يضطر سائق سيارة الأجرة حسام الوسلاتي إلى العمل ساعات إضافية للمحافظة على دخله، بعدما ارتفعت نفقات تشغيل سيارته، فزيت المحرك الذي كان يشتريه بنحو 35 دينارا عام 2018 (13.2 دولارا آنذاك) يقترب سعره اليوم من 100 دينار (33.3 دولارا).
وبعد نحو 7 سنوات على تولي الرئيس قيس سعيّد الحكم، يقيس حسام التغير الاقتصادي بالمصاريف التي يدفعها لمواصلة العمل، والوقت الإضافي الذي يخصصه لتعويض ارتفاعها، أكثر مما يقيسه بنسب النمو أو بيانات الميزانية.
وخلال السنوات الأخيرة، واجه الاقتصاد التونسي جائحة كورونا وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميا، ثم تداعيات الحرب على إيران التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026.
وتقول الحكومة التونسية إن البلاد أظهرت قدرة على الصمود أمام الصدمات، بينما يرى خبراء أن المؤشرات الاقتصادية والمالية تكشف استمرار صعوبات النمو والتشغيل والتمويل، وتزايد الضغوط على القدرة الشرائية.
تآكل القدرة الشرائية
تناهز الزيادة في سعر زيت المحرك الذي يستخدمه الوسلاتي 186%، وفق الأرقام التي قدمها للجزيرة نت، وهي تقدم مثالا على الضغوط التي يواجهها العاملون الذين ترتبط مداخيلهم بمصاريف تشغيل متواصلة.
وتظهر هذه الضغوط كذلك في أسعار الغذاء، فقد بلغ معدل التضخم في تونس 5.6% في سبتمبر/أيلول 2026، مقابل 5.4% في أغسطس/آب، بعدما سجل 4.8% في يناير/كانون الثاني، وفق المعهد الوطني للإحصاء.
وزادت أسعار التغذية والمشروبات بنسبة 8.4% على أساس سنوي، وشملت الزيادات الدواجن بنسبة 16.5%، والغلال بنسبة 16.3%، ولحوم الضأن بنسبة 14.6%، بينما بلغ التضخم الأساسي، الذي يستثني الطاقة والغذاء، 4.9%.
ويرى الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن قراءة التضخم ينبغي أن تشمل الزيادات المتراكمة في الأسعار خلال السنوات الماضية، ومدى قدرة المداخيل على مواكبتها.
وبحسب تقديراته، بلغ متوسط التضخم السنوي 6.8% خلال الفترة 2015-2021، مقابل 8.1% خلال الفترة 2021-2026، مما يعني أن الأسر واجهت ضغوطا سعرية أكبر خلال الفترة الثانية.
وكانت الحكومة قد أشارت إلى تراجع التضخم في بعض الفترات، كما قرر البنك المركزي التونسي خفض نسبة الفائدة المديرية مرتين خلال عام 2025، لتبلغ 7%.
لكن الشكندالي يربط الضغوط على القدرة الشرائية أيضا بتراجع فرص التمويل المتاحة للأسر، موضحا أن القروض والتسهيلات البنكية والشيكات كانت تتيح لبعض المستهلكين، قبل عام 2021، توزيع نفقاتهم على فترات أطول.
ويقول إن تشدد شروط التمويل والتغييرات المتعلقة بالشيكات ضيّقت هذه الإمكانات، فأصبحت الأسر تواجه ارتفاع الأسعار بقدرة أقل على الاقتراض وتأجيل السداد.
النمو والاستثمار.. أين تتجه عجلة الاقتصاد؟
نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في تونس بنسبة 2.3% خلال الربع الثاني من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وبنسبة 1.4% مقارنة بالربع الأول، وفق المعهد الوطني للإحصاء.
وبلغت فرضية النمو التي بُني عليها قانون المالية لعام 2026 نحو 3.3%.
ويرى الشكندالي أن فرضيات الميزانية أصبحت بعيدة عن التطورات الاقتصادية، وأن تحويل النمو إلى فرص عمل ومداخيل إضافية يتطلب زيادة الاستثمار والإنتاج.
ويشير في تفسيره للضغوط الاقتصادية إلى ضعف الاستثمار وتراجع الإنتاج، إلى جانب تزايد اعتماد الدولة على الاقتراض الداخلي لتمويل احتياجاتها.
وبحسب الأرقام التي استند إليها في تصريحاته، بلغ هذا الاقتراض نحو 7 مليارات دينار عام 2024 (2.25 مليار دولار آنذاك)، ومثلها عام 2025 (2.34 مليار دولار آنذاك)، فيما تحدث عن اقتراض بقيمة 11 مليار دينار في بداية 2026 (3.81 مليارات دولار آنذاك).
ويرى أن توسع الدولة في الاقتراض الداخلي قد يضغط على السيولة المتاحة للقطاع الخاص، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى تمويل المؤسسات والاستثمار والإنتاج.
ويوضح أن هذا الاقتراض ليس العامل الوحيد وراء ضعف النمو أو التضخم، إذ تتداخل معه الأسعار العالمية ومستويات الإنتاج المحلي وكلفة الواردات والسياسات النقدية والمالية.
البطالة.. تراجع في المعدل وصعوبات مستمرة
بلغت نسبة البطالة 14.9% في الربع الثاني من 2026، مقابل 15.3% في الفترة نفسها من العام السابق، بعدما بلغت 17% عام 2020، وفق المعهد الوطني للإحصاء.
لكن البطالة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما بلغت 35.4%، ووصلت إلى 26.6% لدى حاملي شهادات التعليم العالي، وفق بيانات الربع الثاني.
وتضع هذه الأرقام تشغيل الشباب والخريجين ضمن أبرز التحديات الاقتصادية، إلى جانب توفير وظائف مستقرة ومداخيل تواكب كلفة المعيشة.
مقاومة الاحتكار.. بين أهداف السلطة واضطراب السوق
جعل الرئيس قيس سعيّد مقاومة الاحتكار والمضاربة أحد محاور خطابه الاقتصادي، وقدم مكافحة هذه الممارسات باعتبارها وسيلة لحماية المستهلك وتحقيق العدالة الاجتماعية.
في المقابل، انتقد خبراء هذه السياسات، معتبرين أنها لم تميز بما يكفي بين التخزين بغرض المضاربة والتخزين الضروري لضمان انتظام التزويد.
ويرى هؤلاء أن إضعاف منظومة التخزين، دون توفير بدائل تؤمّن استمرارية العرض، ساهم في نقص المواد واضطراب الأسواق بدلا من خفض الأسعار.
وتعتمد السوق التونسية في بعض المواد الأساسية على التوريد والتخزين والتوزيع عبر مؤسسات تجارية وعمومية، ما يجعل تراجع المخزونات أو تعطل قنوات التزويد سببا لفجوات في العرض يصعب علاجها بالإجراءات الرقابية وحدها.
وفي السياق نفسه، قال حزب التيار الديمقراطي في بيان إن سياسة الهروب إلى الأمام ونسب الإخفاقات الاقتصادية إلى المؤامرات لن تحل المشكلات، بل ستؤدي إلى تفاقمها.
الدين العام.. تمويل الالتزامات على حساب هامش المناورة
ارتفع الدين العام التونسي من 67.8% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2019 إلى 84.9% عام 2024، قبل أن يتراجع إلى 82.1% عام 2025، وفق بيانات وزارة المالية.
ويقدّر قانون المالية لعام 2026 نسبة الدين بنحو 83.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتظل خدمة الدين ضغطا على المالية العمومية، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تمويل الأجور والنفقات الاجتماعية والدعم والاستثمار العمومي.
ويربط الشكندالي هذا الضغط بتراجع هامش المناورة المالية، خصوصا مع ارتفاع حاجات التمويل وتزايد كلفة بعض الواردات.
ويوضح أن تقييم استدامة المالية العمومية يتطلب النظر إلى كلفة الاقتراض وآجاله وقدرة الاقتصاد على النمو، فضلا عن الموارد المخصصة للاستثمار والنفقات الاجتماعية.
وبحسب قوله، يجعل استمرار ارتفاع الاحتياجات التمويلية التوفيق بين خدمة الدين والإنفاق الاجتماعي والاستثمار أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي.
ضغوط إضافية
اعتمد قانون المالية لعام 2026 فرضية سعر لبرميل خام برنت في حدود 63.3 دولارا، لكن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية في ظل تداعيات الحرب على إيران زاد الضغوط على الميزانية التونسية.
وبحسب وزارة المالية، بلغ متوسط سعر البرميل نحو 92.6 دولارا حتى نهاية يونيو/حزيران، بزيادة قدرها 29.3 دولارا على الفرضية المعتمدة.
وبلغت نفقات دعم المحروقات 2.427 مليار دينار خلال النصف الأول من العام (826 مليون دولار)، بما يعادل 48.6% من الاعتمادات المخصصة لها في قانون المالية، بينما بلغت نفقات الاستثمار العمومي خلال الفترة نفسها 1.665 مليار دينار (نحو 566.6 مليون دولار).
وتكشف هذه الأرقام الضغط الذي تفرضه فاتورة الطاقة على الموارد المتاحة للاستثمار، مع سعي الدولة إلى المحافظة على أسعار المحروقات للمستهلكين.
ويحذر الشكندالي، في حديثه للجزيرة نت، من امتداد هذه الضغوط إلى التوازنات الخارجية، إذ تزيد كلفة الواردات الحاجة إلى العملة الأجنبية، وتضغط على الاحتياطي وسعر صرف الدينار، خصوصا مع ضعف الصادرات أو الإنتاج المحلي في بعض القطاعات.
ويشير في هذا السياق إلى العجز التجاري مع عدد من الشركاء، ومن بينهم الجزائر في مجال الطاقة ومصر، باعتباره أحد الملفات المرتبطة باختلال التوازنات الخارجية.
كما يرى أن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط يصعّب إعداد الميزانية على أساس فرضيات ثابتة لأسعار الطاقة، داعيا إلى اعتماد سيناريوهات متعددة عند تقدير حاجات التمويل والدعم.
“اختلالات متراكمة”
في المقابل، يقدم حسام بن أحمد، وهو ناشط سياسي مؤيد للرئيس قيس سعيّد، قراءة مختلفة لمسار السنوات السبع.
ويرى أن سعيّد تسلّم البلاد في وضع متدهور على مختلف المستويات، وأن الصعوبات التي واجهتها تونس بعد 25 يوليو/تموز 2021 تعود إلى تراكمات سابقة، إلى جانب الخيارات التي اتُخذت بعد ذلك التاريخ.
ويعتبر بن أحمد أن إجراءات 25 يوليو كانت “ضرورة قصوى لإنقاذ الدولة”، في ظل ما يصفه بحالة التشظي والانهيار التي طالت الحياة السياسية والاقتصادية.
وبحسب قراءته، أثرت المواجهة مع المنظومة السابقة وما رافقها من اضطرابات في مسار الإنتاج والبناء، وجعلت معالجة الاختلالات المتراكمة أكثر صعوبة.
7 سنوات.. ماذا تغيّر؟
تظهر حصيلة الفترة الممتدة من 2019 إلى 2026 تحسنا في بعض المؤشرات، لكنه لم ينه صعوبات التشغيل والقدرة الشرائية أو يخفف بصورة مستدامة الضغوط على المالية العمومية.
ولا يمكن فصل هذه الحصيلة عن تداعيات جائحة كورونا وتقلبات الأسواق العالمية والحرب على إيران، كما لا تختزلها المؤشرات الإجمالية وحدها.
وتبقى مقارنة الوعود بالنتائج مرتبطة بما تحقق في النمو والتشغيل، ومدى مواكبة المداخيل للأسعار، وقدرة الدولة والمؤسسات والأسر على تمويل احتياجاتها.
المصدر: الجزيرة





