أئمتها وخُطباؤها يتقاضون ضعف رواتب نظرائهم في باقي مناطق المغرب.. ما الجدوى من استمرار إنفاق وزارة الأوقاف على مساجد سبتة ومليلية؟
أعادت مشاهد استقبال الملك الإسباني فيليبي السادس في سبتة ومليلية، يومي 13 و14 أكتوبر، وسط الأعلام الإسبانية، طرح السؤال حول جدوى الدعم المغربي للتأطير الديني في المدينتين وحدود تأثيره على الارتباط بالمملكة، وتكتسب مشاركة مسلمين في استقبال سبتة، وفق تغطية التلفزيون العمومي الإسباني، دلالة تستحق القراءة، دون أن تمثل وحدها موقف جميع السكان أو حصيلة هذا الإنفاق.
وجرى استقبال سبتة ضمن تعبئة شملت توزيع آلاف الأعلام مجانا وتشجيع التجار على المشاركة وتعليق الدراسة ابتداء من الحادية عشرة صباحا، بحسب المصدر نفسه، وهي تفاصيل تضع المشهد في سياقه التنظيمي، دون أن تنفي مشاعر المشاركين أو تحسم طبيعة ارتباطهم بالمغرب.
ويستند الحضور الديني المغربي إلى دعم كشفت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عن جانب منه في نونبر 2018، فقد نقلت وكالة “إيفي” آنذاك تمويل 34 مسجدا من أصل 42 في سبتة و17 مسجدا في مليلية، وأداء تعويضات 95 قيما دينيا في الأولى و58 في الثانية، كما أورد التقرير تعويضات شهرية تبلغ 600 يورو للإمام و300 للخطيب و50 للمؤذن، دون تحديد الكلفة الإجمالية للدعم في المدينتين.
هذه الأرقام أكبر بكثير من نظيرتها التي يتقاضاها نظراؤهم المغاربة، ففي جواب لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية على سؤال برلماني، في نونبر 2022، كشف أن المكافأة الشهرية الدنيا للقيمين الدينيين بالمغرب تتراوح بين 2300 و2600 درهم بالنسبة لمن يزاول الإمامة وحدها، وبين 2500 و3700 درهم بالنسبة لـ78 بالمائة للذين يجمعون بين الإمامة ومهام أخرى كالأذان أو الخطابة أو هما معا.
وفي تفسيره لهذا الحضور، قال وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، إن المغرب يستجيب لطلب لدى جماعات مغربية، ونفى أن تكون المسألة سياسية، وبذلك، لا يثبت التمويل في حد ذاته أن كسب الولاء السياسي هدف معلن للوزارة، كما لا يكفي استقبال ملك إسبانيا لإثبات إخفاقه في أداء وظيفته الدينية.
وميز الباحث والمحلل السياسي، محمد شقير، في تصريح لـ”الصحيفة”، بين إظهار الانتماء السياسي لإسبانيا واستمرار الارتباط الديني والروحي بالمغرب، معتبرا أن مشاركة سكان في استقبال فيليبي السادس لا تعني تخليهم عن هذا المكون من هويتهم.
ورجح شقير أن يكون السياق الذي أعقب أحداث الهجرة أواخر يوليوز قد أسهم في إضفاء طابع نفسي على الاستقبال، من خلال إظهار التشبث بالانتماء إلى إسبانيا، مشيرا إلى أن الزيارة لو جرت في ظروف أخرى لربما اتخذ التفاعل معها صيغة مختلفة.
وفي قراءته لجدوى الدعم، اعتبر المحلل السياسي أن الإنفاق المغربي على التأطير الديني في سبتة ومليلية يندرج ضمن سياسة الحفاظ على صلة المغاربة بوطنهم، كما هو الشأن بالنسبة إلى المغاربة المقيمين في بلدان أخرى، ويرتبط بخصوصية مؤسسة إمارة المؤمنين ودورها الديني والروحي.
وأبرز شقير أن هذا الدعم يمثل، بحسب تقديره، إحدى وسائل ترسيخ الحضور المغربي في المدينتين، مستحضرا الدعاء للملك بصفته أمير المؤمنين في خطب الجمعة بوصفه رابطا رمزيا متجددا مع المؤسسة الملكية، ومفضلا وصف هذه الصلة بالارتباط الديني والروحي.
وتظل مساءلة جدوى الإنفاق مرتبطة بالكشف عن كلفته الحالية وأهدافه ونتائجه، إذ توثق أرقام 2018 نطاقا تاريخيا للدعم، ولا تحدد حجمه اليوم، أما مشاهد الاستقبال فتفتح النقاش حول حدود التأثير المغربي خارج المجال الديني، لكنها لا تعوض البيانات اللازمة لتقييمه.
المصدر: الصحيفة





