“فجر اليمن”.. معركة استعادة الدولة ومواجهة المشروع الإيراني

 

 

 

 

 

 

عبد الله عبد الكريم الدعيس
سفير الجمهورية اليمنية لدي الجمهورية اللبنانية وجمهورية قبرص.

 

لم تعد معركة “فجر اليمن” مجرد تحرك عسكري لاستعادة مواقع جغرافية من قبضة المليشيا الحوثية، بل تمثل تحولا إستراتيجيا في مسار المواجهة الرامية إلى استعادة مؤسسات الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب، ووضع حد للنفوذ الإيراني الذي حول اليمن إلى منصة للتهديد والابتزاز الإقليمي، مستغلا موقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية وإمدادات الطاقة.

ومن هذا المنطلق، تتجاوز أهمية المعركة حدود الداخل اليمني لتتصل بأمن المنطقة واستقرارها وحرية الملاحة الدولية، في ظل تصاعد التوترات التي جعلت من باب المندب امتدادا إستراتيجيا بالغ الأهمية لمضيق هرمز.

وقد جاءت انطلاقة العمليات في سياق شراكة يمنية سعودية تستهدف تغيير المعادلة الميدانية، ووقف التمدد الحوثي على الساحل الغربي، واستعادة المبادرة العسكرية.

وأسهمت المساندة الجوية للتحالف بقيادة المملكة العربية السعودية- حيث تحدثت المعطيات الواردة بشأن العملية عن مشاركة نحو 100 طائرة مقاتلة لتوفير الغطاء الجوي على مدار الساعة وفي مختلف الجبهات- في تهيئة الظروف أمام القوات الحكومية والتشكيلات المساندة للتحرك على محاور متعددة، وتوجيه ضربات للمواقع التي استخدمها الحوثيون لتثبيت سيطرتهم وتهديد المناطق الحيوية.

وتمكنت قوات العمالقة ودرع الوطن والألوية التهامية، في المراحل الأولى من العمليات، من استعادة ذي باب ومواقع إستراتيجية في مضيق باب المندب نفسه، إلى جانب تطهير مواقع من الألغام التي زرعتها المليشيا، والتقدم في أجزاء واسعة من مديرية الوازعية ومرتفعات كهبوب.

ولا تقتصر أهمية هذه المكاسب على قيمتها العسكرية المباشرة، بل تكمن أيضا في استعادة مواقع تتحكم بطرق الحركة والإمداد والإشراف على الممر البحري، بما يحد من قدرة الحوثيين على توظيف الجغرافيا اليمنية ورقة ضغط لمصلحة طهران.

فخسارة المواقع المشرفة على باب المندب تعني تضييق المجال أمام النفوذ الإيراني لاستخدام الساحل اليمني في تهديد الملاحة، وإرباك حسابات الأمن الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، تكتسب التقارير المتعلقة بالدور الإيراني المباشر في إدارة العمليات الحوثية على الساحل الغربي أهمية خاصة. فقد نقلت وكالة رويترز، في تقرير نشرته في 10 سبتمبر/أيلول، عن مصادر عسكرية يمنية أن قيادات في الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس تضطلع بدور في توجيه الجهد الإيراني المرتبط بجبهة الساحل الغربي.

وهذه المعلومات تثير تساؤلات جوهرية بشأن طبيعة الإشراف الإيراني على العمليات، ومدى ارتباط التحركات الحوثية بحسابات إقليمية تتجاوز الساحة اليمنية.

كما تعزز الحاجة إلى التعامل مع التهديد الحوثي بوصفه جزءا من منظومة أوسع تستخدم الصواريخ والطائرات المسيرة والمواقع الساحلية لخدمة أهداف إستراتيجية إيرانية.

وتتضح خطورة هذا النهج بصورة أكبر عند النظر إلى استهداف المنشآت المدنية والمطارات، سواء داخل اليمن أو السعودية.

فقد مثل الهجوم الحوثي بالصواريخ الباليستية والمسيّرات على مطار عدن الدولي تصعيدا خطيرا، ولا سيما أن أحد الصواريخ سقط قرب مدرج المطار قبل دقائق من موعد هبوط رحلة قادمة من القاهرة، ما اضطر السلطات إلى تحويل مسار الطائرة وإخلاء أجزاء من المطار واتخاذ تدابير لحماية المسافرين والطائرات.

وكان من الممكن أن يؤدي هذا الهجوم إلى كارثة إنسانية لو أصاب الطائرة أو تجمعات المسافرين، بما يكشف مدى استهتار الحوثيين بأرواح المدنيين وسلامة الطيران المدني.

وامتد التصعيد إلى المملكة، حيث تعرض مطار الملك خالد الدولي لهجمات صاروخية وبالمسيّرات، ضمن سلسلة من الهجمات التي استهدفت مرافق الطيران المدني.

وأفادت التقارير بأن هجوما داميا على المطار وطائرة تابعة للخطوط السعودية أسفر عن مقتل 12 شخصا وإصابة أكثر من 300 شخص بإصابات مختلفة من السعوديين والمقيمين على أرض المملكة، قبل أن تشهد الرياض هجوما جديدا في 11 أكتوبر/تشرين الأول أوقع قتيلا وأصاب 11 شخصا، وفق البيانات المنشورة من سلطات المملكة.

وتؤكد هذه الوقائع أن استهداف المطارات والطائرات والمنشآت المدنية لم يعد مجرد تهديد عابر، بل بات خطرا مباشرا على حياة المدنيين وأمن الملاحة الجوية والاستقرار الإقليمي.

كما تكشف أن استمرار امتلاك المليشيا للصواريخ والمسيّرات واستخدامها خارج أي إطار للدولة والقانون يهدد بتوسيع دائرة المواجهة، ويجعل بناء منظومة ردع وتعاون دفاعي إقليمي أكثر إلحاحا.

ومن هنا تبرز أهمية التحركات الرامية إلى تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول المعنية بأمن المنطقة، وفي مقدمتها شراكات الرياض مع الدول العربية والإسلامية، وما طرح في إطار تحالف مكة الدفاعي من تعزيز التنسيق والقدرات المشتركة لمواجهة التهديدات.

فمثل هذه الأطر، متى ترجمت إلى آليات عملية واضحة، يمكن أن تسهم في رفع كفاءة الإنذار المبكر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير قدرات اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة، وحماية المنشآت الحيوية والمجال الجوي.

كما أن التعاون البحري بقيادة الرياض يمثل مسارا مكملا لهذه الجهود، من خلال تنسيق حماية الممرات البحرية وتأمين حركة السفن التجارية ومواجهة التهديدات التي تستهدف الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

ولا ينبغي النظر إلى هذه التحركات بوصفها بديلا عن الحل السياسي، بل باعتبارها إجراءات دفاعية وردعية ضرورية لحماية الدول والمصالح المدنية والتجارية، ومنع الحوثيين من فرض معادلاتهم بالقوة.

وعلى المستوى اليمني، فإن النجاح المستدام لمعركة “فجر اليمن” يتطلب استثمار المكاسب الميدانية في خطة متكاملة لاستعادة مؤسسات الدولة، وتعزيز حضور السلطات الشرعية، وتأمين المناطق المحررة، وحماية المدنيين، وتوفير الخدمات الأساسية للنازحين والمتضررين.

فالمعركة لا تنفصل عن معاناة اليمنيين الذين دفعوا أثمانا باهظة جراء الانقلاب والحرب، بما في ذلك النزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية وتجنيد الأطفال وعرقلة وصول المساعدات والخدمات وحملات التطعيم.

ومن ثم، فإن استعادة الأرض ينبغي أن تقترن بإعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الأمن وسيادة القانون، حتى لا تتحول الانتصارات العسكرية إلى مكاسب مؤقتة تتيح للحوثيين إعادة تنظيم صفوفهم وتهديد المناطق من جديد.

ونتوقع خلال الأسابيع المقبلة أن يتواصل الضغط العسكري على الحوثيين، وأن تتجه العمليات، وفق تطورات الميدان، إلى تثبيت المكاسب المحققة وتوسيع نطاقها نحو مدينة المخا ومحيطها، واستكمال استعادة المواقع الإستراتيجية على الساحل الغربي.

كما تظل جبهة تعز ذات أهمية محورية، ويتوقع أن تشهد الجهد العسكري الأكبر خلال الأيام القادمة لاستعادة المناطق التي لا تزال تحت سيطرة الحوثيين أو في إنهاء الحصار المفروض على المدينة وفتح الطرق أمام المدنيين والإمدادات الإنسانية.

وفي الوقت نفسه، فإن اتساع العمليات على جبهات مأرب والجوف والبيضاء، وما قد يرافق ذلك من تحركات على محاور أخرى، يمكن أن يضع الحوثيين أمام ضغوط متزامنة تحد من قدرتهم على تركيز قواتهم وتحصين مواقعهم.

وتبقى صعدة، بوصفها مركز الثقل التاريخي والعسكري للمليشيا، جزءا من المعادلة الأوسع لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تنسيقا عسكريا وسياسيا متماسكا، وتوحيد الجهود تحت مظلة الشرعية، وتفادي أي خلافات داخل المعسكر المناهض للانقلاب يمكن أن يستفيد منها الحوثيون.

كما أن دعوة القيادة اليمنية إلى التعبئة العامة، مقرونة بإتاحة فرصة العودة الآمنة لمن غرر بهم الحوثيون وقرروا ترك السلاح، تحمل رسالة مفادها أن المعركة تستهدف إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، لا الانتقام من اليمنيين، وأن الطريق مفتوح أمام من يختار الانحياز إلى وطنه ومؤسساته.

إن أهمية “فجر اليمن” تكمن في قدرتها على الربط بين استعادة الأرض وحماية السيادة والأمن الإقليمي. فإخراج المليشيا من المواقع المطلة على باب المندب، والحد من قدرتها على تهديد المطارات والمنشآت المدنية والملاحة الدولية، يمثلان خطوة أساسية لتجريد المشروع الإيراني من إحدى أهم أوراق الضغط التي وظفها في المنطقة.

غير أن الحسم النهائي لا يتحقق بالعمليات العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى استمرار الدعم للتحالف اليمني السعودي، وتكامل الجهود الدفاعية والبحرية، وتوفير الدعم الإنساني والاقتصادي، وتعزيز مؤسسات الدولة الشرعية.

وفي المحصلة، تفتح معركة “فجر اليمن” نافذة لاستعادة المبادرة الوطنية وإعادة رسم موازين القوى، شرط أن تتحول النجاحات الميدانية إلى مسار مستدام لاستعادة المحافظات ومؤسسات الدولة، وصولا إلى العاصمة صنعاء، وإنهاء الانقلاب واستعادة القرار الوطني المستقل.

فاليمن الآمن المستقر، الذي يفرض سيادته على أراضيه وسواحله وموانئه، هو الضمان الحقيقي لأمن شعبه وجيرانه، ولحماية باب المندب والبحر الأحمر من التوظيف السياسي والعسكري.

وهذه هي الغاية الأبعد للمعركة: استعادة الدولة اليمنية، وإنهاء ارتهان موقعها الإستراتيجي للنفوذ الإيراني، وفتح الطريق أمام سلام عادل ومستدام يعيد لليمنيين حقهم في الأمن والاستقرار وبناء مستقبلهم.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا