المغرب يتجه بالسرعة القصوى لحسم ملف الصحراء

 

 

 

بلال التليدي
 كاتب مغربي

 

 

ثمة ملاحظة مهمة على أسلوب المغرب في التفاعل مع الديناميات التي تجري في أروقة الأمم المتحدة قبل جلسة 31 أكتوبر التي يرتقب أن يصدر فيها قرار جديد لمجلس الأمن. فقد ساد الصمت عقب تسريب مسودة تقرير المبعوث الشخصي للأمين العام حول جولات المفاوضات الثلاث التي جرت في كل من واشنطن ومدريد لإحراز تقدم بين الأطراف حول وثيقة الحكم الذاتي حَينَها المغرب بقرار من مجلس الأمن 2797 الذي نص على جعلها أرضية للتفاوض، ثم تحول الصمت مباشرة عقب خطاب الملك الافتتاحي للبرلمان إلى هجوم منسق على واجهتين سياسية وحقوقية.
المفارقة أن الخطاب الملكي لم يتضمن أي فقرة عن الصحراء، فقد تحدث عنها ضمنيا عنها عند ذكره للمكاسب الدبلوماسية التي حققها المغرب في عهده، لكن في المقابل، كانت هناك إشارة دالة إلى توتر العلاقة مع إسبانيا، والمشكلة الرئيسية التي تعيق تحقيق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، أي ملف الهجرة، وشكل تعاطي إسبانيا ومؤسساتها القضائية والقانونية والأمنية مع حيثيات متعلقة به (رفض إعادة القاصرين، التشجيع المسيس للجوء السياسي، تشجيع المؤسسة القضائية للهجرة النظامية عبر البحر).
لم يشر الملك إلى تصويت البرلمان الإسباني على تجنيس الصحراويين ولا لزيارة الملك الإسباني فيليب السادس لسبتة، مع أن هذين الحدثين يعتبران تحديين جديين، يمكن في سياق آخر أن يتسببا في قطيعة دبلوماسية، فمن الواضح أن محادثات بين الطرفين، قلصت مساحة الخلاف والتوتر، والتقدير أن طلبا وجه للرباط بضرورة تفهم الإكراهات التي تواجهها حكومة سانشيز، في أفق ما ستفرزه الانتخابات التشريعية، التي تجري في الظاهر على إيقاع الخلاف على قانون جديد للسكن، وفي الجوهر على خلاف حاد بين مكونات الحكومة على شكل التعاطي مع المغرب، وعدم قدرة الحزب الحاكم المضي بعيدا في رؤيته للشراكة مع المغرب دون تحسين تموقعه في الأغلبية الحكومية وتقدمه في المشهد السياسي.
التغيير الذي حصل في دينامية المغرب عقب تسريب مسودة تقرير المبعوث الشخصي للأمين العام، أخذ شكلين: سياسي، تولى عمر هلال، السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، التعبير عنه، وحقوقي، تكلف عمر زنيبر، السفير الممثل الدائم للمملكة لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى بجنيف طرحه في شكل مقترح في الأوساط الحقوقية الدولية بجنيف.
في مناقشات اللجنة الرابعة بالأمم المتحدة بنيويورك، اعتمدت المقاربة الهجومية التي تبناها عمر هلال على أربع حجج أولها، أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 شكل منعطفا حاسما في مسار معالجة نزاع الصحراء المغربية، إذ «انتقل من منطق تدبير النزاع إلى منطق البحث عن تسوية نهائية له، على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي»، والثانية، أن «هذا القرار مثل نقطة تحول غير قابلة للتراجع، وذلك حين كرس المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا للمسار السياسي، مما جعل العودة إلى القرارات السابقة»- يقصد الاستفتاء- بما فيها الاستفتاء أمرا غير وارد بالمطلق، والثالثة أن القرار جدد التأكيد على مسؤولية الأطراف الأربعة (المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو)، في الانخراط بحسن نية ودون شروط مسبقة في البحث عن حل سياسي نهائي، مما يقطع مع منطق حيادية الجزائر وعدم مسؤوليتها في الصراع، والرابعة أن جولات الحوار الثلاث التي أجريت بناء على قرار مجلس الأمن، تمت على أساس مقترح الحكم الذاتي المفصل الذي قدمه المغرب، وأن قرار مجلس الأمن يلزم الأطراف الأربعة بالانخراط في المناقشات دون شروط مسبقة، وتحويل الالتزامات المعلنة إلى خطوات عملية، إلى جانب إعادة إرساء وقف إطلاق النار والالتزام به.

المقاربة الهجومية التي اتخذت شكلا حقوقيا، بدأها في واقع الأمر عمر هلال ضمن مداخلته التي عرجت على الشق الإنساني في الملف، لكن تفصيلها وإدارتها تولى أمرها السفير الدائم للمغرب بجنيف، ويدور مضمونها الأساسي على فكرة إعادة الاعتبار لقرارات مجلس الأمن والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حول مخيمات تندوف، فالمغرب يعتبر أن استمرار وضع ساكنة مخيمات تندوف على مدى عقود يستدعي البحث عن حلول مستدامة تنسجم مع قرارات مجلس الأمن ومقررات المفوضية التي تنص على خيارات تشمل العودة الطوعية، أو إعادة التوطين في بلد ثالث، أو الاندماج في البلد المضيف، وذلك وفقا للاختيار الحر والطوعي للمعنيين، وأن عدم اللجوء لهذه الخيارات المستدامة يترتب عنه تبعات قانونية وأخلاقية وإنسانية.
يبدو شكل المقاربة الهجومية المغربية منسقا، فإذا كان هدف الشق السياسي هو أن يسحب من الطاولة أي خيار آخر سوى المقترح المغربي للحكم الذاتي، على أساس أن الحل سيكون في إطاره، وأن النقاش سيتمحور حول صلاحيات المركز وصلاحيات الإقليم، وشكل إدارة العلاقة بين الطرفين، فضلا عن قضايا السيادة والسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية للتنظيم، فإن الشق الحقوقي، ذا البعد الإنساني الصرف، يقصد تفكيك المخيمات التي تستعملها الجزائر ورقة سياسية في إدارة الصراع، وذلك من خلال اقتراح ثلاثة خيارات: أن تقوم الجزائر بتوطين من يريد الاستقرار بها، أو تترك لمن أراد الالتحاق بالمغرب الحرية في العودة لوطنهم، أو أن تتيح لهم الحرية في اختيار موطن ثالث يلجؤون إليه للاستقرار.
الديناميات المقبلة التي تم تسريب جزء منها، والتي تعكس في الجوهر الخلافات حول قضايا تتعلق بالحكم الذاتي، تبين وجود اتجاهين، اتجاه يريد أن ينطلق من الحكم الذاتي بوصفه أساسا للتفاوض، ويحرز تقدما ينتهي إلى إنهاء ورقة توظيف مخيمات تندوف بما في ذلك الاعتراض على قضية المساعدات الإنسانية، وأنه في ظل وجود حلول مستدامة، فالأنسب دعم هذه الحلول وتعليق المساعدات الموجهة لمخيمات تندوف لتسريع الخيارات المستدامة بدل الإبقاء على الوضع الإنساني الكارثي في المخيمات، أما الاتجاه الثاني، فيريد أن يبحث في جدار التفاوض حول الحكم الذاتي ثقبا يرجع منه إلى المقاربات السابقة، والتي أكدت قرارات مجلس الأمن أنها غير واقعية وغير قابلة للتطبيق، فالبوليساريو بدعم من الجزائر، تعتبر أنه حتى وإن تم التوافق حول صيغة للحكم الذاتي، فإنه ينبغي عرضها للاستفتاء على ساكنة المخيمات بتندوف، وأن رفضها يعني إنهاء حل المقترح المغربي للحكم الذاتي، والعودة لمقترح الاستفتاء، بينما لا يرفض المغرب مبدأ مشاورة الساكنة على مخرجات التفاوض حول الحكم الذاتي، لكن على أن يتم ذلك ضمن اقتراع وطني تشارك فيه ساكنة المخيمات التي التحقت بوطنها إلى جانب ساكنة المنطقة، تماما كما يجري الأمر في كافة الاقتراعات الانتخابية والاستفتائية التي تعرفها الأقاليم الصحراوية.
تبدو المقاربة الهجومية المغربية أكثر ارتباطا بقرار مجلس الأمن ومضمونه، وأكثر مجاراة لمنطق التفاوض، ومنطق التطور الذي تعرفه المنطقة ومنطق التحول في الموقف الدولي في اتجاه دعم المقترح المغربي، ولذلك، لم يتحدث الملك محمد السادس عن قضية الصحراء لأنه يعتبر أن الديناميات الجارية بين الأطراف الأربعة إلى حد الآن لا تحمل تهديدا جديا في تدبير النزاع، وإنما تحدث عن الشراكة مع إسبانيا، لأن التحدي الذي تترقبه الرباط وتعد له الجواب الاستباقي، يمكن أن يأتي من مدريد، وذلك في حالة اتجهت إلى استكمال حلقات تجنيس الصحراويين، وأنتجت ديناميات مناوئة للمصالح المغربية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا