سبتة ومليليةالمحتلتان …زيارة ملكية في خدمة أجندة اليمين الإسباني.

 

 

 

عبد الله بوصوف

 

 

لم تكن زيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية المحتلتين مجرد محطة بروتوكولية لتأكيد حضور الدولة الإسبانية في المدينتين، بل جاءت في لحظة سياسية دقيقة تتداخل فيها رهانات المؤسسة الملكية مع التنافس الانتخابي، وتتصاعد فيها أهمية قضايا السيادة والهجرة والعلاقة مع المغرب. فالزيارة، بتوقيتها ورسائلها، تفتح الباب أمام قراءة تتجاوز ظاهر الحدث، لتكشف كيف تحولت المدينتان إلى أداة لاستعراض الحضور الملكي ومحاولة تثبيت انتمائهما الإسباني في مواجهة المطالب المغربية.

تأتي الزيارة في سياق إعلان رئيس الحكومة بيدرو سانشيز إجراء انتخابات تشريعية مبكرة، ومحاولته نقل المواجهة الانتخابية إلى القضايا الاجتماعية، وفي مقدمتها السكن وتكاليف المعيشة والحماية الاجتماعية. فقد أدرك أن ترك الحملة تدور حول الهجرة والحدود والسيادة والعلاقة مع المغرب يمنح اليمين المحافظ واليمين المتطرف فرصة لتعبئة الناخبين بخطاب قومي متشدد. ولذلك كان نقل النقاش إلى هموم الإسبانيين اليومية محاولة لتغيير قواعد المواجهة وإرباك الخصوم.

لكن زيارة الملك إلى سبتة ومليلية أعادت البوصلة إلى الملفات التي يريد اليمين تصديرها إلى واجهة النقاش العام. فحين يحضر رأس الدولة بنفسه إلى المدينتين، ويؤكد ارتباطهما بإسبانيا والاتحاد الأوروبي، فإنه يمنح قضية السيادة زخماً رمزياً جديداً، ويعيد الهجرة والحدود والمغرب إلى صدارة المشهد. وبذلك يصبح الحضور الملكي عاملاً مساعداً على إعادة إنتاج أجندة اليمين الانتخابية، في الوقت الذي يحاول فيه سانشيز جعل السكن والعدالة الاجتماعية عنواناً للمنافسة السياسية.

إن محاولة تثبيت إسبانية سبتة ومليلية عبر الحضور الملكي تطرح سؤالاً أعمق حول حدود الرمزية السياسية وقدرتها على تغيير حقائق التاريخ والجغرافيا. فالمغرب يعتبر المدينتين محتلتين، ويرتبط موقفه منهما بامتداد جغرافي وتاريخي لا يمكن تجاوزه بمجرد تكرار خطاب السيادة أو تنظيم زيارات رسمية.

أما البروتوكول الذي رافق الزيارة، فقد كشف بدوره عن رغبة في إخراج الحدث في صورة استعراض للسيادة والولاء. غير أن الصورة الرسمية للاحتفال لا تحكي وحدها حقيقة المشهد. فقد تحدثت معطيات محلية عن تطويق أمني لأحياء المسلمين في سبتة، ولا سيما حي البرينسيبي، خشية خروج احتجاجات رافضة للزيارة. وهذا ما يطرح سؤالاً حول مدى الثقة في قدرة الزيارة على استقطاب جميع مكونات المجتمع المحلي، وحول الفارق بين صورة الاستقبال التي تريد السلطات تقديمها وبين المخاوف من تعبير جزء من السكان عن مواقف مخالفة.

فأي معنى للاحتفاء بالوحدة الوطنية إذا كانت السلطات تخشى أن تتحول الزيارة إلى مناسبة للاحتجاج في أحياء بعينها؟ وأي دلالة للاستقبال الشعبي حين يصبح ضبط المجال العام جزءاً من المشهد؟ إن هذه المفارقة تضع علامات استفهام حول الرسالة التي أرادت الزيارة إيصالها، وحول ما إذا كان الاستعراض موجهاً إلى جميع سكان المدينتين أم إلى جمهور محدد يراد تقديمه باعتباره ممثلاً للإجماع المحلي.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بزيارة ملكية فحسب، بل بالدلالات السياسية التي اكتسبتها في توقيت انتخابي حساس. فقد أعادت الهجرة والحدود والمغرب إلى مركز المشهد، ومنحت اليمين فرصة إضافية لتثبيت أجندته، بينما أثارت تساؤلات حول حدود الدور الملكي ومدى ابتعاده عن الاستقطاب الحزبي. أما بالنسبة إلى المغرب، فإن الزيارة لا تغير من موقفه التاريخي والسيادي تجاه سبتة ومليلية، كما أن تكرار خطاب إسبانية المدينتين لا يحسم النزاع ولا يمحو الجغرافيا والتاريخ. فالشرعية لا يصنعها البروتوكول، والسيادة لا تتحول إلى حقيقة تاريخية نهائية بمجرد رفع الأعلام،ولن تستطيع اسبانيا فرض رواية واحدة لتاريخ مدينتين تظلان في قلب كل المغاربة.


شاهد أيضا

شاهد أيضا