مقاطع فيديو حصدت 40 مليون مشاهدة.. هل عُثر على سفينة نوح شرقي تركيا؟

إيطاليا تلغراف متابعة

ضجت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة بمقاطع فيديو زُعم أنها توثق عثور علماء آثار على “سفينة نوح” خلال عملية بحث ميدانية عن أحفوريات على جبل أرارات شرقي تركيا.

وزعمت حسابات على منصة إكس أن الفريق البحثي عثر على بقايا السفينة في موقع “دوروبينار”، مستشهدة بمقاطع قالت إنها التُقطت حديثا وتثبت ما ورد في الكتاب المقدس، بحسب مروجي الادعاء.

وأرفقت بعض المقاطع بعبارة تشويقية جاء فيها أن قصة سفينة نوح استحوذت على خيال الملايين على مدى قرون، وأن هذا الاكتشاف المعلن يثير جدلا جديدا حول ما إذا كان التاريخ القديم يحمل أدلة تؤكد هذه الرواية، وسط ترقب للتحقق من الادعاءات.

ماذا تُظهر المشاهد؟

تُظهر المشاهد المتداولة سفينة خشبية متضررة داخل حفرة ضخمة، يجري تصويرها من داخل طائرة هليكوبتر في منطقة جبلية وعرة.

ويظهر في مقطع آخر عمل رافعات ثقيلة في موقع منسوب إلى السفينة، وسط منشورات تقول إن “العلم أكد ما كان يُعتقد حتى اليوم أنه مجرد قصة أخرى من قصص الكتاب المقدس”.

ويوثق مشهد ثالث نقل سفينة خشبية على شاحنة ضخمة في منطقة جبلية تحيط بها مركبات عدة، وربطه بعضهم بأعمال البحث في شرق تركيا.

ما حقيقة المشاهد؟

تحققت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة من المقاطع، وتبين أنها مفبركة بالكامل وليست حقيقية.

كيف تحققنا؟

بتحليل لقطات من المقاطع المتداولة بصريا، يتضح أنها مفبركة؛ إذ ظهر خلل في عدد منها، مثل ظهور الأشخاص على شكل مجسمات لا بشر حقيقيين، واختلال في أبعاد المركبات، وظهور شاحنة واحدة بعشرات العجلات.

وهناك عيوب أخرى، منها اختفاء حبل الرافعة في أجزاء من المشهد، وعدم وضوح الوجوه والنصوص على المركبات، وهي أخطاء شائعة في نماذج توليد المقاطع بالذكاء الاصطناعي.

وعند التدقيق، تبين أن المشاهد تشترك في عناصر متكررة، منها عمال يرتدون زيا موحدا، وسيارات تنقل السفينة، وأعمال إنشاءات وبحث في المواقع، وأشخاص يوثقون المشهد من الأرض والجو، في نمط يتكرر في معظم المشاهد.

كشف الأدوات المتخصصة

رجّحت أدوات متخصصة في كشف المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، بنسبة تصل إلى 99% أن المشاهد مولدة بالذكاء الاصطناعي أو مزيفة بتقنيات التزييف العميق.

نمط متكرر على تيك توك

وبتعميق البحث عبر كلمات مفتاحية عن “سفينة نوح” بالإنجليزية على تيك توك، عثرنا على الحسابات الأصلية التي أنشأت المقاطع بدءا من مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وحصدت عشرات الملايين من المشاهدات خلال أيام.

ومن أبرزها حساب “themaniac” الذي حصدت مقاطع السفينة فيه أكثر من 25 مليون مشاهدة، ثم حساب “contract” الذي خصص محتواه لمشاهد خيالية وغير حقيقية للسفينة، وحازت مقاطعه أكثر من 10 ملايين مشاهدة.

كما رصدنا حسابات أُنشئت حديثا على تيك توك وتتعمد نشر مشاهد مما يوصف بـ “سفينة نوح”، مثل “Noah’s.ark” و”Misterios de la Fe” و”Girls Who Whispe”.

ويعزز تطابق المحتوى وتزامن النشر أنه نمط موحد يهدف إلى جني ملايين المشاهدات عبر مقاطع مفبركة من وحي الخيال لا تمت للواقع بصلة.

سياق النشر

جاء تداول هذه المقاطع بالتزامن مع الإعلان عن اختتام أعمال أبحاث ميدانية حقيقية استمرت ثلاثة أشهر، من 28 يونيو/حزيران إلى 30 سبتمبر/أيلول، في منطقة “تكوين دوروبينار” الجيولوجية بقرية أوزنغيلي التابعة لقضاء دوغوبايزيد في ولاية آغري شرقي تركيا.

 

ويرتبط اسم المنطقة تاريخيا بادعاءات غير مثبتة عن احتواء هيكلها الصخري الشبيه بالسفينة على بقايا “سفينة نوح”.

 

وترأس هذه الأبحاث الأكاديمي جينكر أتيلا، عضو هيئة التدريس بقسم الآثار في جامعة سيفاس جمهوريت التركية، بمشاركة نحو 20 باحثا من 5 دول، وبدعم من منظمة “Noah’s Ark Scans” وباحثين آخرين.

وشهدت المنطقة بالتوازي وجود 3 أطقم تصوير سينمائية ووثائقية دولية من بريطانيا والولايات المتحدة، من بينها فريق المغامر الشهير بير غريلز، لإعداد وثائقيات عن التاريخ والأساطير المرتبطة بالمنطقة، وهو ما استغلته حسابات على منصات التواصل لتوليد مشاهد بالذكاء الاصطناعي وإعادة ترويجها.

 

ماذا تكشف التقارير التركية؟

أوضحت تقارير لوكالة الأناضول وصحيفة “يني شفق” أن الأبحاث الميدانية الحقيقية لم تعثر على أي هياكل خشبية أو أجزاء مادية ظاهرة لسفينة، واعتمدت بدلا من ذلك على أدوات تقنية حديثة، منها الرادار الخارق للأرض (GPR) ورسم الخرائط ثلاثية الأبعاد عبر نظام تحديد المواقع (GPS) وأجهزة المسح الجيوفيزيائي.

وقال رئيس الفريق البحثي أتيلا إن مسوحات الرادار أظهرت وجود تجاويف وفراغات تحت الأرض قد تشبه الأروقة أو الغرف. وعليه ركّز الفريق على سحب نحو 366 عينة تربة من أعماق تتراوح بين متر و15 مترا داخل الهيكل وخارجه، لإرسالها إلى المختبرات لإثبات أو نفي وجود مواد عضوية أو أثرية.

وأكد أتيلا أن نتائج مسح الرادار تحتاج إلى عدة أيام، في حين تستغرق الفحوص المخبرية للتربة نحو ثلاثة أشهر طوال فصل الشتاء، ولن يُعلن عن أي نتائج علمية إلا بعد انتهاء التحليلات الرسمية.

التصريحات الرسمية تحسم الجدل

وفي بيان وتصريحات صحفية عقب جولة تفقدية في الموقع بتاريخ 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أكد والي آغري أوندر بوزكورت عدم وجود أي يقين علمي حتى الآن يثبت وجود سفينة نوح في المنطقة.

وقال بوزكورت: “بناء على المعلومات المقدمة من الأكاديميين ورئيس الفريق البحثي، لا توجد أي نتيجة علمية مؤكدة في الوقت الراهن. ستخضع العينات المأخوذة للتحليل في مختبرات جامعة أنقرة يلدريم بيازيد، وسنشارك النتائج مع الرأي العام والوسط العلمي فور الانتهاء منها”.

وحذّر الوالي من الانسياق وراء الشائعات والمعلومات المنتشرة على منصات التواصل، مشددا على ضرورة اعتماد الجمهور حصرا على البيانات الرسمية والأكاديمية الصادرة عن الجهات المختصة.

وبذلك يتبين من التحقق والتوضيحات الرسمية أن المشاهد المتداولة بكثافة على منصات التواصل ليست سوى مقاطع خيالية ولدتها أدوات الذكاء الاصطناعي لحصد ملايين المشاهدات.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا

شاهد أيضا