يواجه اقتصاد إيران في خريف عام 2026 مجموعة من الضغوط المتزامنة من تراجع في قيمة الريال، وارتفاع التضخم، وانخفاض الإنتاج، وتقييد التجارة الخارجية، وتراجع الاستثمار، إلى جانب التكاليف المباشرة وغير المباشرة للحرب. وقد أثرت هذه العوامل في الاقتصاد في وقت كانت فيه الحكومة تواجه بالفعل محدودية الموارد وعجز الموازنة.
برأيي، تكمن أهمية الوضع الحالي في أن هذه الضغوط لا يمكن تحليلها بمعزل بعضها عن بعض. فتراجع إيرادات النقد الأجنبي قد يؤثر في سوق الصرف وإيرادات الحكومة معا، وانخفاض الإنتاج قد يحد من الإيرادات الضريبية، وارتفاع تكاليف الحرب قد يزيد الضغط على الموازنة، وقد تؤثر طريقة تمويل عجز الموازنة أيضا في التضخم والقوة الشرائية.
لذلك، لا يمكن تفسير مشكلة الاقتصاد الإيراني بسعر الصرف أو التضخم وحدهما، فالمسألة الرئيسية هي قدرة الاقتصاد والحكومة على إدارة عدة صدمات كبيرة في وقت واحد.
اقتصاد ينكمش وترتفع فيه الأسعار
تشير البيانات الرسمية المنشورة في الأشهر الأخيرة إلى تراجع ملحوظ في النشاط الاقتصادي. فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي لإيران في الربع الأول من العام الإيراني 1405، الموافق للفترة من 21 مارس/آذار إلى 21 يونيو/حزيران 2026، بنحو 10.1% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وشهد قطاع النفط والغاز تراجعا بنحو 26%، كما انخفض الناتج المحلي الإجمالي الغير نفطي.
ولم يقتصر تراجع الإنتاج على قطاع الطاقة، إذ تأثرت أيضا قطاعات الصناعة والتعدين والخدمات والإنتاج. وفي الوقت نفسه، بلغ التضخم مستوى مرتفعا جدا، ووصل معدل التضخم لفترة 12 شهرا في شهر شهريور، الموافق للفترة من 23 أغسطس/آب إلى 22 سبتمبر/أيلول 2026، إلى نحو 70%.
في هذه الظروف، يواجه الاقتصاد وضعا مزدوجا: انخفاض الإنتاج، وارتفاع تكاليف المعيشة.
وقد يحد تراجع القوة الشرائية من استهلاك الأسر، كما قد يؤثر انخفاض الطلب بدوره في مبيعات بعض المنشآت وإنتاجها. ومن جهة أخرى، يفرض ارتفاع تكاليف المواد الخام والطاقة والنقل والواردات مزيدا من الضغط على المنتجين.
انهيار الريال وتراجع القوة الشرائية
فقد الريال خلال الأشهر الأخيرة جزءا كبيرا من قيمته مقابل الدولار. وتجاوز سعر الدولار في السوق الحرة بنهاية سبتمبر/أيلول حاجز 2.5 مليون ريال، بعدما كان في حدود مليون ريال قبل نحو عام.
ولا يعد انخفاض قيمة العملة الوطنية مجرد مؤشر يتعلق بسعر الصرف. فإيران تؤمن من الخارج جزءا من احتياجاتها من المواد الخام والمعدات والأدوية والسلع الوسيطة والسلع الاستهلاكية. لذلك، قد يؤدي تراجع قيمة الريال إلى ارتفاع تكاليف الواردات، وقد ينتقل أثره إلى المستهلك عبر زيادة تكاليف الإنتاج وأسعار السلع.
لكن ارتفاع الأسعار لا ينجم عن سعر الصرف وحده. فنمو السيولة، وعجز الموازنة، وقيود العرض، وتكاليف الإنتاج، والتوقعات التضخمية، واضطراب التجارة الخارجية، كلها عوامل تسهم أيضا في حدوث التضخم.
وتتمثل التداعيات الاجتماعية لهذا المسار في تراجع القوة الشرائية وازدياد الضغط على الطبقات المتوسطة وذوي الدخل المنخفض. وفي هذه الظروف، حتى الزيادة الاسمية في الأجور لا تعني بالضرورة ارتفاع القوة الشرائية الفعلية.
تراجع إيرادات الحكومة
من أهم تداعيات انخفاض صادرات النفط وتقييد وصول إيران إلى موارد النقد الأجنبي تراجع إيرادات الحكومة. ففي الاقتصاد الإيراني، لا تعد الإيرادات النفطية المصدر الوحيد لتوفير النقد الأجنبي اللازم للواردات، كما يعتمد جزء من الموارد المالية للحكومة على الإيرادات الناتجة عن صادرات النفط والغاز.
لذلك، عندما تنخفض صادرات النفط أو يصبح الوصول إلى إيراداتها أكثر صعوبة، تتعرض الحكومة للضغط من جهتين: تراجع موارد البلاد من النقد الأجنبي، وفقدان جزء من إيرادات الحكومة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ظروف الحرب. فالحكومة تواجه انخفاضا في جزء من إيراداتها بينما ترتفع نفقاتها، من الإنفاق الدفاعي والأمني إلى دعم الأسر، والحفاظ على الخدمات العامة، وتعويض خسائر المنشآت، وإعادة بناء البنية التحتية المتضررة.
ونتيجة لذلك، قد يؤدي تراجع إيرادات النقد الأجنبي مباشرة إلى تفاقم عجز الموازنة. ولتعويض هذه الفجوة، تضطر الحكومة إلى اللجوء إلى مصادر أخرى، مثل الإيرادات الضريبية، وإصدار السندات، وبيع الأصول، واستخدام موارد الصناديق، أو اللجوء في بعض الحالات إلى التمويل النقدي.
ومن هذا المنظور، لا يعد انخفاض صادرات النفط مجرد مسألة تتعلق بالتجارة الخارجية أو سوق الصرف، فقد يؤدي تراجع إيرادات النقد الأجنبي إلى انخفاض موارد الحكومة، وزيادة عجز الموازنة، وتقليص قدرتها على تمويل النفقات الجارية والاستثمار.
عجز الموازنة: إيرادات أقل ونفقات أكبر
يعد عجز الموازنة إحدى المشكلات الهيكلية للاقتصاد الإيراني، ولا يقتصر على الحرب. ومع ذلك، قد تؤدي ظروف الحرب إلى تفاقم هذا الاختلال.
يرتبط جزء كبير من نفقات الحكومة بالرواتب والأجور، ومعاشات التقاعد، والتعليم، والصحة، والدعم، وسائر الخدمات العامة. ومن الصعب خفض هذه النفقات بسرعة من الناحيتين التنفيذية والاجتماعية.
في المقابل، تتسم إيرادات الحكومة بقدر أكبر من المرونة، وقد تنخفض في ظروف الركود وتراجع صادرات النفط. كما تواجه الإيرادات الضريبية قيودا عندما يتعرض الإنتاج والتجارة والاستهلاك المحلي للضغط.
وهكذا، تواجه الموازنة ضغطا من جهتين: موارد أقل ونفقات أكبر.
وتوسع الحرب هذه الفجوة من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي والأمني، والدعم الطارئ، وتكاليف إعادة الإعمار.
التكلفة لا تقتصر على الإنفاق العسكري
لا يمكن قياس التكلفة الاقتصادية للحرب بموازنة الدفاع وحدها. فالأضرار التي تلحق بمنشآت الطاقة، وشبكة الكهرباء، والوحدات الصناعية، والمباني السكنية، والنقل، والبنية التحتية الحضرية، تعني نشوء تكاليف جديدة على الحكومة والقطاع الخاص.
ومن جهة أخرى، قد يؤدي توقف نشاط بعض المنشآت أو تراجعه إلى انخفاض الإنتاج والتوظيف والإيرادات الضريبية. كما يزيد اضطراب النقل والتجارة تكاليف الاستيراد والتصدير.
لذلك، قد تؤثر الحرب في الموازنة عبر عدة مسارات: زيادة بعض النفقات الحكومية المباشرة، وتراجع الإيرادات النفطية وإيرادات النقد الأجنبي، وانخفاض الإيرادات الضريبية، وارتفاع تكاليف الدعم، وتكاليف إصلاح البنية التحتية وإعادة بنائها، وانخفاض القدرة الإنتاجية والإيرادات المستقبلية.
وقد طرح مسؤولون إيرانيون تقديرا أوليا للأضرار المباشرة وغير المباشرة للحرب بنحو 270 مليار دولار. ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذا الرقم بوصفه تقديرا أوليا، وليس تقديرا نهائيا ومستقلا للخسائر.
تحدي الموازنة بعد الحرب
حتى إذا توقفت المواجهات، فلن تزول الضغوط الاقتصادية فورا. فقد تحتاج مرحلة إعادة الإعمار إلى موارد مالية كبيرة.
وعلى الحكومة توزيع الموارد بين عدة احتياجات متنافسة: تمويل النفقات الجارية، ودعم الأسر، وتوفير الخدمات العامة، وإعادة بناء البنية التحتية، وتهيئة الظروف لعودة الاستثمار والإنتاج.
وإذا لم تتوفر موارد كافية، فستكون أمام الحكومة خيارات مثل إصدار سندات الدين، وبيع الأصول، واستخدام موارد الصناديق، وزيادة الضرائب، أو التمويل النقدي للعجز.
ولكل من هذه الأساليب تداعياته الخاصة. فقد تؤدي زيادة الضرائب إلى رفع إيرادات الحكومة، لكنها قد تضغط على النشاط الاقتصادي إذا صممت بصورة غير ملائمة. وينقل إصدار سندات الدين جزءا من التكلفة إلى المستقبل، ويزيد التزامات الحكومة. كما قد يؤدي خفض الإنفاق الإنمائي إلى إبطاء إعادة الإعمار والنمو الاقتصادي.
وقد يؤدي تمويل العجز من مصادر نقدية أيضا إلى مزيد من الضغوط التضخمية إذا نمت القاعدة النقدية والسيولة بصورة كبيرة، دون زيادة متناسبة في الإنتاج.
لذلك، لا تتعلق المسألة الرئيسية بحجم عجز الموازنة وحده؛ فطريقة تمويله ذات أهمية حاسمة أيضا.
الضغط الاقتصادي الأمريكي وقيود التجارة
تؤثر العقوبات الأمريكية منذ سنوات في جزء من الاقتصاد الإيراني. وفي عام 2026، اشتدت هذه الضغوط مع فرض قيود جديدة واتخاذ إجراءات بحرية.
وتصف واشنطن هذه الإجراءات بأنها جزء من الضغط الاقتصادي والسياسي الرامي إلى الحد من الموارد المالية لإيران وتغيير سلوك النظام. في المقابل، يرى المسؤولون الإيرانيون أن هذه الإجراءات تزيد الضغوط على الاقتصاد وحياة الناس، وقد وصفوا بعض الإجراءات البحرية الأمريكية بأنها غير قانونية.
وبصرف النظر عن اختلاف الآراء بشأن أهداف هذه الإجراءات ومشروعيتها، يمكن دراسة أثرها الاقتصادي في عدة مجالات: زيادة صعوبة تصدير النفط، وارتفاع تكاليف التجارة، وتقييد الوصول إلى الموارد المالية، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وازدياد صعوبة استيراد بعض السلع.
وفي الوقت نفسه، تعود جذور بعض المشكلات الاقتصادية الإيرانية إلى عوامل داخلية كانت موجودة قبل اشتداد الضغوط الخارجية؛ منها عجز الموازنة، والتضخم المزمن، وضعف الاستثمار، ومشكلات النظام المصرفي، واعتماد الموازنة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.
لذلك، فإن إرجاع جميع مشكلات الاقتصاد الإيراني إلى عامل واحد لا يقدم صورة كاملة.
الاستثمار: حلقة معرضة للضرر
يحتاج النمو الاقتصادي المستدام إلى الاستثمار، لكن الحرب وعدم اليقين يزيدان صعوبة اتخاذ القرارات الاستثمارية.
وعندما تكون آفاق سعر الصرف، والتجارة الخارجية، وأمان رأس المال، ومستوى الطلب المحلي غير واضحة، فقد تؤجل المنشآت استثماراتها الجديدة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة على المدى الطويل. فتراجع الاستثمار لا يعني انخفاض النشاط الاقتصادي اليوم فحسب، بل قد يحد أيضا من القدرة الإنتاجية في المستقبل.
وإلى جانب رأس المال المالي، قد يترتب على خروج الكفاءات المتخصصة من البلاد تكلفة طويلة الأمد أيضا. فإعادة بناء الاقتصاد لا تحتاج إلى المباني والآلات والموارد المالية وحدها؛ إذ تمثل الموارد البشرية والمعرفة المتخصصة جزءا من رأس المال الاقتصادي للبلاد.
الضغوط المعيشية وتغير سلوك الأسر
قد يؤدي ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية إلى تغيير سلوك الأسر أيضا. فقد تخصص الأسر حصة أكبر من دخلها للسلع الأساسية، وتخفض نفقاتها على التعليم والعلاج والترفيه أو الاستثمار الشخصي.
وتؤثر هذه التغيرات على المستوى الاقتصادي الكلي أيضا. فقد يؤدي تراجع الطلب على السلع والخدمات غير الضرورية إلى انخفاض مبيعات بعض الأعمال، وما يترتب عليه من تراجع الإيرادات والتوظيف.
ومن جهة أخرى، قد تضطر الحكومة إلى زيادة الدعم النقدي أو العيني لمنع تفاقم الضغوط المعيشية، وهو إجراء يفرض بدوره تكاليف أكبر على الموازنة.
التجارة الخارجية ومضيق هرمز
تكتسب القيود على المسارات البحرية ووضع مضيق هرمز أهمية خاصة أيضا. فجزء كبير من تجارة المنطقة يمر عبر هذا المسار، وقد يؤدي اضطرابه إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين وتوفير السلع.
وبالنسبة إلى إيران، تزداد أهمية هذه المسألة، لأن صادرات النفط وجزءا من التجارة الخارجية للبلاد يعتمدان على المسارات البحرية.
وقد يؤثر اضطراب هذا المسار لفترة طويلة، إضافة إلى الاقتصاد الإيراني، في الدول المصدرة للطاقة في المنطقة والأسواق العالمية.
وفي هذه الظروف، يتجاوز أثر الحرب حدود إيران، وينتقل إلى أسعار الطاقة والتجارة الإقليمية وسلاسل الإمداد الدولية.
الصين وروسيا والجيران: مسارات بديلة
سعت إيران خلال سنوات العقوبات إلى تقليل اعتمادها على القنوات المالية والتجارية الغربية، وتوسيع علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا والدول المجاورة.
وقد تخفف هذه العلاقات جزءا من الضغط الناجم عن القيود الغربية، لكنها لا تشكل بديلا كاملا للتجارة العالمية. فالقيود المصرفية، وتكاليف النقل، واختلاف المعايير، ومحدودية قدرة بعض المسارات البرية والبحرية، ومشكلات تحويل الأموال، لا تزال قائمة.
ولهذا، قد يشكل توسيع التجارة الإقليمية جزءا من الحل، لكنه لا يعالج بمفرده جميع المشكلات المتعلقة برأس المال والتكنولوجيا والنقد الأجنبي والصادرات.
من يدفع تكلفة الأزمة؟
من أهم الأسئلة الاقتصادية: على عاتق أي فئات ستقع تكلفة هذه الظروف في نهاية المطاف؟ يدفع جزء من التكلفة عبر تراجع القوة الشرائية للأسر، وجزء عبر انخفاض أرباح المنشآت واستثماراتها، وجزء عبر زيادة ديون الحكومة. كما قد ينقل جزء منها إلى السنوات المقبلة من خلال خفض الإنفاق العام أو تأخير المشاريع الإنمائية.
وفي حال زيادة الضرائب، سيتحمل المكلفون بها جزءا آخر من التكلفة. وإذا مول العجز من مصادر نقدية، فقد يتوزع جزء منها على مجمل الاقتصاد في صورة تضخم.
لهذا، لا يعد عجز الموازنة مجرد مسألة محاسبية تخص الحكومة، فطريقة إدارته قد تؤثر مباشرة في توزيع الدخل والقوة الشرائية وآفاق النمو الاقتصادي.
وفي نهاية المطاف، لا تقتصر المسألة الرئيسية للاقتصاد الإيراني على تعافي سعر الصرف أو انخفاض مؤقت في التضخم. فالتحدي الأكبر هو استعادة القدرة الإنتاجية والاستثمار وإيرادات الحكومة المستدامة في اقتصاد يواجه في الوقت نفسه محدودية الموارد والتكاليف الباهظة للحرب وإعادة الإعمار.
المصدر: الجزيرة





