د.عادل الحواتمة
أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية والسياسة العامة، جامعة لوسيل، قطر.
خضعت بعض البحار والممرات والقنوات والمضائق لإدارتين مختلفتين عبر حقبتين من الزمن أنتجتا مخرجات متباينة: ففي ظل إدارة بريطانيا العظمى انسابت المياه في تلك الشرايين البحرية بسلاسة دون تعسر، ولم تُحدث ضررا مماثلا أو مكافئا لما أحدثته إدارة الولايات المتحدة الحالية خاصة لمضيق هرمز في سياق الحرب على إيران، والذي يمر من خلاله تقريبا 20 مليون برميل نفط يوميا وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا.
ويرجع الفرق بين النموذجين لاختلافات تطال نماذج الإدارة والتقدم التكنولوجي، فضلا عن بيئة الأزمات الدولية وأنماط القيادات السياسية.
هرمز في قلب نظرية ماهان
برزت النظريات والمقاربات البحرية باعتبارها دليلا على أن السيطرة على البحار والممرات والمضائق تُسهم في تمكين الدول من تعزيز الهيمنة والمكانة السياسية والاقتصادية وإحكام قبضتها على العالم.
وفي هذا السياق برزت نظرية الضابط الأمريكي ألفرد ماهان عام 1890، والتي وضعها بالاستناد لمكانة بريطانيا الدولية رابطا ذلك بمدى تفوقها البحري وقدرتها على إدارة التجارة البحرية وما يتصل بها من الموانئ والسفن والأساطيل البحرية.
تستند النظرية إلى جملة من الافتراضات التي يمكن إسقاط بعضها على نموذج الإدارة البريطانية، على الرغم من وجود دول مشاطئة للمضيق، باعتباره مهما لطرق التجارة الدولية وخاصة مع الهند، كما يمكن إسقاط بعضها الآخر على حالة المقاومة الإيرانية للنموذج الإداري الأمريكي فيما يتعلق بهرمز تحديدا حيث استخدم كل منهما ذلك بطريقته الخاصة.
تتحدث افتراضات النظرية عن أن تركيز القوة البحرية في المكان يعطي أفضلية مقابل التوزيع، وهذا ما تحاول إيران القيام به، بحيث أصبح جُل اهتمامها منصبا الآن على مضيق هرمز، في حين تتشتت قطع البحرية الأمريكية وتتوزع في المحيطات والبحار، على الرغم من دعوة بعضها للمشاركة في حصار الموانئ الإيرانية بين الحين والآخر.
كما تفترض النظرية أن السيطرة على طرق المواصلات والعُقد البحرية تمنح نفوذا دوليا، ومحور هذا الافتراض “النفوذ” منقسم عمليا وبشكل نسبي في الوقت الحالي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية؛ فلا توجد حتى هذه اللحظة قبضة إحكام كاملة على المضيق من قبل أي من الطرفين، على الرغم من المحاولات الجادة من قبلهما لتحقيق ذلك من أجل تعزيز المواقف التفاوضية من جهة، وتقديم كل منهما حجم قدرته للعالم على التأثير في عصب الحياة الدولي، وبالتالي الإقرار المباشر أو غير المباشر بالنفوذ والاعتراف بذلك الدور الإقليمي على الأقل.
لقد أسهم مضيق هرمز عمليا بتأكيد أهمية الجغرافيا السياسية، التي بقيت لعقود حبيسة الأطر النظرية، حيث أضحى، ولا يزال، حجر عثرة في طريق أي توجه نحو التقاء وتقارب وجهات النظر، أو تفاهمات أو تسويات بشكل أوسع تنهي حالة الظروف القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
إن سِمة التعقيد هذه، ليست نابعة من الأهمية الجغرافية للمضيق فحسب، بل تأتي مما هو أبعد من ذلك؛ حيث أصبح المضيق فاعلا ماديا، بمفهوم التأثير، ذا أثر اقتصادي وإستراتيجي بالنظر لحجم الآثار المُترتبة إقليميا ودوليا بسبب حالة التكلس البحري التي شكّلها النزاع الحالي على سلاسة انسيابه، وبالتالي وفي عرف الطب السياسي، يمكن القول مجازيا إن المضيق بحق، يحتاج لعملية إنعاش وقسطرة سياسية وإستراتيجية تعيد فتح شرايينه تجنبا لاستمرار حالة الشلل المؤقت التي أحدثها الوضع الراهن.
صحيح أن الأدبيات الجغرافية والسياسية والاقتصادية تؤكد أهمية مضيق هرمز باعتباره عقدة في شبكة بحرية ينتج عن إغلاقه حالة من الفوضى الإقليمية والدولية، بالنظر لعلاقته بمضيق باب المندب وبحري عمان والعرب بالتالي النصف الشرقي للكوكب.
ولقد بقي ذلك نظريا ولوقت طويل مثار جدلٍ بين الباحثين تُحدده النسبية بين القبول التام لتوصيف وتأطير تلك الأهمية، والقبول النسبي، لهذا الطرح، إلى أن جاءت الحرب الحالية لتؤكد نتائجها تلك الأهمية القصوى. ولعل اعتبار بعض المعايير كالعامل التكنولوجي، والإدارة في ظل الأزمات، والنماذج القيادية تُسهم في فهم التباين بين الإدارتين البريطانية والأمريكية للمضائق البحرية وبخاصة مضيق هرمز.
العامل التكنولوجي
تؤدي التكنولوجيا دورا مزدوجا في هذا السياق، من حيث مدى مساعدتها للأطراف التي تدير المضيق لتمكينهم من حسن إدارته في مواجهة تكنولوجيا مُقابلة ومقاومة، ومن جهة أخرى، رفع مستوى الاعتماد على انسياب سلس لمصادر الطاقة من خلاله لتشغيل المصانع والمعامل ومقتضيات الحياة العامة.
في الحالة البريطانية، وعلى الرغم من بساطة التكنولوجيا المساعدة في بسط السيطرة الملاحية وما رافقها من إسناد عسكري في ذلك الوقت، استطاعت بريطانيا تأمين انسياب سلس لطرق التجارة بما فيها مضيق هرمز خلال القرن التاسع عشر، وبالوقت ذاته لم تنشئ التكنولوجيا في ذلك الوقت حالة من النشوة لدى بعض الأطراف المُشاطئة تُصور لذاتها القدرة على التأثير المباشر وغير المباشر في فرض أمر واقع يخالف القانون والأعراف الدولية.
هذا الواقع مختلف كليا عن الوضع الحالي للمضيق في ظل تقدم تكنولوجي للأطراف المتصارعة نسبيا، فالولايات المتحدة تمتلك الوسائل والأدوات المُساعدة في إنشاء حالة مُفترضة من السيطرة سواء قصدنا الوسائل الملاحية أو العسكرية المُساندة، كما تمتلك إيران على الجهة المقابلة، تكنولوجيا بحرية تعتمد المسيرات والزوارق التي يعمل بعضها بالذكاء الاصطناعي بالإضافة لإستراتيجيات زرع الألغام المتطورة، وبالتالي يمكن قراءة العامل التكنولوجي في هذا الدور بأنه إيجابي في ظل غياب صراعات، وسلبي في حضورها.
أما الدور الآخر الذي يمكن محاولة فهمه في السياق التكنولوجي للإدارة الأمريكية، هو أن التقدم والتوسع في الصناعات والزيادة السكانية وبطء خطوات السعي نحو التكنولوجيا الخضراء أو عدم اكتمالها، أسهمت في نشوء حالة تحاول من خلالها بعض الأطراف التأثير في وصول الإمدادات التقليدية للطاقة من نفط وغاز لمحتاجيها في العالم عبر المضيق؛ أملا في تشكيل ضغط على سياسات الولايات المتحدة، وبالأخص ما يمكن أن يسهم في توقف الحرب القائمة، ولكن، وبرغم ذلك، فإن هذا لم يُنتج واقعا مرغوبا كما كان مأملا، بدليل تعثر كل محاولات الوصول لتسوية أو اتفاقات تنهي حالة الصدام وما رافقها.
لذلك، يمكن النظر بعين الإخفاق للإدارة الأمريكية في قدرتها -بصفتها دولة قطبا- على تأمين ملاحة بحرية منتظمة للمضيق لتفادي حالة الصدمة الطاقوية التي أنشأتها الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
أما في الحالة البريطانية، فقد كان التركيز على الجغرافيا بذاتها كممرات تجارية دون طاقوية، تركز على حركة الملاحة دون أن يُختزل التركيز في هرمز كونه ممرا بحريا لمصادر الطاقة بشكل أساسي، وبالتالي لم تحدث حالة من فوضى الأسواق كما هو الحاصل الآن.
الفكرة العامة التي يمكن اشتقاقها أن مستوى التكنولوجيا المعتدل في ظل غياب صراعات يسهم في انتفاء سمة التعقيد مقارنة بامتلاك تكنولوجيا متقدمة لبعض الأطراف في مواجهة تكنولوجيا مناوئة ولو كانت محدودة في ظل عصر الذكاء الاصطناعي كالمسيرات والألغام البحرية والزوارق الموجهة.
نماذج القيادة في ظل الأزمات الإقليمية وتهديد طرق التجارة الدولية
على الرغم من تباين حدة الأزمات التي ألمت بالمضيق أو جواره في ظل الإدارتين البريطانية والأمريكية، فإن استعراضا سريعا للإدارة البريطانية يكشف عن اختلاف طبيعة الأدوات والآليات المستخدمة مقارنة بالإدارة الأمريكية. فلقد استخدمت بريطانيا لتأمين طرق التجارة الدولية ومسير شركة الهند الشرقية، القوة البحرية، والمعاهدات، والمتعاون المحلي.
تزودنا مكتبة قطر الرقمية بمحطات مهمة من تاريخ الإدارة البريطانية للبحار ومضيق هرمز تحديدا انطلاقا من التعاون والعمليات العسكرية التي بدأها الإنجليز ضد البرتغاليين في قشم وهرمز عام 1622.
هذه المحطات وغيرها دفعت بريطانيا لإنشاء حالة استتباب أمني من خلال إشراك جميع الفاعلين أصحاب المصلحة في هدنة بحرية دائمة تمت عام 1853، حيث نصت على تعهد بسلام دائم لا يُنتهك وإلى الأبد في الخليج العربي: فقد نصت المادة (1) على وقف العمل العدائي البحري تماما بين رعايا كل من شيوخ منطقة الخليج ومن يتبعهم، حيث تسود هدنة بحرية تامة، كل على حدة، إلى الأبد.
ونصت الهدنة في المادة (2) على معاقبة المعتدين بأي عمل عدواني في البحر يستهدف أرواح أو ممتلكات رعايا كل المتعاهدين أو من يتبعهم من أطراف هذا الاتفاق، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم، وبشكل أكثر تخصيصا نصت المادة (3) على أن ارتكاب أي من الموقعين أي عمل عدواني في البحر ضد أي من رعايا بريطانيين أو تابعين لهم، فإنه لن يتم الرد فورا، بل سيتم تبليغ المقيم البريطاني أو قائد الأسطول في باسيدور.
كما اتفق المتعاهدون على أن تتولى الحكومة البريطانية مسؤولية الإشراف على حفظ السلام المُبرم، وأن تتخذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان الالتزام التام بالبنود المذكورة أعلاه في جميع الأوقات.
هذه بعض من المحطات التي اختلطت بها المصالح وآليات التنظيم تحت الإدارة البريطانية والعربية في الخليج، التي لم تنتج سوء إدارة محدثة ضررا واسعا كما هو الحال الآن، على الرغم من الفارق الكبير بارتباط أهمية المضيق حاليا بمصادر الطاقة مقارنة مع تلك الحقبة، ولكن ما يعنينا هنا هو مقاربة التعاطي معه، وهذا ما ينقلنا للنماذج القيادية البريطانية والأمريكية التي لها دور مباشر وغير مباشر في دفع مياه المضيق نحو الهدوء أو الهيجان.
اتسمت القيادة البريطانية في ظل مراحل مختلفة بالسيطرة على ما نشأ من حالات كادت أن تعرقل عمل المضيق، من خلال تنويع الأدوات والمقاربات التي تنوعت بين استخدام القوة، أو التهديد باستخدامها إلى جانب المعاهدات وإيجاد قيادات سياسية وكيلة في الدول الساحلية تضطلع بالمهمة الأساسية والمباشرة تأكيدا لاعترافها بالدور السيادي للدول المشاطئة، ولقد تم ذلك في ظل غياب نسبي لأعمال عدائية انتقامية لحلفاء بريطانيا في المنطقة، وعدم تخليها عن أولئك الحلفاء.
أمريكيا، تكمن الإشكالية بشكل أساسي بالحسابات الخاطئة منذ البداية التي افتعلت الأزمة الحالية دون مبررات قانونية كافية، إلى جانب عدم وجود خيارات وبدائل لدور المضيق الحيوي. وقعت القيادة الأمريكية الحالية في فخ سوء الإدراك “Misperception” حول عواقب افتعال حرب إقليمية تمتد آثارها السياسية والاقتصادية لتطال قطاعات واسعة بسبب عدم انتظام عمل المضيق.
إن عملية تصور لقوة خارقة وضاربة للولايات المتحدة مقابل تصور محدودية ووهن القوة الإيرانية أنتجت الوضع الراهن المتأزم، حيث لم يعد قياس القوة بحجمها فقط، على الرغم من أهمية ذلك، بل بمقدار ما تحدثه من ضرر مباشر وغير مباشر ومستمر، فمجموعة من الزوارق والمسيرات والألغام الذكية من شأنها أن تعرقل عمل الأساطيل الأمريكية وما زالت.
لذلك، من الواضح أن الإدارة الأمريكية افتقدت منذ البداية بوصلة التوجيه في شنها للحرب في ظل غياب لرؤية احتواء ما بعد افتعال الحرب والضربة الأولى، كما افتقدت حسابات دقيقة لمدى القدرة الإيرانية المُعطلة للملاحة البحرية في المضيق كما ينبغي أن يكون.
يمكن القول إن مضيق هرمز باعتباره نتاج تضاريس جغرافية، تجاوز ذلك ليكون عصبا حيويا تغذي مياهه شرايين العالم، ويحتاج حاليا لعملية قسطرة سياسية، وخضع تاريخيا لإدارتين مختلفتين بريطانية وأمريكية، أسهمت سياقات التكنولوجيا والأزمات والقيادة في تشكيل نماذج تلك الإدارات بين البريطانية ذات المياه الهادئة والأمريكية ذات المياه الهائجة.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





