الدكتور عبد الله بوصوف
الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج
يأتي إعلان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عن انتخابات تشريعية مبكرة في لحظة سياسية واجتماعية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها أزمة الحكومة مع اتساع الاحتجاجات الاجتماعية، خصوصًا حول السكن وارتفاع كلفة المعيشة. لكن القرار لا يبدو مجرد استجابة لمأزق برلماني متراكم، بل يحمل أيضًا حسابًا انتخابيًا واضحًا: إعادة تحديد موضوع المعركة قبل أن يتمكن اليمين من فرض أجندته.
خلال الأشهر الأخيرة، حاول اليمين الإسباني، ولا سيما حزب الشعب وفوكس، دفع الهجرة وأمن الحدود وسبتة إلى مركز النقاش السياسي. وقد وفرت أزمة المدينة فرصة مناسبة لهذا التوجه، إذ تحولت سبتة إلى مادة سياسية تتداخل فيها قضايا الهجرة والسيادة والأمن والعلاقة مع المغرب. وبحكم موقعها الجغرافي وحساسيتها التاريخية، تستطيع سبتة أن تتحول بسرعة من قضية محلية إلى رمز انتخابي، وهو ما يجعل استثمارها السياسي وسيلة فعالة لتعبئة الناخبين حول قضايا الهوية والحدود والهجرة.
لكن هذه الأجندة لا تستحوذ وحدها على اهتمام الشارع الإسباني. فقد جاءت أزمة السكن لتفرض نفسها باعتبارها واحدة من أكثر القضايا التصاقًا بالحياة اليومية للمواطنين. وأصبح ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات عائقًا أمام الشباب والأسر، وتراجع الاستقلال السكني، واتسعت المخاوف من الإخلاء ومن فقدان القدرة على تحمل تكاليف الحياة في المدن الكبرى. ومع خروج الاحتجاجات إلى الشارع، لم يعد السكن ملفًا اقتصاديًا محدودًا، بل تحول إلى قضية اجتماعية وسياسية تعكس شعورًا متزايدًا بأن ثمار النمو لا تصل بالتساوي إلى جميع الفئات.
وهنا وجد سانشيز مساحة سياسية مختلفة. فاليسار الإسباني يستطيع أن يخوض معركة السكن من موقع الدولة الاجتماعية، وحماية المستأجرين، وتوسيع السكن العمومي، والحد من المضاربات العقارية. وهي أرضية أكثر ملاءمة له من النقاش الذي يريد اليمين فرضه حول الهجرة والحدود. ولذلك فإن الدعوة إلى انتخابات مبكرة في هذه اللحظة يمكن فهمها بوصفها محاولة للانتقال من معركة يملك فيها اليمين أفضلية خطابية إلى معركة اجتماعية يستطيع فيها اليسار استعادة جزء من مبادرته.
ولا يعني ذلك أن سانشيز يتجاهل ملف الهجرة أو أن سبتة ستختفي من الحملة الانتخابية. فمن الصعب تصور انتخابات إسبانية لا تكون فيها الحدود والهجرة حاضرتين بقوة، كما أن اليمين سيواصل استخدام سبتة في خطابه السياسي. لكن الفارق يكمن في موقع هذه الملفات داخل المشهد العام. فهناك فرق بين أن تكون سبتة أحد الملفات الانتخابية وبين أن تتحول إلى العنوان الذي تختزل فيه الانتخابات كلها.
ومن هنا تكتسب خطوة سانشيز دلالتها السياسية. فهو يغامر بالذهاب إلى صناديق الاقتراع قبل أن يصبح الضغط البرلماني عبئًا أكبر على حكومته، لكنه في الوقت نفسه يراهن على الشارع وعلى تحول الأولويات الاجتماعية. إنه يعرف أن الناخب قد يكون قلقًا من الهجرة، لكنه في الوقت نفسه يواجه أزمة إيجار، أو عجزًا عن شراء مسكن، أو تراجعًا في قدرته على تأمين مستقبل أسرته. وهذه القضايا المتصلة مباشرة بالحياة اليومية قد تعيد ترتيب الأولويات التي حاول الخطاب السياسي خلال الأشهر الماضية أن يفرضها.
وتمنح الاحتجاجات حول السكن الحكومة فرصة لإعادة تقديم نفسها باعتبارها طرفًا في مواجهة التفاوت الاجتماعي. فاليسار لا يحتاج إلى إقناع الناخب بأن أزمة السكن موجودة، وإنما يحتاج إلى إقناعه بأن لديه القدرة على معالجتها. وهنا تصبح الانتخابات اختبارًا لمدى قدرة الحكومة على تحويل خطابها الاجتماعي إلى سياسات ملموسة يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية.
أما اليمين، فسيتعين عليه أن يخوض المعركة الاجتماعية أيضًا. ولن يكون كافيًا أن يركز على الهجرة والأمن، لأن الناخب الذي يواجه ارتفاع الإيجار أو يستحيل عليه شراء منزل يريد إجابة عن مشكلته المباشرة. ولذلك قد يجد حزب الشعب نفسه مضطرًا إلى تقديم تصور واضح للسياسة السكنية، بينما سيحاول فوكس ربط أزمة السكن بالهجرة وبالضغط على الخدمات العمومية، بما يسمح له بإعادة إدخال ملف الحدود من نافذة اجتماعية.
وهذا يجعل المعركة أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة بين اليسار واليمين. إنها منافسة على تفسير الأزمة نفسها. هل ترتبط الصعوبات التي يعيشها الإسبان بنموذج اقتصادي وسوق عقارية تحتاج إلى تدخل أكبر من الدولة، أم أن جزءًا أساسيًا منها يرتبط بالهجرة والضغط الديموغرافي والخدمات العمومية؟ سيحاول كل طرف تقديم الرواية التي تخدم موقعه السياسي، لكن سانشيز اختار أن يبدأ السباق من القضية التي تمس المواطن في حياته اليومية.
ولا تخلو هذه المناورة من المخاطر. فمجرد تغيير موضوع الحملة لا يكفي لضمان الفوز، خصوصًا في ظل هشاشة الوضع السياسي للحكومة وتعدد خصومها. كما أن اليمين يمتلك قدرة كبيرة على الجمع بين القضايا الاجتماعية والهجرة، وتقديم نفسه باعتباره القوة القادرة على معالجة أزمة السكن وتشديد الرقابة على الحدود في الوقت نفسه. ولذلك سيكون على سانشيز أن يثبت أن انتقاله إلى القضايا الاجتماعية ليس مجرد مناورة انتخابية، وإنما جزء من مشروع قادر على تقديم حلول حقيقية.
في النهاية، لن تحسم الانتخابات الإسبانية بمجرد تغيير عنوان الحملة، ولن تكون أزمة السكن وحدها كافية لضمان استمرار اليسار في الحكم. لكن سانشيز استطاع، بإعلانه الانتخابات في هذه اللحظة، أن يعيد فتح المجال أمام معركة سياسية مختلفة، عنوانها القضايا الاجتماعية والقدرة على العيش، بدل أن تظل محصورة في الهجرة والحدود.
وهكذا يحاول سانشيز قلب الطاولة على اليمين، ليس بإخراج سبتة من المشهد، وإنما بمنعها من أن تكون هي التي تحدد المشهد كله





