د.محمد كريم بوخصاص
كاتب وصحفي وأستاذ جامعي مغربي
بعد الكشف عن الهندسة الحكومية وتعيين الوزراء، كان غياب قطاع “الاتصال” عن تسميات الحقائب الوزارية أحد الأمور التي لفتت انتباه قبيلة الصحافيين والمهتمين بهذا الشأن.
وعكس ما قد يعتقده البعض، فإن هذه ليست المرة الأولى التي يغيب فيها اسم القطاع عن الهندسة الحكومية. نعم، هي المرة الثانية منذ دستور 2011.
المرة الأولى حصلت في التعديل الذي عرفته حكومة سعد الدين العثماني في 9 أكتوبر 2019، حيت تقلص عدد أعضائها من 39 إلى 24 عضوا، وتحولت وزارة الثقافة والاتصال التي كان يقودها الحركي محمد الأعرج إلى وزارة الثقافة والشباب والرياضة، التي أسندت إلى الحسن عبيابة من الاتحاد الدستوري.
نعم، تولى عبيابة قطاع الاتصال دون أن يرد اسمه في عنوان وزارته. وهو الوضع الذي يستدعيه اليوم غياب التسمية عن الحقيبة المسندة إلى محمد المهدي بنسعيد، مع ضرورة انتظار النص المحدد لاختصاصاته قبل الجزم بمآل القطاع.
وكان إسناد الاتصال إلى عبيابة قد تأكد بصدور المرسوم رقم 2.19.957، بتاريخ 22 أكتوبر 2019، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 6824، إذ نصت مادته الثانية على تكليفه بممارسة الاختصاصات المتعلقة بقطاع الاتصال، إضافته إلى اختصاصاته الأخرى.
الآن، يقتضي الأمر تحديد الجهة الحكومية التي ستتولى القطاع، بموجب مرسوم للاختصاصات ينشر في الجريدة الرسمية، تطبيقا للمادة الرابعة من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها. ويتوقع أن تسند إلى وزير الثقافة والشباب والرياضة بنسعيد كما حصل في تجربة 2019 إلا إذا كان للحكومة رأي آخر.
لكن السؤال المطروح هو: لماذا يغيب اسم الاتصال عن الهندسة الحكومية، خصوصا أن المرة التي غاب فيها في 2019 كان في إطار حكومة مقلصة وليس حكومة موسعة تضم وزراء ووزراء منتدبون؟ وما دلالة الانتقال من “الإعلام” إلى “الاتصال”، ثم إلى “التواصل” (كما حصل في الحكومة السابقة)؟ فتغيير التسمية مسألة، ودمج القطاع مسألة أخرى، وحذف اسمه من عنوان الوزارة مسألة ثالثة، ولا ينبغي الخلط بينها.
من يحاول تبرير الاستغناء عن القطاع بوجود المجلس الوطني للصحافة يخلط بين مستويين مختلفين: التنظيم الذاتي للصحافة، وتدبير السياسة الحكومية في مجال الإعلام. فالمجلس له اختصاصات يؤطرها القانون، لكنها لا تستوعب مجمل المهام المسندة إلى السلطة الحكومية المكلفة بالقطاع.
في البلدان التي ما تزال تتلمس طريقها نحو ترسيخ الديمقراطية، تظل الحاجة قائمة إلى سياسة عمومية واضحة للإعلام، وإلى مؤسسات تنظيمية قوية ومستقلة، باختصاصات محددة. والمطلوب أن تتكامل هذه الأدوار، مع احترام استقلال الصحافة وحرية التعبير، وأن تتحدد المسؤوليات بما يتيح المساءلة.
وإذا عدنا إلى النصوص المنظمة للقطاع، سنجد اختصاصات تتجاوز بكثير مجال التنظيم الذاتي للصحافة. فقد كان المرسوم رقم 2.06.782، الصادر في 11 مارس 2008، يسند إلى وزارة الاتصال إعداد السياسة الحكومية وتنفيذها في مجالات الصحافة المكتوبة والاتصال السمعي البصري والإشهار والسينما وحقوق المؤلف، إلى جانب إعداد النصوص المنظمة للقطاع، والإسهام في إعداد دفاتر التحملات وعقود البرامج، والتعريف بالصورة المؤسساتية للمغرب، وتنشيط التواصل الحكومي.
وقد حل محله المرسوم رقم 2.24.1143، الصادر في 11 أبريل 2025، بتحديد اختصاصات وتنظيم قطاع التواصل. وأبقى على مهام إعداد السياسة الحكومية في مجالات الإعلام والتواصل والسهر على تنفيذها، وأضاف اختصاصات تتصل، من بينها، بصناعة الألعاب الإلكترونية وتطوير آليات التحقق من الأخبار الزائفة في مجال التواصل العمومي والحكومي.
وهنا السؤال الموجه إلى من يقول إن الوزارة لم تعد ضرورية: أي مؤسسة ستتولى هذه المهام؟ وكيف ستوزع المسؤوليات؟ ومن سيحاسب على تنفيذ السياسة الحكومية في القطاع؟ فوجود وزارة مستقلة ليس الصيغة التنظيمية الوحيدة الممكنة، لكن أي صيغة بديلة تحتاج إلى توزيع واضح ومعلن للاختصاصات، وإلى جهة تتحمل المسؤولية السياسية عنها.
المشكل أن حقيبة الإعلام عاشت تحولات متلاحقة منذ أول حكومة في دجنبر 1955، فتراوحت بين كتابة دولة ووزارة مستقلة وقطاع مدمج مع السياحة أو الشبيبة والرياضة أو الداخلية أو الثقافة، وصولا إلى غياب اسمها عن بعض التشكيلات الحكومية.
وعند جرد مسار الحقيبة، يسجل عدم إسناد منصب وزير الإعلام في حكومتي أحمد بلافريج وعبد الله إبراهيم، بين 1958 و1960. ثم غابت تسمية الاتصال عن عنوان الوزارة في حكومة العثماني الثانية، مع استمرار اختصاصاته ضمن وزارة الثقافة والشباب والرياضة.
واليوم، تغيب التسمية عن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، في انتظار اتضاح مآل الاختصاصات.
وإذا كانت الحقيبة المكلفة بالإعلام قد حضرت منذ أول حكومة في دجنبر 1955، فإنها لم تكن دائما وزارة مستقلة، ولم تحمل دائما اسم “الإعلام” أو “الاتصال”. لذلك، يظل التمييز ضروريا بين غياب الاسم من التشكيلة، وعدم إسناد حقيبة مستقلة، واستمرار اختصاصات القطاع ضمن وزارة أخرى.
والسؤال الذي يستحق النقاش هو: ما الموقع الذي تمنحه الحكومة الجديدة للإعلام في سياساتها، ومن يتحمل مسؤولية تدبيره، وبأي رؤية؟





