الصين… أضرار الحرب وخسائر السلام

 

 

 

فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية

 

 

بعد اللقاء التاريخي بين الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون والصيني ماوتسي تونغ عام 1972، والذي جرى جزئياً على خلفية الحرب الباردة، رأت الصين فرصةً في توظيف الخلافات بين الدول الكبرى لمصلحتها، لكنها اليوم في عام 2026 تختلف عن تلك التي زارها نيكسون، كما ذابت الحرب الباردة إلى غير رجعة، وتحولت الصين نفسها إلى دولة كبرى تملك صناعة متقدمة وتجارة واسعة، وتعتمد على أسواق الدول العربية والطاقة المستوردة منها، وتهمها سلامة طرق الملاحة، ولم تعد سياسة اقتناص فرص الخلافات ذات جدوى، وهي تجد نفسها وأسواقها ومعاملها متأثرة بالصراعات.. تحت هذا العنوان، جلس ترامب وشي جي بينغ في 24 الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول) وجهاً لوجه، في لقاء لم يأتِ بظروف عادية بين رئيسي أكبر اقتصادين في العالم، فخلفهما حربان كبيرتان في أوكرانيا والخليج العربي، وأزمات طاقة وتجارة، وشبكة علاقات دولية تتغير وسط الضغط العسكري والضرورة الاقتصادية، ورغم كل هذا التراكم المُلح لم تسفر القمة عن اختراق كبير، واقتصرت النتائج على تمديد “الهدنة التجارية” لمدة قصيرة.

بَنت الصين في العقدين السابقين علاقات اقتصادية متينة مع كل من الإمارات والسعودية، ونسجت قبلها جسوراً استراتيجية مع إيران، أثمرت عن تعاون واضح بينهما، وقد أهل موقف الصين رعايتها اتفاقاً سعودياً إيرانيّاً عام 2023، حين قدمت نفسها شريكاً يستطيع جمع الخصوم بعلاقاته الطيبة مع الطرفين، وبدا نفوذ الصين يتضخّم بسرعة في الشرق الأوسط، لكن الحرب الراهنة في الخليج وضعتها أمام امتحان صعب، فالصين التي استفادت من النفط الرخيص الإيراني، والمتدفق من الدول العربية، وجدت نفسها في حالة حرجة أمام اضطراب الملاحة في هرمز وباب المندب وارتفاع تكاليف إيصال الطاقة، وأصبحت مضطرّة إلى التفكير في البدائل. وبعد استثمارها طاقة إيران التي كانت تحت حصار غربي، ستخسر كثيراً في حالة انهيار نظام الولي الفقيه بشكله الحالي، وستواجه الحالة نفسها لو طالت الحرب وتضرّرت البنية التحتية النفطية الإيرانية بشكل أكبر، وإذا انتهت الحرب بتسوية أميركية إيرانية، فقد تتهرّب إيران من متابعة تصدير النفط إلى الصين بالشروط نفسها، وتبحث عن بديل أكثر سخاء.

أما علاقة الصين مع روسيا فهي محكومة بمعادلة مختلفة، فموسكو المحاصرة تعتمد بشكل أكبر على أسواق الصين وتكنولوجياتها، ما يعطي نفوذاً صينياً كبيراً على روسيا، وتسمح هذه الوضعية بتمرير جنود كوريين شماليين إلى روسيا، مع دعم خفي لا يصل إلى المساندة المباشرة. والصين، بالطبع، لا ترغب في انهيار روسي وخسارة كل ذلك النفوذ، ويمكن أن يؤدّي استمرار الحرب مدة أطول إلى تضرر العلاقات الصينية مع أوروبا، فمصلحة الصين في التهدئة وليس الهدوء النهائي، ولا ترغب الصين في عودة الوئام إلى العلاقات الأوروبية الروسية، كالذي أعقب الحرب الباردة مباشرة، فعندها ستواجه الصين وحيدة الضغوط الأميركية، التي لن تكون التعرفات الجمركية إلا واحدة منها.

حمل التعاون الصيني الأميركي في “تسوية” الحروب تباينات أساسية، فواشنطن كانت في حاجة إلى نفوذ الصين على كل من روسيا وإيران، ولكن ترامب لم يكن مستعداً لمنحها موقع الشريك الكامل المكافئ في صياغة الترتيبات الأمنية النهائية، في حين رغبت الصين في الاعتراف علناً بدورها من دون أن تتحمل أية تبعات تضعها في مواجهة مع شركائها، أي من دون أن تخسر موقعها المميز في موسكو وطهران، وهذا ما يفسّر محدودية نتائج لقاء ترامب وشي، فالتفاهم على ضرورة استقرار الملاحة أو تخفيف التوتر لا يعني أن هناك اتفاقاً ذا قيمة أمنية قد أُنجز، والصين ليست راغبة في تعميق الأزمات، فالاضطراب يقود إلى أسواق غير مستقرة وحركة شحن غير منتظمة بما لا يناسب اقتصادها، فهي تتمنّى عودة حالة من انحسار المعارك مع إبقاء وضعية عدم التعيين سائدة، لتعاود الانتفاع وتحقن اقتصادها بجرعاتٍ من التنمية، لكن الصين كان عليها أن تدرك أن حالة الصراعات الراكدة لا تعني أن النظام القائم الذي تستفيد منه لا يتفكك ببطء.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا