، وخاصة بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك على الأراضي الإثيوبية في عام 1995، والتي وُجّهت فيها أصابع الاتهام إلى الخرطوم.
وبعد فاصل طويل من التوتر والحروب بالوكالة استأنف البلدان علاقتهما التي تعمقت هذه المرة على المستويين السياسي والإنساني؛ فعلى المستوى السياسي وصلت العلاقات إلى مرحلة التطابق شبه الكامل في وجهات النظر الإقليمية والدولية والتنسيق الكبير أمنيا وسياسيا، وعلى المستوى الإنساني نشأت علاقة خاصة وأسرية بين الرئيسين عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي.
وهو الأمر الذي ساعد كثيرا في تجاوز الملفات المعقدة بين البلدين مثل أزمة ترسيم الحدود، ومن بعدها ملف سد النهضة، كما عمل على صناعة استقرار غير مسبوق في تاريخ البلدين مما أتاح لهما تبني مشاريع تنموية كبيرة حيث بلغت مستويات النمو فيهما أرقاما غير مألوفة في القارة الأفريقية، وقامت مشاريع عملاقة في كلا البلدين حيث بدا أنهما ودّعا إلى الأبد محطات الفقر والنزاعات، ووضعا أقدامهما على عتبة الانطلاق نحو تأسيس نموذج اقتصادي أفريقي متميز.
ولكن تلك السنوات العامرة بالنمو والاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي لم يكتب لها الاستمرار، ففي السودان ومنذ انفصال جنوبه بدأ التراجع الاقتصادي يسيطر على الفضاء العام حتى انتهى الأمر بسقوط النظام في عام 2019، قبل أن تنحرف الفترة الانتقالية فيه إلى حرب ضروس بين السودانيين، ولم يكن الأمر بأفضل من ذلك في إثيوبيا التي دخلت في حالة من التوترات بعد رحيل ملس زيناوي وغياب قبضته الأمنية الصارمة على الداخل الإثيوبي.
وبعد سنوات من التذبذب السياسي صعد آبي أحمد إلى صدارة السلطة بطموحات كبيرة وآمال عريضة، وبخطاب حالم يبشر بالسلام والنهضة والمستقبل، ولكن تلك الخطابات الحالمة لم تصمد طويلا أمام تحديات الواقع مما اضطره إلى أن يضع جانبا جائزة نوبل للسلام ليحمل البنادق في سبيل مواجهة تلك التحديات ويخوض حروبا في الداخل والخارج.
عند النظر إلى مسيرة آبي أحمد ومشروعه النهضوي تبرز أربعة طموحات أساسية هي التي توجه تحركاته الداخلية والخارجية وتفسر كل التوترات التي نجمت طوال سنوات حكمه التي بدأت منذ عام 2018
صراع الطموحات والجغرافيا
كان هناك تصور سطحي على أن الظروف التي حملت آبي أحمد إلى قيادة إثيوبيا ومظلة الدعم الدولي التي توفرت له تعتبران ضمانة كافية لنجاحه، وذلك دون التعمق في الظروف والتحديات الموضوعية التي تتهدد المشروع التنموي الناهض داخليا وخارجيا، وهي تحديات تفوق قدرة النخبة الإثيوبية على التعامل معها دون توفر قيادة كاريزمية تحظى بالتقدير الداخلي الذي يمكنها من كبت التطلعات الانفصالية دون أن يؤدي ذلك الكبت إلى اندلاع حرب شاملة.
عند النظر إلى مسيرة آبي أحمد ومشروعه النهضوي تبرز أربعة طموحات أساسية هي التي توجه تحركاته الداخلية والخارجية وتفسر كل التوترات التي نجمت طوال سنوات حكمه التي بدأت منذ عام 2018:
القضية الأولى هي عكوفه على تفكيك إرث رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي وتفكيك هيمنة قومية التيغراي على مفاصل الدولة ولا سيما في المؤسسات العسكرية والأمنية.
وفي هذا الخصوص فإنه اتخذ جملة من الخطوات الكبيرة كان أولها حل ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية الذي كان يضم أربعة تنظيمات رئيسية تمثل التيغراي والأورومو والأمهرة وشعوب الجنوب، وقد فهم قادة التيغراي تلك الخطوة على أنها إبعاد مقصود يستهدفهم كما يستهدف حلفاءهم في القوميات الأخرى، ولكن آبي أحمد نجح مرحليا في عزل بقية القوميات عن التيغراي بل وعمل على إحياء الخلافات العرقية بينهم ووظف تلك الخلافات لتعبئة القوميات الأخرى كالأمهرة والأورومو للقتال ضد التيغراي في حرب 2020.
على أنه يجب النظر إلى أن الحرب التي اندلعت في عام 2020 بين الحكومة وجبهة التيغراي كانت في جوهرها صراعا بين إرادتين ومشروعين، يرى المشروع الأول أنه هو الذي هندس للنجاح السياسي والدستوري الذي أتاح للقوميات الأخرى من خارج الأمهرة (الحكام التاريخيين) والتيغراي الأقوياء، بالوصول إلى المواقع القيادية، كما أنه هو الذي وضع إثيوبيا على عتبة التنمية والنهضة، ولكنه وجد نفسه مهددا بالتفكيك والإقصاء.
بينما يرى المشروع الآخر أن شرعية النضال المسلح لم تعد ذات قيمة سياسية خاصة وسط الشباب الذين يشكلون 60% من جملة السكان، حيث باتت أحلامهم متعلقة بالمستقبل وفرص العمل والتكنولوجيا وليس بالاستماع إلى بطولات التحرير ضد نظام منغستو هيلا مريام التي لم يعايشوها، وهذه المسألة تحديدا هي التي ساعدت آبي أحمد كثيرا في تمثله لتبني خيار المستقبل الذي يعبر عن الشباب بمشروعاته التي تهتم بالإبهار البصري في المناطق الحضرية.
أما النقطة الثانية المتعلقة بتصفية إرث ملس زيناوي، فتمثلت في محاولة صياغة جديدة للنظام السياسي القائم على الفدرالية العرقية، فقد رأى فيه القادمون الجدد أنه سلاح ذو حدين، إذ على الرغم من اعترافه بالتنوع العرقي وإعطائه حقوقا لأقاليم وقوميات لم تكن تظهر في خارطة الشأن العام بما يوازي حجمها كقومية الأورومو مثلا التي تشكل نسبة 35% من السكان، فإنه في الوقت نفسه أحيا النعرات القومية وساهم في تأجيج الخلافات بين القوميات المختلفة.
إن الطموحات الكبيرة التي تحملها دول منطقة القرن الأفريقي لا يمكن أن تتحول جميعها إلى مشاريع نهضة إذا أديرت بعقلية الصراعات، ولذلك يجب القول إنه بمثلما لإثيوبيا الحق أن تحلم بالنهضة وتبحث عن موقع يليق بحجمها ومقدراتها فإن للآخرين الحق نفسه، والطريق الأقصر إلى تحقيق هذه الطموحات هو التوافق الذي يجعل مصالح الجميع ممكنة
كما أنهم رأوا فيه وسيلة استخدمها التيغراي لتأكيد سيطرتهم على مؤسسات الدولة والعمل على تغذية النعرات العرقية وفقا لسياسة (فرق تسد)، وكبديل لذلك قام آبي أحمد بتكوين حزب الازدهار بصورة مركزية تنتهي فيه كل الأمور إليه مباشرة.
وبالعودة إلى طموحات إثيوبيا الجديدة جاء التحول في المشروع الاقتصادي والنموذج التنموي، فبينما كان الرئيس الراحل ملس زيناوي يعتمد على نموذج تنموي تقوده الدولة بالمحافظة على مؤسساتها الاقتصادية، جاء آبي أحمد بفلسفة ليبرالية حين اتجه إلى فتح الاقتصاد الإثيوبي أمام القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي، وشرعت حكومته في خصخصة جزئية لشركة الاتصالات الحكومية وفتحت السوق أمام منافسين جدد بعد أن ظلت الشركة تحتكر القطاع لعقود.
وتشكل عقدة الجغرافيا التي جعلت إثيوبيا بسكانها الـ 120 مليون نسمة دولة حبيسة واحدة من أخطر الطموحات للقيادة الجديدة في حزب الازدهار، والتي ترى أن هناك خطأ تم ارتكابه إبان عهد النظام السابق الذي اعترف باستقلال دولة إريتريا وجعل من إثيوبيا حبيسة عن موانئ البحر الأحمر.
ولا يخفي قادة الحزب والحكومة سعيهم لتصحيح هذا الخطأ الاستراتيجي القاتل، بل إن رئيس الوزراء نفسه لا يفتأ يكرر هذه التصريحات، حيث يقول في أحد التسريبات إن “إثيوبيا ستعمل على تأمين الوصول المباشر إلى الميناء، إما سلميا أو بالقوة إذا اقتضى الأمر” ويسعى آبي أحمد إلى جعل الأمر قضية قومية تتصل بأمن البلاد وبسيادتها، وبأنها قضية وجودية لن تتنازل عنها إثيوبيا.
أما إريتريا فتعتبر أن المساعي الإثيوبية للوصول إلى ميناء عصب إعلان حرب عليها، وأنها لن تسمح بوجود إثيوبي في موانئها مهما كان الثمن، ولذلك فإنه لم يكن متصورا أن يستمر ربيع العلاقات الدافئ كثيرا بين البلدين، إذ سرعان ما توترت الأجواء، ووصلت إلى درك سحيق في الأيام الأخيرة حين اتهم قائد الجيش الإثيوبي إريتريا والسودان ومصر بدعم تحالف البقاء، واتخاذ القيادة الإثيوبية قرارا بقطع العلاقات الدبلوماسية وطرد الدبلوماسيين.
وهذه النقطة تحديدا هي التي تحدد طبيعة صياغة السياسة الخارجية الإثيوبية تجاه جوارها وخاصة مع إريتريا والصومال، لأن إثيوبيا تدرك جيدا أن أي فرصة لها لكي تكون دولة كبيرة في المنطقة يتطلب منها أن تتوفر على فرصة الوصول للموانئ لتسهيل تجارتها مع العالم، وما يفسر تصاعد التجاذبات بشأنها مؤخرا هو اختلاف تكوين القيادة الإثيوبية.
فشخصية ملس زيناوي الحذرة كانت تحدد طريقة التعاطي معها بكثير من الصبر الإستراتيجي والمناورات الإقليمية والدولية، ولكن شخصية آبي أحمد المندفعة والباحثة عن إنجازات سريعة تعضد شرعيته في الداخل ساهمت في خلق أجواء متواصلة من المخاوف والتوترات لدى جيرانه، فقد مثَّلَ توقيعه لاتفاق مع إقليم أرض الصومال الانفصالي سابقة خطيرة في التعامل مع الكيانات المنشقة عن الدولة المركزية في منطقة القرن الأفريقي المليئة بالتمردات والانشقاقات على الدولة.
ويبدو أن ذلك نهج تتبعه السياسة الإثيوبية في ثوبها الجديد، إذ تزايدت التقارير التي تتحدث عن تسهيلات إثيوبية لقوات الدعم السريع بما في ذلك استخدام أراضيها في التدريب والإسناد اللوجيستي وفتح جبهة جديدة في ولاية النيل الأزرق، فضلا عن استضافتها كيانات مناوئة للحكومة السودانية.
أما الطموح الرابع الذي يحدد منهج القيادة الإثيوبية في تعاملها مع محيطها الاقليمي فهو رغبتها في أن تكون نموذجا تنمويا إقليميا عبر المشروعات الكبرى التي توفر لها سردية قومية توظفها كواحدة من آليات التعبئة ضد الخارج، ووسيلة لصرف الانتباه عن الصعوبات المعيشية في الداخل، وتأتي مشروعات البنية التحتية وسد النهضة في مقدمة هذه المشروعات، وتستند إثيوبيا في ذلك على تحالفات إقليمية توفر لها رأس المال والتمويل بجانب التكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
وأخيرا:
وفي النهاية فإن الطموحات الكبيرة التي تحملها دول منطقة القرن الأفريقي لا يمكن أن تتحول جميعها إلى مشاريع نهضة إذا أديرت بعقلية الصراعات، ولذلك يجب القول إنه بمثلما لإثيوبيا الحق أن تحلم بالنهضة وتبحث عن موقع يليق بحجمها ومقدراتها فإن للآخرين الحق نفسه، والطريق الأقصر إلى تحقيق هذه الطموحات هو التوافق الذي يجعل مصالح الجميع ممكنة.
أما إدخال قوى إقليمية معادية إلى منطقة القرن الأفريقي فلن يكون في مصلحة أحد على المستوى البعيد، وكذلك فإن التورط في دعم المليشيات مخاطرة على الجميع، ففي إقليم هش كهذا لا يملك أحد ترف نسيان أن البيوت كلها من زجاج.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر: الجزيرة






