البرلمان المغربي … حين تتحول القرابة السياسية إلى سؤال حول تكافؤ الفرص وتجديد النخب
الدكتور خالد الشرقاوي السموني
أستاذ القانون الدستوري
لم يعد النقاش حول تجديد النخب السياسية في المغرب مقتصراً على البرامج الانتخابية، أو حصيلة العمل البرلماني، أو مدى قدرة الأحزاب على استقطاب كفاءات جديدة. لقد برز، إلى جانب ذلك، سؤال آخر لا يقل أهمية: هل أصبحت الروابط العائلية والسياسية عاملاً حاسماً في الوصول إلى المؤسسة التشريعية؟ وهل نحن أمام ظاهرة تستدعي إعادة التفكير في معايير الترشيح واختيار ممثلي الأمة؟
إن المتأمل في تركيبة مجلس النواب يطرح، في هذا السياق، تساؤلات مشروعة حول وجود عدد من المنتخبين الذين تربطهم صلات عائلية بمسؤولين سياسيين أو حزبيين، سواء تعلق الأمر بزوجات هؤلاء المسؤولين أو أبنائهم أو بناتهم. ومهما اختلفت الحالات والسياقات، فإن تكرار مثل هذه الصور يفتح الباب أمام نقاش جدي بشأن تكافؤ الفرص داخل الأحزاب السياسية، ومدى استقلالية قرارات التزكية، وحدود التداخل بين النفوذ العائلي والتمثيل الديمقراطي.
أين هي الكفاءات؟
السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ألا تزخر الأحزاب السياسية المغربية بكفاءات وطاقات شابة وأطر أكاديمية ومهنية قادرة على تحمل المسؤولية التشريعية والرقابية؟ ألا توجد نساء ورجال راكموا تجارب في العمل الجمعوي والنقابي والحقوقي والاقتصادي، ويملكون من المؤهلات ما يسمح لهم بالمساهمة في تدبير الشأن العام؟
إن الإشكال لا يكمن في كون المرشح زوجة مسؤول سياسي أو ابنه أو ابنته، فالرابطة العائلية لا تعني، في حد ذاتها، انعدام الكفاءة أو عدم الأهلية السياسية. كما أن الانتماء إلى عائلة سياسية لا ينبغي أن يتحول إلى مانع تلقائي من ممارسة الحقوق الدستورية. لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما يصبح الاسم العائلي، أو القرب من مراكز القرار الحزبي، امتيازاً غير معلن يمنح صاحبه فرصاً لا تتاح بالقدر نفسه لبقية المناضلين والمرشحين.
فالديمقراطية لا تقوم فقط على حق الجميع في الترشح، بل تحتاج أيضاً إلى ضمان شروط عادلة للتنافس، وإلى أحزاب تفتح أبوابها أمام الكفاءات على أساس الاستحقاق، لا على أساس الولاء أو القرابة أو النفوذ.
هل تسيء هذه الظاهرة إلى صورة المؤسسة التشريعية؟
إن البرلمان ليس مجرد فضاء لتجميع المقاعد الانتخابية، بل هو مؤسسة دستورية يفترض أن تعكس تنوع المجتمع، وأن تمثل مصالح المواطنين، وأن تضطلع بمهام التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية.
ومن تم، فإن تكرار حضور أفراد من العائلة السياسية نفسها داخل المؤسسة التشريعية قد يثير لدى الرأي العام تساؤلات حول طبيعة الاختيارات الحزبية، وحول ما إذا كانت التزكيات تُمنح بناء على الكفاءة والاستحقاق، أم تتأثر أحياناً باعتبارات النفوذ العائلي والحسابات التنظيمية.
ومثل هذه التساؤلات قد تؤثر في صورة البرلمان وفي ثقة المواطنين في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، خصوصاً عندما يشعر المواطن بأن الوصول إلى مواقع المسؤولية ليس متاحاً بالقدر نفسه للجميع.
غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين مجرد وجود صلة عائلية، وهو أمر لا يكفي وحده لإثبات المحاباة، وبين وجود قرائن فعلية على استغلال النفوذ أو تفضيل الأقارب دون معايير موضوعية. فالمطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة على الأشخاص، وإنما المطالبة بقواعد واضحة وشفافة تجعل الاستحقاق معياراً أساسياً في اختيار المرشحين.
بين الحق الدستوري والتنافي الأخلاقي
قد لا يكون ترشيح الأقارب، في حد ذاته، مخالفاً للقانون، ما دامت شروط الأهلية القانونية متوافرة. لكن السؤال الأخلاقي يظل قائماً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمسؤولين سياسيين أو حزبيين يملكون تأثيراً في قرارات التزكية، ثم نجد أفراداً من أسرهم يستفيدون من مواقع انتخابية داخل الحزب نفسه أو في المجال السياسي ذاته.
وهنا تبرز أهمية الفصل بين الحق القانوني والممارسة الأخلاقية. فليس كل ما يسمح به القانون بالضرورة ممارسة سليمة من زاوية الحكامة السياسية، كما أن تضارب المصالح لا ينبغي أن يُفترض لمجرد وجود قرابة، بل يتطلب النظر في طبيعة القرار، وموقع المسؤول، ومدى تأثيره في عملية الاختيار.
إن المسؤولية السياسية تقتضي قدراً أكبر من التحفظ والشفافية، لأن من يتولى تدبير الشأن العام مطالب بأن يقدم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية والعائلية، وأن يتجنب كل وضع قد يثير شبهة المحاباة أو يضعف الثقة في نزاهة المؤسسات.
برلماني وبناته في الدائرة نفسها: أين ينتهي التمثيل ويبدأ الاحتكار؟
تزداد حدة الإشكال عندما يتعلق الأمر بحالات يكون فيها برلماني، إلى جانب عدد من بناته أو أفراد أسرته، حاضرين في المشهد الانتخابي داخل الدائرة نفسها أو المدينة ذاتها. ففي مثل هذه الحالات، لا يعود النقاش مقتصراً على حق كل فرد في الترشح، بل يمتد إلى طبيعة التنافس السياسي، وحدود تكافؤ الفرص، ومدى قدرة بقية الفاعلين على الوصول إلى الناخبين في ظروف متوازنة.
فهل يمكن الحديث عن تنافس متكافئ عندما تتقاطع الروابط العائلية مع النفوذ التنظيمي والامتداد الانتخابي؟ وهل يستطيع المرشح الذي لا يستند إلى شبكة عائلية سياسية أن ينافس بالوسائل نفسها؟ ثم ألا يطرح تمركز التمثيل السياسي داخل عائلة واحدة، في مجال جغرافي محدد، سؤالاً حول مدى تعددية النخب التي تصل إلى المؤسسات المنتخبة؟
إن الخطر الذي ينبغي التنبيه إليه هنا ليس في وجود عائلة تضم أكثر من شخص مهتم بالشأن العام، وإنما في احتمال تحول النفوذ السياسي المتراكم إلى امتياز يصعب على الآخرين منافسته، بما قد يؤدي إلى تضييق المجال أمام كفاءات وفعاليات أخرى من المنطقة نفسها.
كما أن هذا الوضع يستدعي نقاشاً حول مبدأ الجهوية والتمثيل الترابي. فالجهوية، في بعدها الديمقراطي، لا تعني مجرد توزيع المقاعد على المجالات الجغرافية، بل تقتضي أيضاً إتاحة المجال أمام تعددية الفاعلين المحليين، وتمكين مختلف مكونات المجتمع من المشاركة في تدبير الشأن العام. وإذا تركز التمثيل السياسي في أيدي شبكة عائلية محدودة، فإن ذلك قد يضعف الإحساس بتنوع التمثيلية، حتى إن كان احترام الشروط القانونية للانتخاب متحققاً.
هل نحتاج إلى تعديل القوانين الانتخابية؟
إن هذه الأسئلة تدعونا إلى التفكير الجدي في سبل تطوير الإطار القانوني والتنظيمي المؤطر للانتخابات، بما يعزز النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، دون المساس بالحقوق الدستورية للمواطنين أو تحويل القرابة العائلية إلى سبب تلقائي للإقصاء.
ويمكن أن ينصب النقاش على مجموعة من التدابير، من بينها:
– وضع معايير أكثر وضوحاً وشفافية لاختيار المرشحين داخل الأحزاب السياسية، مع الإعلان عن مساطر التزكية وأسس المفاضلة بين المتنافسين.
– تعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وتمكين المناضلين والكفاءات المحلية من المشاركة الفعلية في اتخاذ قرارات الترشيح.
– إقرار قواعد للشفافية والإفصاح عن حالات تضارب المصالح، خصوصاً عندما يكون لمسؤول حزبي تأثير مباشر في تزكية أحد أقاربه.
– التفكير في ضوابط قانونية متناسبة تمنع استغلال النفوذ الحزبي أو الإداري لتحقيق مكاسب انتخابية عائلية، مع إخضاع أي قيود محتملة على الترشح لنقاش دستوري وقانوني دقيق.
– تقوية آليات مراقبة تمويل الحملات الانتخابية واستعمال موارد الأحزاب، بما يضمن ألا تتحول الإمكانات التنظيمية والمالية إلى وسيلة لإدامة النفوذ داخل العائلات نفسها.
الأحزاب أمام امتحان تجديد النخب
لا يمكن تحميل القانون وحده مسؤولية هذه الظاهرة، إن ثبت اتساعها، لأن الأحزاب السياسية تتحمل بدورها مسؤولية أساسية في تجديد نخبها، وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي القائم على التدرج والاستحقاق والتكوين السياسي.
فالحزب الذي يريد استعادة ثقة المواطنين مطالب بأن يثبت أن أبوابه مفتوحة أمام الكفاءات، وأن التزكية ليست امتيازاً تمنحه العلاقات الشخصية، وأن القيادة السياسية لا تتحول إلى مجال مغلق يعيد إنتاج الوجوه نفسها، أو يوسع نفوذها عبر أفراد الأسرة الواحدة.
ومن حق المواطنين أن يعرفوا كيف تُختار الأسماء التي تطلب أصواتهم، وما المعايير التي تحكم ترتيب المرشحين وتزكيتهم، ومدى احترام هذه المعايير على قدم المساواة. فالشفافية في الاختيار ليست شأناً داخلياً محضاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسات تمثل الأمة وتؤثر في حاضر البلاد ومستقبلها.
البرلمان ملك للمواطنين، لا امتداد للعائلات
إن التساؤل عما إذا كنا أمام «برلمان العائلات» ليس حكماً نهائياً على المؤسسة التشريعية، ولا اتهاماً جماعياً للمنتخبين الذين تربطهم علاقات قرابة بمسؤولين سياسيين. إنه سؤال يراد منه فتح نقاش عمومي حول حدود النفوذ العائلي في الحياة السياسية، ومدى قدرة النظام الحزبي والانتخابي على ضمان تداول النخب وتجديدها.
فالمواطن لا ينتظر من البرلمان أن يكون ساحة لتوارث المواقع السياسية، بل مؤسسة تتنافس داخلها الكفاءات والبرامج والرؤى، ويكون فيها معيار الاختيار هو القدرة على تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم، لا الاسم العائلي أو القرب من مراكز القرار.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إقصاء أبناء السياسيين أو زوجاتهم لمجرد انتمائهم العائلي، وإنما ضمان ألا تتحول القرابة إلى طريق مختصر نحو السلطة، وألا يصبح النفوذ المتراكم عائقاً أمام ظهور كفاءات جديدة.
فهل تستطيع الأحزاب السياسية أن تبادر إلى مراجعة أساليب التزكية، وأن تقدم للرأي العام ما يثبت أن الاستحقاق هو أساس الاختيار؟ وهل آن الأوان لفتح نقاش تشريعي ومؤسساتي جدي حول الضمانات الكفيلة بتحقيق تكافؤ الفرص وتجديد النخب؟
إن قوة البرلمان لا تقاس بعدد المقاعد التي تشغلها عائلة أو مجموعة من العائلات، وإنما بمدى تعبيره عن تعددية المجتمع، واستقلالية قراره، وقدرته على استعادة ثقة المواطنين. فالمؤسسات الديمقراطية لا تُبنى على الامتيازات الموروثة، بل على الاستحقاق والمساءلة وتكافؤ الفرص.





