أزمة المنظومة الصحية بالمغرب: حين تصبح الصحة أولى الأولويات في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري واختباراً لمغرب العدالة المجالية

 

 

 

 

 عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

إن معركة الإصلاح في المغرب الحديث ليست مجرد أرقام تُستعرض في التقارير الرسمية أو شعارات ترفع في الحملات الانتخابية بل هي نبض حقيقي يعاش كل يوم في تفاصيل حياة المواطن البسيط سيما حين يتعلق الأمر بقطاع حيوي ومصيري كالصحّة. ومع تولي حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مقاليد التدبير التنفيذي كأول امرأة تقود الحكومة في تاريخ المملكة تجد السلطة التنفيذية نفسها أمام امتحان عسير واختبار ميداني أول لا يقبل القسمة على اثنين عنوانه الأبرز إخراج المنظومة الصحية من غرفة الإنعاش ورفع التهميش الممنهج عن المناطق النائية. فالحديث عن الصحة اليوم لا ينبغي أن يغرق في الجداول البيروقراطية الصماء بل يجب أن ينطلق من وجوه وقصص إنسانية موجعة تتكرر بصمت في قرى المغرب العميق وأعالي جباله المنسية حيث تفتقر أبسط التجمعات السكنية إلى أبسط مقومات العلاج وتتحول الخيام الطبية الموسمية إلى مجرد زيارات عابرة ترحل لترک السكان وجهاً لوجه مع قسوة المرض والعزلة.

ولعل أكثر مشاهد القهر المرتبطة بهذا الخلل البنيوي وضوحاً تلك المآسي التي يذهب ضحيتها أبرياء يلفظون أنفاسهم الأخيرة لمجرد لدغة عقرب أو أفعى ليس لأن الموت قدر محتوم لا مفر منه بل لأن المركز الصحي المحلي يفتقر إلى مصل زهيد الثمن كان كفيلاً بإنقاذ روح بشرية لولا غيابه في لحظة حرجة تقاس فيها الحياة بالثواني والدقائق. وفي مشهد موازٍ يعكس عمق الهوة التنموية يضطر أهالي المرضى في المناطق النائية إلى نقل ذويهم على ظهور الدواب عبر مسالك وعرة وطرق شاقة تمتد لساعات طوال من الألم والترقب بينما تحلق المروحيات الطبية في أجواء مناطق أخرى لصالح فئات محظوظة مما يجسد بوضوح تلك الصورة المؤلمة لمغرب السرعتين الذي ما فتئ جلالة الملك محمد السادس حفظه الله يحذر منها ويدعو إلى تجاوزها لتحقيق عدالة مجالية حقيقية. ولا تتوقف لوحة الاختلالات عند حدود العالم القروي بل تمتد لتلقي بظلالها الثقيلة على المدن الكبرى حيث يعاني المواطن في المستشفيات العمومية من طوابير الاكتظاظ الطويلة ومواعيد الفحص التي تمتد لأشهر تفقد خلالها العلاجات قيمتها ونجاعتها في حين يجد نفسه أمام جحيم القطاع الخاص الذي تثقل فواتيره الباهظة كاهل الأسر المتوسطة والضعيفة محاصراً هكذا بين مطرقة الانتظار القاتل وسندان الاستغلال التجاري للصحة.

من هنا يتبين أن الحق في الصحة ليس منة تفضل بها جهة ولا امتيازاً استثنائياً بل هو حق دستوري أصيل يجب أن يتمتع به المواطن في أعالي الجبال بنفس القدر الذي يناله به القاطن في العواصم الكبرى. وعليه فإن المرحلة التاريخية الحالية تفرض على حكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري أن تجعل من إصلاح قطاع الصحة أولوية مطلقة تتقدم على كل الملفات عبر خطوات عملية وجريئة تبدأ بإنشاء مراكز صحية قارة ومجهزة حقيقة في البوادي والقرى عوض الاكتفاء بالحلول الموسمية وتوفير الأمصال والأدوية الحيوية الأساسية في كل نقطة استشفائية دون استثناء إلى جانب تعزيز أسطول النقل الطبي والإسعاف البري والجوي لفك العزلة عن الهامش وتحفيز الأطر الطبية والشبه طبية عبر شروط مادية ومعنوية مغرية تدفعهم للعمل والاستقرار في المناطق النائية ناهيك عن فرض رقابة صارمة وفعالة على القطاع الخاص لضبط كلفة العلاجات ووضع حد للتجاوزات المالية التي تستنزف جيوب المرضى.

إن عجلة الحياة لا تقبل التعطيل والصحة لا تحتمل الانتظار والتسويف والرهان اليوم قائم على إرادة سياسية حقيقية تترجم الشعارات الاجتماعية إلى واقع ملموس يعيد الثقة للمواطن ويكرس كرامته الإنسانية أينما حل وارتحل على أرض الوطن.

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا