نبيل التويول – إيطاليا تلغراف
لم يكن مشهد افتتاح الولاية التشريعية بالمغرب مجرد موعد دستوري روتيني لتجديد النّخب بقدر ما تحول، بفعل التغطيات الصحافية الرقمية المتسارعة، إلى مختبر سوسيولوجي مكشوف يعكس بعمق المأزق الفكري الذي تواجهه المرأة المغربية في الفضاء العام، وهو انحراف مشهدي موجه بوحشية الخوارزميات الرقمية الباحثة عن الإثارة السريعة، يعيد إلى الواجهة المعركة الكونية المعقدة ضد ما يعرف أكاديميا بالتنميط الجندري وتسليع الذات السياسية النسوية، حيث تحولت كاميرات “الصحافة الصفراء” ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ممارسة نوع من “العين الذكورية” الفاحصة التي تختزل الكفاءة التشريعية في فلاتر الجمال وعناوين الإغراء البصري، وهو ما دفع ببروفايلات سياسية وتاريخية وازنة إلى كسر جدار الصمت وإطلاق صرخة تحذيرية ضد هذا التراجع القيمي الممنهج الذي يتغذى على ما تصفه الأدبيات السوسيولوجية المعاصرة بـ”اقتصاد الانتباه الرقمي”، حيث يتم تحويل وقار المؤسسات الدستورية إلى رأسمال بصري استهلاكي يقاس بعدد نقرات الإعجاب والمشاركة، في تقاطع خطير مع ما ترصده تقارير “الاتحاد البرلماني الدولي” (IPU) من تنام لظاهرة العنف الرمزي والتمييز الإعلامي الذي تتعرض له النساء في المجالس النيابية عبر العالم، مما يفرغ مبدأ التمييز الإيجابي من روحه الديمقراطية.
تجلت هذه الصرخة النقدية بكامل حمولتها الفكرية في التصريح الأخير للمناضلة والحقوقية المغربية، وأستاذة الفلسفة المخضرمة، خدوج السلاسي، التي لم ترَ في وصف البرلمانيات الشابات بالجميلات والفاتنات اللواتي خطفن الأنظار مجرد إطراء عابر، بل فككته باعتباره حكما تمييزيا جنسيا مبنيا على النظرة النمطية الدونية، مستنكرة غياب نفس المعايير الجمالية والبصرية عند تقييم زملائهن من البرلمانيين الرجال الشبان الذين يلجون المؤسسة التشريعية دون أن تلتفت الكاميرات إلى وسامتهم أو هندامهم، لتؤكد من خلال موقعها كبرلمانية سابقة عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أن البرلمان فضاء مقدس للسيادة والأمة مخصص للتشريع ومراقبة العمل الحكومي والدفاع عن كرامة المواطن، وليس منصة لعرض الأزياء أو حلبة للتنافس الجسدي والبيولوجي، وهو تفكيك فلسفي رصين ينقل النقاش مباشرة من خانة العتاب الإعلامي المحلي إلى قراءة أعمق في سياق مسؤولية التاريخ وإرث الحركة النسائية التي طالما ناضلت لانتزاع القوانين والمناصفة بعيدا عن الاختزال الجسدي، مما يجعل موقفها يتجاوز البعد الإقليمي ليلتقي مع النظريات الأكاديمية “لهيئة الأمم المتحدة للمرأة” التي تحذر من أن تسليع الحضور السياسي للنساء يمثل العائق الخفي الأول أمام استدامة تمكينهن في مراكز صنع القرار عالميا.
إن هذا التنبيه الصارم الصادر عن قيادية تاريخية خبرت دروب النضال منذ منتصف السبعينات يمثل في جوهره آلية دفاعية لحماية “المشعل النسائي” والجيل الجديد من البرلمانيات اللواتي دعتهن السلاسي بوضوح إلى عدم استلطاف هذه الأحكام التبسيطية أو اعتبارها مكسبا، لأن القبول بها يعني طوعا الحط من قيمتهن السياسية وتجريدهن من أسلحتهن المعرفية والدستورية لصالح قوالب بصرية استهلاكية، في استحضار واع للمعركة الكونية الشرسة التي تخوضها نساء السياسة عبر العالم ضد التنميط الإعلامي، بدءا من ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز في الكونغرس الأمريكي إلى القياديات في البرلمانات الأوروبية اللواتي واجهن ذات آليات الاختزال الاتصالي، مما يجعل من دفاع السلاسي عن مكتسبات نصف قرن من التمكين الديمقراطي والمناصفة صمام أمان حقيقي يمنع إفراغ الكوتا النسائية من مضمونها النضالي ويحمي الإنجازات التشريعية من السقوط في مستنقع “الـBuzz” والإثارة الرقمية العابرة، لتبقى المعركة الحقيقية معركة فكر وكفاءة لا معركة مظهر وجسد، ولتظل صرخة السيدة خدوج السلاسي بمثابة وثيقة مرجعية تؤسس لوعي إعلامي جديد يرتقي بنقاشات الفضاء العام نحو مدارات النضج الديمقراطي.





