السعودية في مواجهة التحديات: صلابة المسار التنموي وثبات المواقف الاستراتيجية

 

 

 

 عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.

 

تعيش منطقة الخليج العربي وفي قلبها المملكة العربية السعودية مرحلة مفصلية تتسم بتشابك المعطيات الجيوسياسية مع التحولات الاقتصادية الكبرى حيث تواجه المنطقة تحديات أمنية متصاعدة تهدد الاستقرار الإقليمي وسلامة سلاسل الإمداد العالمية بينما تثبت الرياض قدرتها على إدارة الأزمات بحنكة سياسية وعسكرية عبر الموازنة الدقيقة بين حماية أمنها الوطني والسيادي والمضي قدماً في مشاريع التحول الهيكلي وفق مستهدفات رؤية 2030. وتتصدر التطورات الأمنية واجهة المشهد الخليجي بعد تعرض المملكة لتهديدات متكررة وهجمات عابرة للحدود تستهدف البنية التحتية والمرافق الحيوية والتي بلغت ذروتها في التصعيد الأخير الذي نفذته جماعة الحوثي مستهدفةً بصواريخ باليستية ومسيرات إرهابية عمق العاصمة الرياض ومطار الملك خالد الدولي في محاولة يائسة لترهيب المدنيين وتعطيل حركة النقل الجوي وهو ما قوبل بإدانات عربية ودولية عارمة تؤكد أن أمن الخليج العربي وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة لتقوم المؤسسة العسكرية وقوات التحالف بالتعامل بحزم استراتيجي لردع تلك الاعتداءات وتدمير منصات إطلاقها وحماية الأجواء والمقدرات الوطنية مع التأكيد على الحق الكامل في الدفاع المشروع ومواجهة محاولات تحويل الممرات الحيوية إلى أدوات ضغط إقليمية.

وفي هذا السياق أعربت المملكة المغربية عن إدانتها الشديدة واستنكارها العنيف لهذه الهجمات الممنهجة التي تشنها جماعة الحوثيين المتطرفة مجددةً تضامنها المطلق واللامشروط مع المملكة العربية السعودية الشقيقة ووقوفها الثابت إلى جانبها في كل ما تتخذه من إجراءات لحفظ أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها إذ إن هذه الممارسات العدائية ومحاولات الاستهداف المباشر للبنى التحتية المدنية ومطارات السفر ترفضها تماماً مواثيق الأعراف الدولية والأممية وكل الدول الساعية إلى إرساء قواعد السلم والاستقرار الدوليين مما يضع أطراف التصعيد ومن يمدّهم بالدعم العسكري والتسليح أمام مسؤوليتهم القانونية والأخلاقية في تقويض جهود السلام.

وإلى جانب ذلك تحتل المملكة العربية السعودية مكانة محورية فريدة في العالم العربي والإسلامي باعتبارها مهبط الوحي وقِبلة المسلمين حيث تولي قيادتها الرشيدة جل اهتمامها ورعايتها للدفاع عن مقدسات الأمة وصون مصالحها العليا والذود عن قضاياها العادلة في المحافل كافة. وفي محيطها الإقليمي والدولي تتبوأ الرياض ثقلاً استراتيجياً لا يُضاهى في الشرق الأوسط مدعومةً بشبكة علاقات راسخة وقوية تجمعها بالدول الغربية والأوروبية وهي الشراكات التي تستند إلى التوازن والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وقد تجلت هذه المكانة المتقدمة في حكمة ورؤية خادم الحرمين الشريفين وفي السياسات الحازمة والديناميكية لولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يقود مسيرة تطوير شاملة ومباركة ويحرص كل الحرص على حماية أمن واستقرار الوطن وترسيخ دوره الريادي كركيزة أساسية للأمن والسلم الإقليمي والعالمي.

ولم تقتصر انعكاسات هذا التصعيد الأمني على الجانب الميداني فحسب بل امتدت لتلقي بظلالها الإنسانية والدينية على حركة السفر والوفود حيث تسببت هذه الاعتداءات والاحترازات الأمنية المرتبطة بها في إرباك حركة الطيران وحرمان الآلاف من المعتمرين القادمين من دول غربية وأوروبية والذين حجزوا تذاكرهم ومواعيدهم مسبقاً من أداء مناسك العمرة وزيارة البقاع الطاهرة في تعدٍ سافر على حق المسلمين في أداء شعائرهم الدينية. ورغم جسامة هذه التحديات وتبعاتها فإن هذه الأعمال الإرهابية والعدائية لن تزيد المملكة العربية السعودية إلا إصراراً وثباتاً على مواصلة جهودها الحثيثة في محاربة التطرف والإرهاب بشتى صوره وأشكاله والتصدي بحزم لكل من يدعم هذه التنظيمات أو يمولها.

وعلى الصعيد الاقتصادي يمر الاقتصاد السعودي بمرحلة اختبار دقيقة لمدى مرونته في مواجهة انعكاسات التوترات الإقليمية على أسواق الطاقة والنفط وحركة التجارة حيث فرضت الاضطرابات المرتبطة بالصراع الإقليمي وتراجع الأنشطة النفطية المؤقت ضغوطاً انكماشية على المعدلات العامة للنمو إلا أن قوة الاقتصاد غير النفطي تبرز كصمام أمان رئيسي بفضل مواصلة القطاعات الحيوية كالخدمات المالية والتقنية والسياحة تسجيل مساهمات متنامية في الناتج المحلي وهو ما يمنح الاقتصاد السعودي مناعة عالية وقدرة فريدة على امتصاص الصدمات الخارجية بالتوازي مع توقعات قوية بعودة الانتعاش وتسارع معدلات النمو بمجرد زوال الضغوط الاستثنائية.

وتتكامل هذه التحركات مع موقف عربي وخليجي موحد يؤكد أن أمن المملكة خط أحمر تترجمه الردود الإقليمية في دعم كامل لكل ما تتخذه الرياض من إجراءات لحفظ أمنها واستقرارها إلى جانب التحركات الدبلوماسية النشطة في المحافل الدولية للتأكيد على ثوابت السياسة الخارجية المرتكزة على إرساء السلام وحسن الجوار ورفض التدخلات الخارجية مما يؤكد أن المملكة العربية السعودية تمتلك من الأدوات الاستراتيجية ما يؤهلها للتعامل مع بيئة إقليمية بالغة التعقيد ويظل مشروعها التنموي الطموح المستند إلى قوة المؤسسات وصلابة الاقتصاد المتنوع هو الضمانة الحقيقية لتجاوز هذه المرحلة والعبور نحو مستقبل أكثر استقراراً وازهاراً.

 

 

 

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا