في الذّكرى الثَّانية لاستشهاد سيِّد الطوفان: الشَّهيد يحيى السِّنوار رحمه الله تعالى

 

 

 

د. عبد العزيز الإدريسي

 

قال الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ سورة الأحزاب الآية 23،هذه الآية المباركة العظمية تضع الميزان الحقيقي للرجولة والشّهامة والنجدة والشّجاعة، فالرجولة ليست بالذكورة أو الأنوثة، وليست بالسنوات ولا بالمناصب، ليست بالسبق بل بالصدق، صِدقُ العهد مع الله تعالى والثبات عليه حتى النّهاية؛ وفي الذكرى الثانية لاستشهاد سيد طوفان الأقصى الشهيد يحيى السنوار رحمه الله تعالى، نقف أمام تجلٍّ حيٍّ ومتجدد لمعاني هذه الآية الجليلة، رَجلٌ عاش لفكرة، وسُجن لفكرة، وقاد لفكرة، واستشهد لفكرة، حيث ختم حياته كما تمنى، مُقبلا غير مدبر، ثابتا في الخنادق لا في الفنادق، استشهد مُشتبكا فوق الأرض لا تحتها كما روجتْ الدّعاية الصهيونية.
السنوار: الرجل الذي صَدق..
لم يكن يحيى السنوار عابر سبيل في القضية الفلسطينية، كان ابنها البار الذي صاغته المخيمات والسجون، وُلد في مخيم خانيونس عام 1962 لأسرة هُجّرت من بلدة مجدول (انظر روايته:الشوك والقرنفل)، فتشرب مرارة اللجوء مبكرا، تخرج من الجامعة الإسلامية بغزة، واعتُقل مرات، وقضى أكثر من 23 سنة في سجون الاحتلال الصهيوني، هناك لم يذبل بل نضج، لم ينكسر، بل انتصر على السجّان: تعلم العبرية، وقرأ عقل العدو، وألف كُتبا، وأدار معركة الوعي من داخل الزنزانة، وتفاوض مع العدو الصهيوني.
في عام 2011 سيخرجُ سيد الطوفان في صفقة وفاء الأحرار التي أبرمتها حركة حماس مع دولة اليهود عقب الافراج عن الجندي جلعاد شاليط الذي أسرته كتائب القسام، لم يخرج ليستريح، بل خرج ليقول إن العهد الذي قطعه في السجن لم ينته، فنزل إلى النفق، وعاد إلى الخندق الأول، مقاوما ومشتبكا، قائدا وجنديا، وهو يحمل الوصية نفسها: لا اعتراف ولا تفريط ولا تبديل.
السنوار: سيد الطوفان وقرار العمر..
سَيُسَجِّل التاريخ بمداد الفخر وكلمات العز أن السنوار كان مهندس القرار الأخطر والأكبر في تاريخ الصراع المعاصر مع الكيان الصهيوني، قرار طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023م، قرار لم يكن انفعالا عابرا، بل كان تتويجا لقراءة استراتيجية طويلة وعميقة بأن القضية تُصفى بصمت، وأن المقاومة يجب أن تستعيد زمام المبادرة وتكسر قواعد الاشتباك، وتعيد القضية الفلسطينية إلى سُلم الأولويات العالمية والإقليمية.
لقد أدرك أن الصدق مع الله تعالى ومع الشعب يقتضي المغامرة المحسوبة، وأن الأمة التي تريد الحياة الكريمة لا بد أن تدفع ثمنها، وتحول الرجل بعد الطوفان إلى رمز عالمي، مطارد في كل شبر، ومع ذلك لم يغادر الأنفاق ولم يترك الميدان، كان يقاتل مع مقاتليه، يلبس لباسهم، ويأكل مما يأكلون، ليؤكد أن القيادة عنده ليست امتيازا بل مسؤولية كبرى، فمِنهم الجُند ومنهم القادة وكلهم عُشَّاق الشهادة.
السنوار: خاتمة الشهادة: كيف قضى نحبه..
إن خاتمة السنوار وحدها مدرسة، لم يمت في غارة عشوائية وهو مختبئ، بل استشهد في اشتباك مباشر في مدينة رفح، في الصفوف الأمامية، مرتديا جعبته العسكرية، مقاتلا حتى الرمق الأخير، وذراعه تنزف وهو يلقي بعصاه على مسيّرة العدو، تلك الصورة التي بثها الاحتلال بلا قصد، تحولت إلى أيقونة للثبات، ورمز للإقدام، إنها خاتمة تطابق الآية تماما: ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾، لقد قضى نحبه وهو ثابت على ما عاهد الله عليه، لم يبدل ولم يتراجع ولم يساوم على سلاح أو على مبدأ. يقول الشاعر تميم البرغوثي في رثاء الشهيد السنوار في قصيدته الرائعة:” رمى بالعَصَا”:
ألا كَمْ كَرِيمٍ عدَّهُ الدَّهْرُ مُجْرِمًا….. فَلَمَّا قَضَى صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَا
أبو القاسم المنفي عن دار أهله…. وموسى بن عمران وعيسى بن مريما
أتعرف دينا لم يسمى جريمة.. ..إذا ضبط القاضي بها المرء أعدما
صليب وقتل في الفراش وعسكر…. بمصر وأخدود بنجران أضرما
وطفل وديع بين أحضان أمه.. ..يراوغ جيشا في البلاد عرمرما
وقل نبي لم تلاحقه شرطة…. وأشباهها في كل دهر تصرّما
فمن جوهر التوحيد نفي ألوهة…. الملوك لذا ما زال دينا محرما
ولم يؤمن الأملاك إلا تقية.. ..وفي الملك شرك يتعب المتكتما
وفرعون والنمرود لم يتغيرا.. ..بقرنين أو ربطات عنق تهندما
ونحن لعمري نحن منذ بداية…. الخليقة يا أحبابنا وهما هما
نعظم تاج الشوق في كل مرة…. ولسنا نرى تاجا سواه معظما
ونرضى مرارا أن ترضى عظامنا.. ..عطاشا ولا نرضى دعيا محكما
مسيرة في شرفة البيت صادفت.. جريحا وحيدا يكتسي شطره دما
قد انقطعت يمناه وارتض رأسه…. فشد ضمادا دونه وتعمما
وأمسك باليسرى عصا كي يردها…. فكانت ذبابا كلما ذب حوما
وما أرسلت إلا لأن كتيبة من الجند…. خافت نصف بيت مهدما
وقد وجدوه جالسا في انتظارهم أظنه…. ومن تأخيرهم متبرما
ولو صورت تحت اللثام لصورت.. ..فتا ساخرا رد العبوس تبسما
تلثم كي لا يعرفوه لأنهم…. إذا عرفوه فضلوا الأسر ربما
ولو أسروه قايضوه بعمره…. لذاك رأى خوض المنية أحزما
فلم يتلثم كي يصون حياته…. ولكن لزهد في الحياة تلثما
فقل في قناع لم يلث لسلامة…. ولكن شعارا في الحروب ومعلما
وقل في جموع أحجمت خوف واحد…. وفي جالس نحو المشاة تقدما
أتى كل شيء كي يسوء عدوه.. ولم يأتي شيئا في الحياة ليسلما
رمى بالعصى جيش العدو وصية…. لمن عنده غير العصي وما رمى
رمى بالعصى لم يبقى في اليد غيرها…. ومن في يديه العسكر المجر أحجما
غدا مضرب الأمثال منذ رمى بها…. لكل فتى يحمي سواه وما احتمى
جلوسا على الكرسي مثل خليفة…. يبايعه أهلوه في الأرض والسماء
فذلك عرش يرتضيه ذوو النهى…. وذاك إمام قبلة السعد يممى
هنا يصبح الانسان دينا مجردا…. ويصبح دين الناس شخصا مجسما
أتعرف إن الموت راوية الفتى…. يقول لحق أم لباطل انتمى
يعيش الفتى مهما تكلم ساكتا…. فإن مات أفضى موته فتكلما
ماذا تُعلمنا الذكرى الثانية لاستشهاد السنوار؟
في الذكرى الثانية، لم يعد السنوار شخصا، بل أصبح فكرة ومدرسة، وهذه دروس ثلاثة:
– الدرس الأول: هو أن الصدق هو رأس المال الحقيقي للقائد، فالناس تتبع الصادق ولو قلّت إمكانياته، وتنفض عن الكاذب ولو كثرت شعاراته، والرائد لا يكذب أهله.
-الدرس الثاني: أن المقاومة فكرة، والفكرة لا تموت بموت قائد، فالاحتلال ظن باغتيال القادة أنه ينهي المشروع، لكن التجربة أثبتت أن كل شهيد يزرع ألف مقاوم، وإن القائد يخلفه مئة قائد.
-الدرس الثالث: هو درس الثبات، سيرة يحيى السنوار هي عُنوان الثبات والاصرار، فقد ثبت في سجون الاحتلال ثلاثا وعشرين سنة لم يبدل ولم يهن، فحول السجن إلى جامعة يتعلم فيها لغة عدوه ويؤلف كتبه، وثبت بعد التحرر فلم يبحث عن راحة أو ثروة بل عاد إلى الخندق قائدا ميدانيا بين مقاتليه، وثبت عند القرار المصيري يوم طوفان الأقصى وهو يدرك أن ثمن الحرية دم، ثم ختم حياته بثبات الأبطال مقبلا غير مدبر في رفح يقاتل حتى الرمق الأخير بعصاه، فكان الثبات عنده حياة كاملة من السجن إلى الشهادة. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
السنوار: العهد مستمر: تطهيرا للمسرى وتحريرا للأسرى
لم يكن شعار السنوار مجرد كلمات، بل كان عهدا عاش ومات من أجله، حين قال إن معركة طوفان الأقصى جاءت تطهيرا للمسجد الأقصى من دنس الصهاينة المحتلين وتحريرا للأسرى من سجون الاحتلال الظالم، كان يلخص وصية عمره كله/ هو الذي ذاق مرارة السجن 23 سنة، فعرف أن حرية الأسرى لا توهب بل تنتزع، وهو الذي تربى في ظلال الأقصى فعلم أن المساس به مساس بعقيدة الأمة كلها.
اليَوم برحيله واستشهاده لم ينته العهد، بل انتقل من مسؤولية قائد إلى مسؤلية أمة كاملة، فالمسرى ما زال يئن، والأسرى ما زالوا ينتظرون، والعهد الذي بدأه السنوار دَيْنٌ في أعناقنا جميعا حتى يتحقق الوعد: مسرى مطهر، وأسرى محررون.
وصدقَ الله القائل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
مكناس قدس المغرب المغرب الأقصى
مغرب الجمعة 3جمادى الأولى1448ه/ الموافق 16أكتوبر2026م

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا