تأملات سوسيولوجية في المجتمع والثقافة…حين يصبح الغضب لغة الشارع

 

 

 

 


بقلم فاطمة براو
متخصصة في علم الاجتماع

 

 

 

بعد عودتي إلى المغرب، إثر ثماني سنوات من الغربة، وجدت نفسي أمام مشهد يستحق التأمل. لم تكن دهشتي في تغير ملامح المدن أو إيقاع الحياة، بقدر ما كانت في ذلك التوتر الذي بات يطفو على سطح العلاقات اليومية، وكأن أعصاب الناس أصبحت أكثر استنفاراً، ومساحة التسامح بينهم أضيق مما ينبغي.

في الشارع، داخل سيارات الأجرة، وفي طوابير الانتظار، وحتى في أبسط المواقف التي كان يمكن أن تمر بهدوء، يتكرر المشهد نفسه: صوت مرتفع، واحتجاج سريع، وشكوى لا تنتهي، ومشادة تتحول إلى شجار، وسائق غاضب في مواجهة راكب غاضب، وكأن كل طرف يدخل الحوار مستعداً للمعركة قبل أن يسمع الطرف الآخر.

لماذا أصبح الغضب حاضرا إلى هذا الحد في حياتنا اليومية؟

قد يبدو الجواب سهلا: البطالة، والفقر، وغلاء المعيشة، وضغط الالتزامات اليومية. ولا شك أن هذه العوامل قد تستنزف طاقة الإنسان النفسية، وتزيد شعوره بالإحباط والقلق. لكنها، في تقديري، لا تكفي وحدها لتفسير ما نلاحظه.

فالمشهد الاجتماعي أكثر تعقيدا من أن نختزله في مؤشرات الفقر أو الغنى. فالمقاهي ممتلئة، والمطاعم تستقبل زبائنها، والسيارات تجوب الشوارع، والمحلات تعرض أحدث صيحات الموضة. وهذه المظاهر، وإن لم تكن دليلاً على الرفاه أو الاستقرار الاقتصادي لدى الجميع، تدعونا إلى البحث عن عوامل أخرى قد تساعد على فهم التوتر الذي نلمسه في العلاقات اليومية.

لعل السؤال الأهم ليس فقط: هل يعيش المواطن تحت الضغط؟ بل أيضا: كيف يعبّر عن هذا الضغط، وكيف تحوّل الغضب إلى أسلوب في التواصل؟

هنا أعتقد أن علينا الالتفات إلى عامل لا يحظى بما يكفي من التأمل: طبيعة الخطاب الذي يحيط بنا، ولا سيما في بعض المنابر الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي.

حين يصبح الصراخ أكثر حضورا من الحوار، والتشهير بديلا عن النقاش، والاتهام أسرع من التحقق، والسخرية من الآخر وسيلة لإثبات الذات، فإننا لا نكتفي بوصف الواقع، بل قد نساهم، من حيث ندري أو لا ندري، في تطبيع لغة عدائية داخل المجتمع.

فالخطاب اليومي ليس مجرد كلمات عابرة؛ إنه يساهم في تشكيل نظرتنا إلى الآخرين، وفي تحديد ما نعتبره مقبولاً من سلوك وردود أفعال. وعندما يتعرض الإنسان باستمرار للغة الاستفزاز والاحتقار والتخوين، فقد يصبح أكثر استعداداً لاستعمالها في محيطه المباشر، وإن لم يكن ذلك صحيحاً في جميع الحالات.

ولعل الأخطر أن تنتقل هذه العدوانية من الفضاء الرقمي إلى الشارع، ومن النقاش العام إلى العلاقات البسيطة بين الناس، حتى يصبح الاختلاف استفزازاً، والملاحظة إهانة، والاعتذار انتقاصاً من الكرامة.

ومع ذلك، سيكون من التبسيط أن نحمل الإعلام وشبكات التواصل وحدهما مسؤولية هذا التحول؛ فالتوتر الاجتماعي تتداخل في إنتاجه عوامل اقتصادية ونفسية وتربوية ومؤسساتية، كما أن ما نلاحظه في الشارع يظل تجربة معيشة تستحق التأمل والبحث، لا حكماً نهائياً على المجتمع بأكمله.

إن الانفتاح الإعلامي الذي أتاح لنا متابعة ما يجري في العالم لحظة بلحظة يفتح بدوره مجالاً آخر للتأمل. فقد أصبح المواطن المغربي، كما غيره من مواطني العالم، قادراً على الاطلاع على الحروب والصراعات والمآسي الإنسانية التي تقع في مناطق مختلفة، ومتابعة صور الدمار ومعاناة المدنيين بصورة متواصلة.

وهنا يبرز سؤال يستحق التفكير: ما الأثر الذي تتركه هذه المشاهد المتكررة في وعينا وعلاقتنا بالآخر؟ هل يؤدي الاعتياد على صور العنف والقسوة إلى جعلها أكثر ألفة في نظرنا، أم أن الاطلاع على معاناة الشعوب يعزز التعاطف والشعور بالمسؤولية الإنسانية؟ تختلف الاستجابات من شخص إلى آخر، لكن من المشروع التساؤل عن كيفية تأثير هذا التدفق المتواصل من الأخبار والصور في مشاعرنا.

ولا يتعلق الأمر بالحروب وحدها، بل أيضاً بما تكشفه بعض الممارسات عن عالم تتداخل فيه المصالح السياسية والاقتصادية، وتحتدم فيه المنافسة على النفوذ والثروة، وقد تتراجع فيه الاعتبارات الإنسانية أمام حسابات القوة والربح. وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كانت بعض مظاهر الاستهلاك والتنافس المادي قد أصبحت تزاحم قيماً أساسية، مثل التضامن والرحمة واحترام كرامة الإنسان.

غير أن ذلك لا يعني أن العالم فقد إنسانيته، أو أن الانفتاح الإعلامي يؤدي بالضرورة إلى العنف؛ فوسائل الإعلام نفسها تتيح كشف المآسي، وإيقاظ الضمائر، وتعزيز التضامن مع المتضررين. ولعل التحدي الحقيقي يكمن في كيفية استقبال ما يجري حولنا، وفي قدرتنا على الحفاظ على حساسيتنا تجاه معاناة الآخرين، دون أن نفقد قدرتنا على الحوار والتعايش في حياتنا اليومية.

إن المجتمعات لا تتماسك بالطرق والبنايات والمظاهر الاستهلاكية وحدها؛ إنها تحتاج أيضاً إلى رصيد من الثقة والاحترام المتبادل، وإلى قدرة على الاختلاف دون عداء، والاحتجاج دون إهانة، والدفاع عن الحقوق دون المساس بكرامة الآخرين.

ربما لا تكمن المشكلة في أن الناس أصبحوا غاضبين فحسب، بل في أن الغضب قد يجد في بعض الخطابات ما يغذيه، وفي بعض الممارسات اليومية ما يبرره، وفي غياب ثقافة الحوار ما يسمح له بالتمدد.

فهل نحن أمام مجتمع مثقل بالضغوط لم يعد يجد دائماً اللغة المناسبة للتعبير عنها؟ أم أمام تحولات اجتماعية وثقافية أعمق، تتداخل فيها أدوار الأسرة والمدرسة ومختلف المؤسسات التربوية والثقافية في ترسيخ قيم الحوار والمواطنة واحترام الآخر، مع تأثير الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والتحولات التي تعرفها منظومة القيم، والدور الذي باتت تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل السلوك وتوجيه التعبير عن الغضب؟

وكيف نحافظ على إنسانيتنا في عالم تتسع فيه إمكانات التواصل والاطلاع على أحوال البشر، بينما تظل الحاجة إلى الاحترام والتعاطف والحوار حاضرة في أبسط تفاصيل حياتنا اليومية؟

أسئلة تستحق أن نتوقف عندها، لا لنوزع الاتهامات أو نصدر الأحكام، بل لنفهم أنفسنا ومجتمعنا بصورة أعمق، ونتأمل مسؤوليتنا المشتركة عن صون كرامة الإنسان وترسيخ ثقافة الاختلاف والتعايش

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا