لا تلوموا الجمهور.. صانعا محتوى إخباري ينتقدان إدارات مؤسسات الإعلام التقليدي

إيطاليا تلغراف متابعة

ترك شابان أمريكيان من أصول هندية مسارا مضمونا في عالم المال، وأسسا برنامجا إخباريا على يوتيوب يشرح قضايا الاقتصاد والسياسة بأسلوب ساخر. ويريان أن أزمة مؤسسات الإعلام التقليدي سببها قصور مديريها عن ابتكار نماذج عمل جديدة، لا عزوف الجمهور.

جاء ذلك في حوار أجرته الصحفية هناء تميز، ونشره مختبر نيمان للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأربعاء الماضي. ويأتي الحوار ضمن سلسلة “صناع السجل” التي تحاور صناع المحتوى الإخباري الأكثر شعبية حول طرق عملهم، في ظل بيانات تؤكد أنهم صاروا مصدرا رئيسيا للأخبار لدى الأمريكيين، خاصة من هم دون الثلاثين.

ويقدم شرياس سينها وشريكه غوراف سريفاتشان محتواهما في قناتهما “عرض عن الأخبار”، التي تقدم أسبوعيا تحليلا معمقا لأبرز قضايا الاقتصاد والسياسة. ففي حلقة عن عجز الشباب عن شراء المساكن، يخرج سينها من صندوق كرتوني في الشارع ويصطحب عمدة نيويورك السابق إريك آدامز إلى شقة صغيرة مكتظة بالرجال.

من مقاعد الدراسة إلى مورنينغ برو

والتقى الشابان عام 2023 حين كانا طالبين في كلية “ستيرن” لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك. وسينها اليوم في الخامسة والعشرين، وسريفاتشان في الثانية والعشرين، وبدآ بمقاطع قصيرة تشرح الأخبار من منظورين حزبيين، لكنها لم تحقق ما أمّلاه.

ويقول سريفاتشان إنهما أدركا أن بناء جمهور وفيّ من المقاطع القصيرة غير ممكن على المدى البعيد، وأن هذا القالب لا يتسع للتفاصيل. فتحولا إلى الحلقات الطويلة، مستفيدين من دراستهما للاقتصاد السياسي لشرح المبادئ الكامنة وراء العناوين.

ويعترف سينها بأن المقطع الأول الذي بلغ مليون مشاهدة أوهمهما بأنهما نجحا، ويقول إنهما كانا ينافسان أفلام ديزني ومسلسلات الكوميديا الشهيرة، وصناع محتوى على درجة من التميز.

وفي 2024 ترك سينها وظيفته في قطاع المال للتفرغ للمشروع، ثم وقع الشابان عام 2025 عقدا لتقديم البرنامج ضمن شبكة “مورنينغ برو” الإعلامية. ويقول سينها إن رسائلهما الأولى إلى المؤسسات الإعلامية لم تلق أي رد، إلى أن جاءت فرصة إنتاج حلقة واحدة للشبكة فتوالت الحلقات حتى طلبت منهما الانضمام إليها.

ويشيد سينها بأن شبكة مورنينغ برو تترك القرار التحريري لصانع المحتوى، ويصف ذلك بأنه أمر نادر جدا في المؤسسات الإعلامية. ويبلغ عدد مشتركي القناة على يوتيوب اليوم 97 ألفا، ومتابعيها على إنستغرام 84 ألفا.

يصف سينها تركه وظيفته بأنه “قرار غبي اقتصاديا”، لكنه كان يعرف أنه ما زال صغيرا بما يكفي ليبدأ من جديد إن فشل. ويقول إن اختيارهما لمجال تقديم المحتوى يشبه تماما اختيار خريجي كلية الأعمال لأن يصبحوا راقصي باليه، لأن زملاءهما جميعا يعملون في المصارف الاستثمارية والاستشارات. ويقول إنه أحب مقدمي البرامج الساخرة منذ صغره، مثل جون ستيوارت وجون أوليفر، وأراد أن يجمع بين الكوميديا والكتابة في مهنة واحدة.

كيف تصنع الحلقة؟

يوضح سريفاتشان أنهما ينتجان أسبوعيا مقطعين قصيرين وحلقة طويلة وبثا مباشرا. ويكتب كل منهما نص مقطع قصير ثم يراجع نص الآخر، وتستغرق المقاطع القصيرة يومين من أيام العمل الخمسة، ويُخصص الباقي للحلقة الطويلة.

ويشترط الشابان لاختيار أي موضوع أن يثير اهتمامهما شخصيا، وأن يكون لديهما جديد يقولانه فيه. ويضرب سينها مثلا بحلقة عن تراجع الإنجاب، أوضحا فيها أن الحكومات أنفقت عشرات المليارات دون أن يرتفع عدد المواليد.

وعن الكوميديا يقول سريفاتشان إنها تتيح تناول المواضيع القاتمة بخفة، وتزيد التفاعل مع الجمهور. ويقول سينها: “حلقاتنا هي ما نتمنى أن نشاهد مثله أكثر”.

ويعتمد الشابان على مصادر يقرآنها بانتظام، منها موقع بوليتيكو لأخبار الكونغرس وموقع بروبابليكا للتحقيقات. ويقول سريفاتشان إنهما لا يستخدمان الذكاء الاصطناعي في كتابة النصوص أو الإنتاج، لكنهما يستعينان بمحرك “بيربلكسيتي” للعثور على المقالات.

الصحفيون التقليديون يستهينون بقدرتهم على النجاح في المنصات الرقمية، فهم يجيدون صياغة العناوين الجاذبة أكثر من غيرهم.

بواسطة سريفاتشان

ويتوليان التدقيق بنفسيهما، ويطلبان تعليق كل شخص أو شركة يتحدثان عنها. وحين يقع خطأ يصححانه بتسجيل صوتي جديد أو تعديل في الترجمة النصية على الشاشة.

لا تلوموا الجمهور

يرى سينها أن أزمة الإعلام الإخباري ترجع إلى أن مؤسساته عاشت أجيالا في ظل احتكار جعل الجمهور لا يجد غير عدد محدود من الشبكات. ويقول إن هذه المؤسسات لم تبتكر، ولم تتجه إلى أساليب أحدث كما فعلت مورنينغ برو.

ويضيف أن الجميع يلوم المستهلكين ومواقع التواصل، “بينما يجب أن نلوم مديري المؤسسات الإخبارية أكثر بكثير”. ويؤكد أنه لا يمكن مطالبة الناس بالتعامل مع الإعلام على أنه عمل خيري، لأن التبرعات هي أول ما يتوقف حين تتراجع الأسواق.

ويقول إن نموذج عملهما يقوم على بيع الإعلانات، وعلى جذب جمهور جديد لمنتجات مورنينغ برو الأخرى من نشرات وبودكاست.

ويرى سريفاتشان أن الصحفيين التقليديين يستهينون بقدرتهم على النجاح في المنصات الرقمية، خاصة أنهم يجيدون صياغة العناوين الجاذبة. لكنه ينصحهم بالاستثمار في جودة الإنتاج بدل التصوير العفوي بالهاتف. ويضرب مثلا بالصحفي السابق في نيويورك تايمز ماكس فيشر الذي بلغت قناته على يوتيوب نصف مليون مشترك خلال أشهر.

وينتقد سريفاتشان لجوء مؤسسات تقليدية إلى استنزاف سمعتها مقابل الانتباه، عبر شراكات مع تطبيقات المراهنات واستضافة أصوات تحريضية. ويدعوها إلى دخول مجال التعليم الترفيهي بدل مطاردة الانتشار.

وفي المقابل يقر سينها بأن صناع المحتوى، ومنهم هو وشريكه، يعيدون غالبا تقديم أخبار كشفتها المؤسسات التقليدية بأسلوبهم الخاص. ويرى أن مهمتهم أن يجدوا نموذج عمل يجعل التحقيقات الطويلة التي تكشف أخبارا حقيقية، مربحة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا

شاهد أيضا