ثلاثيُّ الجوار: موريتانيا مِحورًا والجزائر مُحرِّكًا وإسبانيا ستارًا… والمغربُ يُعمِّر!
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
مدينة الكويرة بين جيوسياسة المطالب ورهانات البناء: حين تُحاك الخرائط في غرف الظلام، وتُبنى المدن في ضوء الشمس.
عجبتُ لأنظمةٍ في بعض دول الجوار، يبدو أن استنزاف الإمكانات المادية والاستخباراتية في حسابات الخصومة الإقليمية يحتلّ حيّزًا من اهتمامها أكبر مما تحتلّه الأولويات التنموية التي تمسّ حياة مواطنيها وكرامتهم.
فبين اجتماعاتٍ سرية يُتداول بشأنها، وخططٍ يُقال إنها تستهدف إعادة إحياء مطالب موريتانية بمدينة الكويرة، وما يُثار حول تمويل جزائري–إسباني مفترض لحملة إعلامية تستهدف المغرب، تتقدّم أسئلة الجيوسياسة إلى الواجهة، وتُطرح فرضية تقاطع المصالح والأدوار داخل المثلث الموريتاني–الجزائري–الإسباني؛ في مشهدٍ يستدعي التمحيص والتوثيق، قبل تحويل الروايات المتداولة إلى أحكامٍ نهائية.
فهل نحن أمام تنافسٍ إقليمي تحكمه حسابات النفوذ، أم أمام محاولاتٍ لتوظيف الملفات الحدودية والإعلامية في إعادة تشكيل موازين الضغط؟
إن السؤال لا يتعلّق فقط بما يُحاك، أو بما يُقال إنه يُحاك، وراء الحدود؛ بل يتجاوز ذلك إلى المفارقة الأكثر إلحاحًا: ما الذي يتبقى من أولويات الدولة حين تستنزف حسابات الخصومة جزءًا من اهتمامها ومواردها، بينما لا تزال حاجات المواطن اليومية تنتظر المعالجة؟
ففي الوقت الذي تنشغل فيه بعض دوائر القرار، بحسب ما توحي به هذه الروايات، بحسابات الضغط والمناورة، تظلّ قضايا التنمية الحضرية في صدارة ما يستحق الاهتمام: شبكات الصرف الصحي، وتدبير النفايات بمختلف أنواعها، وانتظام خدمات النظافة، وإعادة هيكلة الشوارع والساحات العمومية، وتأهيل الأسواق وتنظيمها، وتحسين جودة المرافق والخدمات الأساسية.
تلك ليست تفاصيل هامشية في حياة المدن، ولا ملفاتٍ ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد اكتمال الحسابات السياسية؛ بل هي جوهر العقد بين الدولة والمجتمع، ومقياسٌ ملموس لمدى قدرة المؤسسات على تحويل الموارد إلى خدمات، والوعود إلى منجزات، والسلطة إلى مسؤولية.
فالدولة التي تُحسن إدارة وتدبير المجال العام هي التي تجعل كرامة المواطن أولويةً يومية، لا شعارًا موسميًا؛ وتجعل التنمية ممارسةً مؤسسية، لا مجرد خطابٍ للاستهلاك السياسي.
وفي المقابل، تبرز مدن الداخلة والعيون والطنطان والسمارة وبوجدور في هذه المقارنة بوصفها فضاءاتٍ يستحضرها الخطاب التنموي المغربي عند الحديث عن التوسع الحضري وتأهيل المجال والبنيات التحتية.
وهي مدنٌ يمكن اتخاذها موضوعًا للمقارنة الميدانية في جودة الخدمات، وتنظيم الفضاءات العامة، وتدبير النفايات، وشبكات الصرف الصحي، ومستوى التجهيزات؛ بعيدًا عن الاكتفاء بالانطباعات أو الصور النمطية.
ولعلّ المفارقة التي تستحق التأمل أن بعض الزوار القادمين من دول الجوار قد يجدون في هذه المدن صورةً لما يتطلعون إلى رؤيته في مدنهم: شوارع أكثر تنظيمًا، وفضاءاتٍ عمومية أكثر عناية، وخدماتٍ حضرية أكثر انتظامًا.
غير أن تثبيت هذا الانطباع في صورة حكمٍ شامل يظلّ محتاجًا إلى مقارنة موضوعية تستند إلى مؤشراتٍ واضحة، لا إلى الانطباعات وحدها.
وهنا يتجلّى جوهر المسألة: ليست قيمة الدولة فيما تستطيع أن تُربكه لدى جيرانها، بل فيما تستطيع أن تُصلحه داخل حدودها؛ وليست قوة المؤسسات في كثرة الملفات التي تُديرها ضد الآخرين، بل في قدرتها على إدارة شؤون مواطنيها بكفاءةٍ وكرامة.
إن استدعاء ملف الكويرة، وما يرتبط به من حساسيات تاريخية وجيوسياسية، لا ينبغي أن يحجب السؤال التنموي، ولا أن يحوّل الخلافات الإقليمية إلى ذريعةٍ لتأجيل الإصلاح الداخلي. كما أن الدفاع عن المصالح الوطنية لا يستلزم التسليم بكل رواية متداولة، بل يقتضي التمييز بين الوقائع المثبتة، والتقديرات الاستراتيجية، والاتهامات التي لا تزال بحاجةٍ إلى أدلة.
فالجغرافيا قد تفرض على الدول حساباتٍ معقدة، والتاريخ قد يخلّف ملفاتٍ شائكة، والمصالح قد تتعارض؛ لكن ذلك كله لا يُعفي أي دولة من مسؤوليتها الأساسية تجاه مواطنيها، ولا يمنح الخصومة الإقليمية أولويةً مطلقة على حساب التنمية.
وحين تُحاك الخرائط في الغرف المغلقة، وتُبنى المدن في ضوء الشمس، يصبح الفارق بين المشروعين أبعد من مجرد اختلافٍ في الوسائل: إنه اختلافٌ في ترتيب الأولويات، وفي معنى القوة، وفي الغاية التي تُسخَّر لها موارد الدولة.
فمن ينشغل بإعادة رسم موازين الضغط، ومن ينشغل بتأهيل الشوارع وتنظيم الأسواق وتحسين الخدمات، لا يقدّم بالضرورة الإجابة نفسها عن سؤال الدولة ووظيفتها.
وهنا تعود الأسئلة إلى أصحاب القرار: ما جدوى اتساع الحسابات الخارجية إذا ظلت المطالب الاجتماعية والخدماتية معلّقة؟ وما قيمة النفوذ الإقليمي إذا لم ينعكس تحسّنًا ملموسًا في حياة المواطن؟ وأيّ مستقبلٍ يمكن أن تصنعه دول المنطقة إذا تحوّل التنافس بينها إلى استنزافٍ متبادل، بدل أن يكون حافزًا على التنمية والتكامل وحسن الجوار؟
إن المغرب، كما سائر دول المنطقة، يُقاس مشروعه التنموي بما يحققه على أرض الواقع، لا بمجرد المقارنة مع جيرانه؛ كما تُقاس سياسات الدول الأخرى بقدرتها على الاستجابة لحاجات مجتمعاتها، لا بما يُنسب إليها من مناوراتٍ لم تثبتها الأدلة.
فالمدن لا تُعمَّر بالشعارات، والدول لا تُبنى بالمكايدات، والمستقبل لا تصنعه غرف الخصومة بقدر ما تصنعه مؤسساتٌ تحسن الاستثمار في الإنسان والمجال.
وحين تصبح التنمية معيارًا للقوة، وحسن الجوار قاعدةً للعلاقات، والكرامة الإنسانية غايةً للسياسات العامة، تتراجع جاذبية الخصومة، وتصبح الحدود خطوطَ تواصلٍ ومصالحَ مشتركة، بدل أن تظلّ مسارحَ لتبادل الاتهامات واستنزاف الإمكانات.
فمن يهندس الفتنة على الحدود ومن يهندس الحياة خلفها؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام الرأي العام، لا بوصفه حكمًا مسبقًا على النيات، بل بوصفه دعوةً إلى مساءلة الأولويات، وفحص الوقائع، وقياس السياسات بما تتركه من أثرٍ في حياة الإنسان.
______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).





