في خضم الجدل الإسباني بشأن تحركات قطع من البحرية الملكية المغربية قرب سبتة أواخر يوليوز الماضي، تجاوزت بعض التغطيات الإخبار عن وجود السفن إلى وصفه بـ”الغزو”، رغم غياب ترسيم بحري متفق عليه بين الرباط ومدريد حول المدينة، وبين إثبات التحركات والحكم بأنها انتهاك للسيادة، تظل المعطيات المنشورة عن مواقع السفن وطبيعة أنشطتها غير كافية للتحقق من هذا التوصيف.
وسبق لرئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، وأن أكد الإثنين الماضي وقوع الحادثة البحرية التي تناولتها التغطيات الصحفية، مشيرا إلى أن التواصل بين بحريتي البلدين كان “سلسا للغاية” وأتاح معالجة الوضع، قبل عودته يوم أمس الخميس ويصف الواقعة بأنها معزولة، مؤكدا تسويتها عبر قنوات الاتصال البحرية، دون عرض تفاصيل مسارات السفن أو مضمون الاتصالات التي جرت بشأنها.
ويثبت هذا التصريح إقرار مدريد بوقوع الحادثة ومعالجتها بالتواصل مع الجانب المغربي، لكنه لا يقدم بمفرده العناصر اللازمة للحكم على طبيعتها القانونية، فتحديد وقوع انتهاك بحري يقتضي معرفة المواقع الدقيقة للسفن والأنشطة التي قامت بها، والأساس القانوني لحدود المجال الذي يُقال إنها تجاوزته، وهي تفاصيل لا يعرضها التقرير المرسل بصورة تتيح التحقق المستقل منها.
الموقف المغربي موثق لدى الأمم المتحدة
ويستند الموقف المغربي إلى إعلان رسمي أودعته المملكة عند التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، في 31 ماي 2007، أكدت فيه أن سبتة ومليلية والثغور الأخرى الواردة في الإعلان أراض مغربية، وأن التصديق على الاتفاقية لا يمكن تفسيره اعترافا بالاحتلال الإسباني، وبذلك، فإن الانضمام إلى الاتفاقية لم يتضمن تراجعا عن المطالب المغربية المتعلقة بالسيادة على المدينتين.
وفي مراسلة تلقتها الأمم المتحدة يوم 10 شتنبر 2008، ردت إسبانيا بتأكيد اعتبار هذه المناطق جزءا من أراضيها، وتمسكها بالسيادة عليها وعلى مجالاتها البحرية وفقا للاتفاقي، ويسجل هذان الإعلانان موقفين رسميين متعارضين، ولا يمثل إدراجهما في سجل المعاهدات حكما أمميا بالسيادة أو اتفاقا لترسيم الحدود البحرية بين البلدين.
حدود غير متفق عليها.. وامتداد بحري تحكمه ضوابط
ولا يعود الخلاف حول المجالات البحرية المحيطة بسبتة ومليلية إلى تحركات يوليوز الماضي، فقد تناولت الباحثة وداد نطيف، في دراسة أعدتها في دجنبر 2023 ضمن برنامج زمالة الأمم المتحدة ومؤسسة نيبون، غياب اتفاق شامل يحدد الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا في المتوسط.
وأوضحت أن تداخل المطالب البحرية والخلاف حول السيادة على المدينتين يعقدان تحديد المجالات وممارسة الاختصاصات فيها، خصوصا في مراقبة الصيد، وهو الموضوع الأساسي للدراسة، وتوفر هذه القراءة سياقا سابقا للواقعة، دون أن تحسم موقع السفن أو مشروعية تحركاتها سنة 2026.
ولا يعني تحديد عرض البحر الإقليمي في 12 ميلا بحريا امتداده تلقائيا بهذه المسافة في جميع الاتجاهات، بصرف النظر عن قرب سواحل دولة أخرى، فالقانون الإسباني رقم 10/1977، المؤرخ في 4 يناير 1977، ينص في مادته الرابعة على ألا يتجاوز البحر الإقليمي، إزاء الدول المجاورة أو المقابلة، خط الوسط المتساوي البعد عن خطوط الأساس لدى الطرفين، ما لم يوجد اتفاق مخالف.
وبالنظر إلى مجاورة سبتة للساحل المغربي، لا تكفي الإشارة إلى وجود السفن ضمن مسافة 12 ميلا من المدينة لإثبات تجاوزها حدا بحريا إسبانيا، بل يلزم تحديد موقعها وتطبيق قواعد الترسيم ذات الصلة.
إحداثيات غائبة وتنسيق غير مثبت
إلا أن تقرير “El Español” لا ينشر إحداثيات مواقع السفن المغربية أو خريطة لمساراتها والحد البحري الذي يقول إنها تجاوزته، رغم استخدامه وصف “الغزو البحري” ونقله عن مصادر عسكرية وحكومية لم تسمّها الجريدة الإسبانية أن التحركات كانت متعمدة واستفزازية، وتظل هذه الأوصاف منسوبة إلى “El Español” ومصادرها، دون بيانات ملاحية منشورة تتيح التحقق المستقل من أساسها.
كما أن مجرد وجود سفينة عسكرية قرب الساحل لا يكفي لتحديد طبيعة الواقعة، فالمرور يختلف قانونيا عن ممارسة أنشطة تهدد أمن الدولة الساحلية، ويقتضي التمييز بينهما معرفة المسار والمناورات وظروف الإبحار، وبغياب هذه التفاصيل، لا تحسم المادة المنشورة وقوع انتهاك، مثلما لا يثبت نقص المعلومات مشروعية جميع التحركات.
وبخصوص الربط بين التحركات البحرية والدخول الجماعي للمهاجرين إلى سبتة، قال وزير الرئاسة والعدل والعلاقات مع البرلمان الإسباني، فيليكس بولانيوس، الأربعاء الماضي، إن الحكومة لا تتوفر على عناصر تشير إلى وجود تنسيق بين الواقعتين أو إلى أن إحداهما جرت لدعم الأخرى، رغم تزامنهما، مؤكدا أن الوضع عولج بسرعة عبر الحوار بين إسبانيا والمغرب.
ويضع هذا التصريح حدودا للروايات التي تقدم التحركات البحرية باعتبارها جزءا من عملية منسقة، إذ لا يكفي التزامن وحده لإثبات هذا الارتباط.
نفي لتحرك جديد وجدل حول الوثائق المحجوبة
وفي مستجد منفصل عن واقعة يوليوز، نقلت وكالة “إيفي”، أول أمس الجمعة، عن مصادر بالمديرية العامة للحرس المدني نفيها ما نشرته صحيفة “ABC” بشأن بقاء زورق دورية مغربي لساعات، أمس الخميس، في مياه وصفتها “ABC” بالإسبانية قبالة سبتة، ويتعلق النفي بهذا الخبر تحديدا، ولا يشمل الواقعة السابقة التي أقر بها سانشيز، بما يقتضي التمييز بينهما عند الحديث عن تكرار التحركات البحرية.
وفي موازاة ذلك، يدور خلاف داخل إسبانيا بشأن المعلومات التي أتاحتها الحكومة، بعدما نقلت “El Español” عن مصادر عسكرية وحكومية لم تُسمها أن الواقعة لم تُطرح خلال اجتماع مجلس الأمن القومي يوم 25 غشت، ولم ترد ضمن الوثائق الأربعين المنشورة بشأن الأزمة، كما أوردت طلب الحزب الشعبي الحصول عبر القضاء على محاضر وتقارير وسجلات ملاحية، دون نشر قرار قضائي يستجيب له أو محضر يثبت مضمون مداولات المجلس.
غير أن الخلاف حول الإفصاح عن المعلومات لا يحسم التوصيف القانوني للتحركات المغربية، فالإقرار بوقوع حادثة بحرية وتسويتها بالاتصال بين البلدين يظل مختلفا عن إثبات انتهاك، وهو ما يتطلب تحديد مواقع السفن وأنشطتها والقواعد القانونية المنطبقة على المجال المعني، وحتى إتاحة هذه العناصر، تبقى أوصاف “الغزو” و”العدوان” استنتاجات لا تكفي المعطيات المنشورة لإثباتها.
المصدر: الصحيفة





