من الحبل السُّرِّي إلى حبل الله وما بينهما: رحلةٌ بين حبال الحياة وحبال مشانقها..

 

 

 

*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

هل يولد الإنسان حرًّا، ثم تقوده حبال الحياة إلى الاختناق والمشنقة، أم يستطيع أن يحوّل رحلته من مجرّد التعلّق بالحبال إلى البحث عن معنى يستحقّ أن يعيش من أجله؟
يأتي الإنسان إلى هذه الدنيا معلّقًا بأوّل حبلٍ يعرفه وهو الحبل السُّرِّيّ؛ حبلٌ يصل الجنين بأمّه ويجعل الحياة تمرّ إليه من جسدٍ لم يولد منه، لكنه لا يستطيع أن يولد بدونه.

وحين يُقطع ذلك الحبل، يبدأ الإنسان رحلته في الحياة، مستقلًّا بجسده، لكنه يظلّ يبحث، طوال عمره، عن حبال أخرى تصل ما انقطع، وتمنحه ما افتقد، وتُشعره بأنّه ليس جزيرةً تائهةً في محيط الوجود.

ومنذ صرخته الأولى، تتكاثر الحبال من حوله؛ حبالٌ لا يراها بعينيه، لكنّه يشعر بثقلها في قلبه، وبشدّها في عنقه، وبأثرها في قراراته ومصيره.

هناك الحبال الصوتية التي تمنحه القدرة على الكلام، وبها صاح باكياً مباشرةً بعد خروجه من المشيمة، لكنّه قد يقضي عمره أسير حبال الصمت بعد ذلك؛ يعرف الحقيقة ولا يقولها، يرى الظلم ولا يسمّيه، ويملك الصوت، لكنه يخشى ثمن الكلمة. فكأنّ المأساة ليست في أن يفقد الإنسان صوته، بل في أن يمتلكه ثم يعيش مكمّم الإرادة.

وهناك حبل الوريد، ذلك التعبير القرآني الذي يستحضر دقّة الصلة بين الإنسان وحياته، حتى يقول الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. كأنّ الإنسان، مهما ابتعد في الأرض، ومهما توهّم استقلاله، يظلّ كائنًا محدودًا، تحيط به حقيقة وجوده، وتذكّره بأنّ الحياة ليست ملكًا مطلقًا له، وأنّ أقرب الأشياء إليه قد تكون أكثرها غموضًا عليه.

ثم تأتي حبال الحياة التي لا تُصنع من الليف، بل من الحاجة والخوف والطمع؛ حبل الرزق الذي قد يتحوّل إلى قيد، وحبل الدَّين الذي يمدّ عمر الحاجة ويضيّق أفق الحرية، وحبل المصالح الذي يربط المواقف بأثمانها، وحبل التبعيّة الذي يجعل المرء يمشي بإرادة غيره وهو يعتقد أنّه يختار طريقه بنفسه.

وثمّة حبال أشدّ خفاءً: حبل الولاء حين يتحوّل إلى طاعة عمياء، وحبل الحبّ حين ينقلب إلى امتلاك وحبل الثقة حين يُستغلّ للإخضاع وحبل الخوف حين يُلقى حول العقل حتى يصبح السجين حارسًا لسجنه والمدافع عن القيد أشدّ إخلاصًا من صانعه.

وفي السياسة، قد لا تحتاج الهيمنة إلى سلاسل حديدية؛ يكفيها حبلٌ من الديون، أو خيطٌ من المصالح، أو وعدٌ بالمساندة، أو خوفٌ من العزلة. فكم من دولةٍ ظنّت أنّها تمسك بطرف الحبل، فإذا بالطرف الآخر في يد من يوجّهها! وكم من سلطةٍ أحكمت قبضتها على رقاب الناس، ثم اكتشفت أنّها هي الأخرى معلّقة بحبال الخوف من الحقيقة ومن سقوط الهيبة ومن لحظةٍ يستعيد فيها الناس أصواتهم؟

إنّ أخطر الحبال ليست دائمًا تلك التي تخنق الجسد؛ بعضها يخنق الإرادة وبعضها يشنق الحقيقة وبعضها يعلّق الضمير على مشجب المصالح وبعضها يترك الإنسان حيًّا في الظاهر، بينما يجرّده من القدرة على أن يكون نفسه.

لكنّ الحبال، على اختلافها، ليست سواءً؛ فمنها ما يحمل الإنسان حين يتعثّر، ومنها ما يربطه بمن يحبّ، ومنها ما ينقذه من السقوط، ومنها ما يجرّه إليه. وبين حبل النجاة وحبل الأسر شعرةٌ قد لا يراها المرء إلا بعد فوات الأوان؛ فليس كلّ ما يشدّنا يسندنا، وليس كلّ ما نتمسّك به ينقذنا، وليس كلّ ما يبدو طريقًا للخلاص سوى قيدٍ يتقن التنكّر في هيئة الأمل.

أمّا حبل المشنقة الذي يتدلى، فهو الوجه الأكثر فجاجةً ووحشيةً للحبل حين يتحوّل من أداةٍ إلى حكم، ومن مادّةٍ صامتة إلى نهايةٍ يقرّرها إنسانٌ لإنسان. إنّه الحبل الذي لا يكتفي بتقييد الجسد، بل يجعل العنق ساحةً فاصلةً بين الحياة والموت؛ ولذلك ظلّ في الذاكرة الإنسانية رمزًا للعقوبة القصوى، وللظلم حين يُلبس ثوب العدالة، وللسلطة حين تتوهّم أنّها تملك الحقّ في تقرير المصير.

ومع ذلك، فليس كلّ شنقٍ يُرى بالعين؛ فثمة شعوبٌ تُشنق اقتصاديًّا حين تُخنق سبل عيشها، وعقولٌ تُشنق فكريًّا حين تُحاصر الأسئلة، وحقائقُ تُشنق إعلاميًّا حين تُعدم قبل أن تبلغ الناس، وأوطانٌ تُعلّق على حبال الارتهان حتى تتأرجح بين إرادة الخارج وعجز الداخل. غير أنّ هذه الصور تظلّ استعاراتٍ عن القهر، ولا ينبغي أن تُساوى بالموت الحقيقي الذي يحمله حبل المشنقة إلى جسد الإنسان.

وهكذا يمضي المرء بين حبالٍ لم يختر بعضها، وصنع بعضها بيديه، وتعلّق ببعضها ظنًّا أنّها ستحميه؛ حتى يتعلّم، بعد طول التجربة، أنّ الحكمة ليست في جمع الحبال، ولا في التشبّث بكلّ ما امتدّ إليه، بل في التمييز بين حبلٍ يرفعه وحبلٍ يستعبده، وبين رابطةٍ تمنحه معنى الحياة وقيدٍ يسلبه حرية الاختيار.

وعندما تتكاثر الحبال، وتتشابك المصالح، وتضيق المخارج، ويكتشف الإنسان أنّ كثيرًا ممّا احتمى به كان سببًا في خوفه، وأنّ بعض الأيدي التي مدّت إليه حبال النجاة كانت تنتظر أن تمسك بطرفه الآخر، يبقى له حبلٌ لا يشبه حبال البشر؛ لا يُشترى بالمال، ولا يُعقد بالابتزاز، ولا يُحكم بالمناصب، ولا تُحدّد قيمته موازين القوّة.

إنّه حبل الله؛ الحبل الذي يدعو إلى الاعتصام لا إلى الاختناق، وإلى الاجتماع لا إلى التفرّق، وإلى التحرّر من عبودية البشر لا إلى استبدال قيدٍ بقيد.

قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

ولعلّ أعظم مفارقات الحياة أنّ الإنسان يبدأ رحلته بحبلٍ يصل جسده بأمّه، ويقضي عمره يتعلّم أيّ الحبال يستحقّ أن يتمسّك به، ثم تنكشف له، في نهاية المطاف، حقيقةٌ أعمق من جميع الحبال:

ليس كلّ حبلٍ صلةً نجاة، وليس كلّ انقطاعٍ خسارة، وليس كلّ ما يلتفّ حول عنقك يستحقّ أن تسمّيه سندًا؛ فبعض الحبال تربطك بالحياة، وبعضها يربطك بالخوف، وبعضها يعلّق مصيرك بإرادة الآخرين، أمّا حبل الله، فاعتصم به قلبُك وعقلُك وضميرُك، كي لا تستعبدك حبال الأرض وأنت تبحث عن طريق السماء.

______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).


شاهد أيضا

شاهد أيضا