من كالابريا إلى الداخلة.. مبادرات جديدة لتعزيز جسور التعاون المغربي الإيطالي

 

 

 

 

أحمد براو
فيبو فالينتيا

 

 

خلال الدورة الثانية من مبادرة «جسور الجنوب» في فيبو فالينتيا، طُرح مشروع لإنشاء جامعة أورومتوسطية بين فيبو والداخلة، إلى جانب مقترح لتأسيس سلك قنصلي خاص بإقليم كالابريا

احتضنت مدينة فيبو فالينتيا، بإقليم كالابريا جنوبي إيطاليا، الدورة الثانية من مبادرة «جسور الجنوب» (Ponti del Sud)، التي تحولت إلى فضاء للحوار حول الدبلوماسية الإقليمية، ودور القناصل الفخريين، وآفاق التعاون بين أوروبا وأفريقيا، ولا سيما بين إيطاليا والمغرب.

وشهد اللقاء حضوراً مؤسساتياً ودبلوماسياً لافتاً، بحضور ممثلين عن السلك الدبلوماسي والقنصلي، يتقدمهم سفير صاحب الجلالة بروما السيد يوسف بلا وعدد من رؤساء البلديات والمسؤولين المحليين والإقليميين، إلى جانب فعاليات مدنية وأكاديمية وثقافية. كما حضرتُ هذا اللقاء بصفتي مدعواً وممثلاً للجالية المغربية في كالابريا، في مناسبة عكست الحضور المتزايد للمغاربة المقيمين بالمنطقة، وانخراطهم في المبادرات الهادفة إلى تعزيز العلاقات المغربية الإيطالية.

وأقيمت فعاليات الدورة الثانية بقصر «بالاتسو غالياردي» (Palazzo Gagliardi) في فيبو فالينتيا، وسط حضور جماهيري كبير، بلغ درجة امتلاء القاعة وعدم توفر مقاعد لجميع الحاضرين. وقد فاق نجاح هذه الدورة كل التوقعات، مؤكداً المكانة التي بدأت مبادرة «جسور الجنوب» تكتسبها باعتبارها منصة للحوار والتعاون الدولي انطلاقاً من المستوى المحلي.

وتنظم هذه المبادرة برعاية القنصل الفخري للمملكة المغربية في كالابريا، دومينيكو ناكاري، وبالتعاون مع منظمة «كالابريا روما أوروبا» (CRE – Calabria Roma Europa)، بهدف مناقشة سبل توظيف الدبلوماسية الإقليمية والقنصلية الفخرية في بناء علاقات أكثر متانة بين المؤسسات والشعوب والمجتمعات.

– مشروع جامعة أورومتوسطية بين فيبو فالينتيا والداخلة

تمثلت أبرز محطات اللقاء في التسليم الرمزي لمسؤولية تنظيم المبادرة من جيوفاني كالابريا، عمدة مدينة بالمي التي احتضنت الدورة الأولى، إلى إنزو روميو، عمدة مدينة فيبو فالينتيا، التي استضافت الدورة الثانية.

وبهذه المناسبة، طرح العمدة الدكتور إنزو روميو على سفير المملكة المغربية لدى إيطاليا، يوسف بلا، مقترحاً طموحاً يتمثل في إنشاء جامعة أورومتوسطية مشتركة بين فيبو فالينتيا ومدينة الداخلة، لتكون فضاءً للتعليم والثقافة والبحث العلمي والتعاون بين أوروبا وأفريقيا.

ويرمي المشروع، في حال تجسيده، إلى تحويل العلاقات الودية القائمة بين إقليم كالابريا والمغرب إلى شراكة مؤسساتية ملموسة في المجال الجامعي، بما يتيح للطلبة والباحثين من ضفتي المتوسط فرصاً جديدة للتبادل والتعاون، كما اقترح إنشاء لجنة تحضيرية في مدة لا تتجاوز ستين يوما من أجل البدء في تقديم المشروع للجهات المعنية بالاتحاد الأوروبي.

وقد رحب السفير يوسف بلا بالمقترح، مؤكداً استعداد المغرب للتعاون من أجل دراسة سبل تفعيله ومتابعته. كما شدد على الأهمية الاستراتيجية لمنطقة البحر الأبيض المتوسط باعتبارها فضاءً للقاء والحوار وبناء فرص مشتركة بين الشعوب والمؤسسات.

ويحمل المشروع دلالات مهمة بالنسبة إلى مغاربة إيطاليا، ولا سيما أفراد الجالية المغربية المقيمة في الجنوب الإيطالي، باعتبارهم جسراً بشرياً وثقافياً بين المغرب وإيطاليا، وقوة فاعلة في تعزيز التواصل بين المجتمعين.

– القناصل الفخريون ودورهم في خدمة الجاليات

خصص جزء مهم من اللقاء لتسليط الضوء على الدور الذي يؤديه القناصل الفخريون في خدمة الجاليات وتعزيز العلاقات الثقافية والاقتصادية والإنسانية بين الدول والمناطق.

وفي هذا السياق، استعرض فرانشيسكو مورتيليتي، القنصل الفخري للفلبين في كالابريا وميسينا، طبيعة الخدمات التي تقدمها القنصلية لفائدة الجالية الفلبينية، التي تضم نحو ستة آلاف مواطن. وأشار إلى أهمية المساعدة اليومية التي تقدمها القنصلية، ولا سيما في ما يتعلق بالوثائق الإدارية والمواكبة القنصلية.

من جهتها، قدمت فابيانا فونتانيلا، قنصل البرازيل في كالابريا، شهادة ذات طابع إنساني وثقافي خاص. فهي ابنة أحد المهاجرين الكالابريين إلى البرازيل، وتمثل عودتها إلى أرض أجدادها جسراً بين تاريخ الهجرة والهوية والعمل الدبلوماسي. وقد عكست تجربتها كيف يمكن للروابط العائلية والإنسانية أن تتحول إلى جسور دائمة بين الشعوب.

كما استعاد فرانكو ميلاسي، قنصل بيلاروسيا في كالابريا وصقلية، قصة ما يعرف بـ «أطفال تشيرنوبيل»، وهم أطفال وشباب سبق أن احتضنتهم عائلات إيطالية ضمن مبادرات تضامنية وإنسانية. غير أن استمرار الصراع حال دون استفادة عدد كبير من الأطفال من هذه المبادرات، ليظلوا ضحايا أبرياء للانقسامات والأزمات الدولية.

أما دومينيكو كوكو، القنصل الفخري لأذربيجان وعميد السلك القنصلي في شرق صقلية، فقد أكد الأهمية الاستراتيجية للقناصل الفخريين في تعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية بين مختلف المناطق والدول.

بدوره، تحدث فينتشينزو روتا، قنصل المكسيك في كالابريا، عن أوجه التشابه بين التقاليد الشعبية المكسيكية وتقاليد منطقة كالابريا، مشيراً إلى أن الثقافة قادرة على مد جسور التواصل بين المجتمعات، مهما بعدت المسافات الجغرافية بينها.

كما حضر اللقاء كل من إيكاتيريني كانا، القنصل الفخري لليونان في كاتانيا، وميشيل كوراتولو، قنصل أوروغواي في صقلية، وهو ما عكس الطابع الدولي المتنامي للمبادرة وقدرتها على استقطاب ممثلين دبلوماسيين من مختلف مناطق البحر الأبيض المتوسط والعالم.

– حضور مؤسساتي وتعاضد محلي

عرفت الدورة الثانية حضوراً مؤسساتياً مهماً، من خلال مشاركة نائب محافظ فيبو فالينتيا، الدكتور جوزيبي دي مارتينو، وعضوة المجلس الجهوي بجهة كالابريا دانييلا إيريتي، إلى جانب عدد من المسؤولين المحليين وممثلي المؤسسات والهيئات الاقتصادية والإجتماعية.

كما شارك في أشغال اللقاء سالفاتوري جيوردانو، رئيس مؤتمر رؤساء بلديات منطقة فيبو فالينتيا، وفيتاليانو بابيلو، رئيس مجموعة العمل المحلي «تيري فيبونيزي» (Terre Vibonesi)، إضافة إلى أنطونيو كولياري، نائب رئيس غرفة التجارة في كاتانزارو وكروتوني وفيبو فالينتيا.

واستُهلت الفعالية بعزف النشيد الوطني الإيطالي من طرف طلبة معهد «فاوستو تورفرانكا» للموسيقى في فيبو فالينتيا، في لحظة مؤثرة نالت استحسان الحاضرين.

كما ساهم طلبة معهد «غالياردي – دي فيليبيس بريستيا» للتكوين الفندقي، في فيبو فالينتيا في استقبال الضيوف والمسؤولين، وهو ما أضفى على اللقاء بعداً تربوياً وشبابياً، وأبرز أهمية إشراك المؤسسات التعليمية في المبادرات ذات الطابع الدولي.

– تكريم شخصيتين تقديراً لجهودهما

ومن بين اللحظات المؤثرة في هذا اللقاء، تكريم كل من الكومينداتوري نيكولينو لا غامبا والمحامي جوزيبي ساليتا، اللذين يضطلعان بمهام استشارية لدى القنصلية الفخرية للمملكة المغربية في كالابريا.

وأشاد القنصل الفخري دومينيكو ناكاري بالجهود التي بذلها المكرمان، وبالتزامهما وتفانيهما في إنجاح الدورتين الأولى والثانية من مبادرة «جسور الجنوب»، فضلاً عن مساهمتهما في عدد من المبادرات الأخرى التي رعتها القنصلية.

كما خص القنصل ناكاري الكومينداتوري نيكولينو لا غامبا بشكر خاص، تقديراً لدوره في التنظيم المحكم للفعالية وإدارته لجلسات اللقاء.

مقترح لتأسيس سلك قنصلي خاص بكالابريا

في ختام الفعالية، طرح القنصل الفخري دومينيكو ناكاري مقترحاً جديداً يتمثل في تأسيس سلك قنصلي خاص بإقليم كالابريا، يكون بمثابة هيئة تنسيقية تجمع مختلف الممثلين القنصليين العاملين في الإقليم.

وقال ناكاري إن الحضور القوي والاستثنائي الذي عرفته الدورة الثانية يثبت أن كالابريا تتوفر على جميع المؤهلات التي تمكنها من أداء دور أكبر في العلاقات الدولية داخل منطقة البحر الأبيض المتوسط.

وأضاف أن القناصل الفخريين يمثلون رصيداً مهماً، رغم أن أدوارهم لا تحظى دائماً بالتقدير الكافي، موضحاً أنهم قادرون على خلق فرص عملية للتعاون الثقافي والاقتصادي والمؤسساتي.

وأكد أن الوقت قد حان لاتخاذ خطوة جديدة من خلال تأسيس سلك قنصلي خاص بكالابريا، من شأنه أن يعزز التنسيق بين مختلف المكاتب القنصلية، ويدعم المبادرات المشتركة، ويمنح الإقليم حضوراً أكثر مركزية في العلاقات الدولية.

الدورة الثالثة في ريدجو كالابريا

وخلال اللقاء، أُعلن أن الدورة الثالثة من مبادرة «جسور الجنوب» ستُعقد في مدينة ريجو كالابريا، في إطار توجه يرمي إلى جعل المبادرة موعداً دورياً ومتنقلاً بين مدن الإقليم.

فبعد مدينة بالمي، التي احتضنت الدورة الأولى، ومدينة فيبو فالينتيا التي استضافت الدورة الثانية، ستنتقل المبادرة في دورتها المقبلة إلى ريجو كالابريا، بما يعكس الرغبة في توسيع نطاقها وتعزيز حضورها داخل الإقليم.

وتؤكد هذه الدينامية أن الحوار والتعاون لا ينطلقان بالضرورة من العواصم الكبرى وحدها، بل يمكن أن ينبثقا أيضاً من المدن والأقاليم، حيث تتقاطع المصالح الإنسانية والثقافية والاقتصادية.

جسور جديدة بين المغرب وإيطاليا

أفرزت الدورة الثانية من مبادرة «جسور الجنوب» مقترحين عمليين يفتحان آفاقاً جديدة للمستقبل: أولهما إنشاء جامعة أورومتوسطية تربط بين فيبو فالينتيا ومدينة الداخلة، وثانيهما تأسيس سلك قنصلي خاص بإقليم كالابريا.

ويكتسي هذان المقترحان أهمية خاصة بالنسبة إلى مغاربة إيطاليا، الذين يشكلون جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الإيطالي، ويساهمون في الوقت نفسه في الحفاظ على الروابط المتينة التي تجمعهم بوطنهم الأم المغرب.

فالجسور الحقيقية ليست فقط تلك التي تربط بين ضفتين جغرافيتين، بل هي أيضاً التي تقرّب الشعوب والثقافات والمؤسسات، وتحوّل التقارب الإنساني إلى مشاريع ملموسة تخدم الأجيال القادمة.

ومن كالابريا إلى الداخلة، يبدو أن جسور التعاون المغربي الإيطالي تواصل امتدادها، حاملةً معها آمالاً جديدة في مجالات التعليم والثقافة والدبلوماسية والتنمية والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع.


شاهد أيضا

شاهد أيضا