مروان قبلان
كاتب وباحث سوري
إذا صحّت الأنباء عن اعتزام السلطة الانتقالية في سورية إرسال قوات للقتال في اليمن، فإنّها تكون بصدد ارتكاب خطأ سياسي واستراتيجي كبير، تتجاوز تداعياته حدود الصراع اليمني، ويضع السوريين أمام تناقضات يصعب تبريرها. لا تتعلق المسألة هنا بحقّ سورية الأصيل في بناء تحالفات، وواجبها المشاركة في الدفاع عن أيّ دولة عربية تتعرّض لعدوان، بل بالفرق الجوهري بين الدفاع عن الحلفاء والتورّط في حروب أهلية عربية، بامتدادات إقليمية ودولية، لن يزيدها تدخّلنا إلا سوءاً، ونحن لمّا ننته بعد من تدخّلات الآخرين في شؤوننا.
رفض السوريون 14 عاماً تدخّل إيران وحزب الله، واستقدام المليشيات الشيعية من العراق وأفغانستان وباكستان لمُساندة نظام بشار الأسد في قمع ثورتهم. ولم يكن الاعتراض، هنا، ناجمًا فقط عن هُويّة القوى المُشاركة فيه، بل عن مبدأ أساسي هو رفض استقدام مقاتلين، ومرتزقة أجانب، بأجندة طائفية، لحسم صراع داخلي بالقوّة لحساب قوى إقليمية لا تتطابق مصالحها بالضرورة مع مصالح الشعب السوري. كيف يمكن إذًا للسلطة التي وصلت إلى الحكم بعد سقوط نظام الأسد أن ترفض تدخّل إيران وحزب الله في سورية، ثم ترسل قوات سورية للتدخّل في اليمن؟ لا نقارن، هنا، نظام الحوثي بالثورة السورية، فالحوثي، لم يكن يوماً جزءاً من الثورة اليمنية، بل انقلب عليها، وركب موجتها للوصول إلى السلطة، ثم جعل نفسه جزءًا من مشروع إيران الإقليمي الذي دمّر، بسلوكه الطائفي، المنطقة. مغزى المقارنة القول إنّ تدخّلًا سوريًا مُحتملًا في اليمن يضعف قدرة دمشق في الدفاع عن مبدأ رفض التدخّلات الخارجية في شؤونها الداخلية، إذا صارت هي نفسها طرفًا في صراعات داخلية خارج حدودها.
فوق هذا، يُنذر تدخّل سوري مُحتمل في اليمن بخطر إعادة إنتاج الانقسام الطائفي الذي دفع السوريون، والمنطقة، ثمنًا باهظًا له خلال العقدين الماضيين، خصوصًا. فقد أسهم تدخّل إيران وحزب الله في سورية في إضفاء طابع طائفي على صراع كانت دوافعه الأساسية سياسية، وساعد في تحويل المواجهة من صراع بين شعب يطالب بالتغيير ونظام يتمسّك بالسلطة، إلى مواجهة إقليمية جرى تصويرها بوصفها صراعًا بين السنة والشيعة. ومن شأن إرسال مقاتلين سوريين إلى اليمن لمُحاربة الحوثي أن يُعيد إنتاج هذا الاستقطاب، خصوصًا إذا جرى تقديم المشاركة السورية بوصفها ردًا على الدور الإيراني السابق في سورية. عندها لن يعود الصراع اليمني يُقرأ في سياقه السياسي والتاريخي المحلي، بل سيجري إدراجه في إطار مواجهة سنية-شيعية أوسع، تصبح فيها سورية طرفًا في اصطفاف مذهبي إقليمي، وهذا بالضبط ما ينبغي تجنّبه في بلد مزّقته التعبئة الطائفية. وهذا يقودنا إلى النقطة الثالثة، والأكثر أهمية، ربّما، والتي تتعلّق بسياسات السلطة الانتقالية وأولوياتها الوطنية. فسورية التي خرجت من حرب مُدمّرة تواجه تحديات هائلة تتعلّق بإعادة بناء مؤسّسات الدولة، وتوحيد القوى المُسلّحة، وإعادة الإعمار، وعودة اللاجئين، واستعادة السيطرة على كامل ترابها الوطني. وفي وقت تتواصل فيه الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، وتبقى فيه أجزاء من الجنوب السوري تحت الاحتلال، سيكون من الصعب إقناع السوريين بأنّ إرسال قوات إلى اليمن يمثّل أولوية وطنية تتقدّم على حماية الأراضي السورية نفسها. ومن الطبيعي، عندها أن يسأل السوريون: إذا كان لدينا فائض قوات نرسلها إلى اليمن، فلماذا لا نستخدمها إذًا لحماية الأرض السورية، وأصحابها الذين يستغيثون لردّ الاعتداءات الإسرائيلية اليومية عليهم؟ هؤلاء أولى، وأقرب، وأجدر بالغوث!
لا ينبغي أن يُفهم هذا الكلام اعتراضًا على تعزيز العلاقات السورية السعودية، أو إنكارًا لحقّ السعودية في الدفاع عن أمنها. على العكس، إذا تعرّضت السعودية لاعتداءات عسكرية، من الحوثيين أو غيرهم، يجب أن تهبّ سورية، وكلّ دولة عربية، في إطار القانون الدولي، والتزاماتها القومية، للدفاع عنها. لكن نعود إلى القول إنّ هناك فرقًا جوهريّاً بين المساعدة في حماية الأراضي السعودية وإرسال قوات سورية إلى اليمن للمشاركة في صراع داخلي مُعقّد، تتداخل فيه الانقسامات السياسية والقبلية والمذهبية والمصالح الإقليمية.
رفضنا سابقاً استخدام قوى إقليمية فصائل المعارضة السورية أدوات في حروبها الخارجية (ليبيا، أذربيجان، أوكرانيا…)، وكانت النتيجة تكريس صورة المقاتل السوري الذي يمكن استئجار خدماته العسكرية، بعد أن فقد وطنه ومصدر رزقه، وأصبح مُستعدًا للقتال خارج بلاده من أجل المال. هذه الظاهرة تصبح أشدّ خطورة إذا تحوّلت إلى سياسة تتبنّاها الدولة السورية نفسها. لذلك، رجاءً، لا تفعلوها.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





