حين يتعافى الإنسان ويبقى الوصم قائمًا: سوسيولوجيا الوصم وحدود العدالة الإصلاحية في محكمة المجتمع

 

 

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

  ليست كلّ المحاكم ذات جدران، ولا كلّ الأحكام مكتوبة في محاضر رسمية؛ فثمة محكمة أوسع من القانون، حيث تتحوّل الشائعة إلى قرينة، والانطباع إلى إدانة، والماضي إلى حكم مؤبّد لا تنقضه تحوّلات الإنسان.

  كيف يتعامل المجتمع مع الإنسان حين تُثار حوله معطيات تمسّ صورته العامة؟ وأين تنتهي المساءلة المشروعة ليبدأ الوصم الذي يختزله في ماضيه؟ لعلّ حكاية الرجل الذي اعتقد أنّه حبّة قمح تكشف جانبًا عميقًا من هذه المفارقة.

  تُروى الحكاية عن رجل أمضى سنوات في مستشفى للأمراض النفسية بمنطقة المورفان، مقتنعًا بأنّه حبّة قمح صغيرة، وأنّ الدجاج قد يلتهمه. وبعد رحلة علاج طويلة، أخبره الطبيب أنّه تعافى، وأنّ بإمكانه العودة إلى حياته. غادر المستشفى متطلعًا إلى بداية جديدة، وساعيًا إلى عمل يصون كرامته ويعيد إليه استقلاله.

  وفي طريقه، صادف امرأة ريفية تسوق أبقارها، فسألها إن كانت تحتاج إلى عامل موسمي. رحّبت به، وأخبرته أنّها تبحث عمّن يرعى حظيرة الدجاج. شحب وجهه، وعاد الخوف إلى عينيه. وحين طمأنته بأنّه لم يعد حبّة قمح، أومأ موافقًا، ثم قال في وجل:

  «أجل، أنا أعلم أنّني شُفيت… لكن الدجاج، هل يعرف ذلك؟»

  في هذا السؤال تختبئ مأساة الإنسان حين يتغيّر من الداخل، بينما تظلّ نظرة الآخرين أسيرة صورته القديمة. وهنا تتجلّى سوسيولوجيا الوصم؛ فالوصم آلية اجتماعية تختزل هوية الفرد في سمة واحدة، وتحجب ما عداها من صفاته وتحولاته. وقد يستمر أثره حتى بعد زوال أسبابه، لأنّ الصور الذهنية لا تتبدّل بالضرورة مع تبدّل الوقائع.

  وهكذا يصبح الإنسان أسير رواية يكتبها الآخرون عنه، مطالبًا بإثبات أنّه لم يعد الشخص الذي يتخيّلونه. ويتحوّل الماضي من جزء من سيرته إلى معيار وحيد للحكم عليه، كأنّ المحنة أو الخطأ أو المرض قدرٌ لا فكاك منه.

  غير أنّ رفض الوصم لا يعني تعطيل النقد أو إلغاء المحاسبة؛ فثمة فرق بين مساءلة فعل محدّد استنادًا إلى أدلة ومعايير عادلة، وبين اختزال صاحبه فيه ومصادرة حقّه في التغيّر. كما أنّ احترام الكرامة الإنسانية لا يتعارض مع حماية المصلحة العامة، بل يقتضي أن تستند الأحكام إلى معلومات موثوقة، لا إلى الشائعات والاستنتاجات المتسرّعة.

  ومن هنا تتجلّى قيمة العدالة الإصلاحية؛ فهي لا تنكر المسؤولية، ولا تعفي الإنسان من تبعات أفعاله، لكنها ترفض أن تتحوّل المحاسبة إلى إقصاء دائم، أو أن يصبح الماضي حاجزًا يحول دون استعادة الاعتبار وإمكان الإصلاح.

  وفي المجال السياسي والمؤسساتي، تظلّ المسؤولية العامة مشروطة بالكفاءة والنزاهة والثقة، لكن تقييم أهلية الأشخاص ينبغي أن يقوم على معايير موضوعية وأدلة موثوقة، لا على الإثارة أو الوصم أو أحكام لم تثبت صحتها. فالمساءلة العادلة لا تقتضي تجاهل الماضي، كما أنّ استحضاره لا يبرّر إغلاق أبواب المستقبل.

  ولعلّ في ما يُعبَّر عنه بـ«مكر التاريخ»، وهي فكرة ترتبط بفلسفة هيغل، ما يضيء جانبًا آخر من هذه المفارقة؛ إذ قد تتجاوز نتائج الأفعال نوايا أصحابها، وقد تنتهي المسارات التي يرسمها الفاعلون إلى مآلات لم يتوقّعوها.

فالتاريخ لا يتحرّك دائمًا وفق إرادة الأفراد، بل تتداخل فيه المصالح والظروف والتناقضات، فتفضي الأفعال أحيانًا إلى نتائج تكشف ما لم تكن النوايا المعلنة قادرة على إظهاره.

  ومن هذا المنظور، تصبح المسؤولية الأخلاقية والسياسية والإدارية وعيًا بعواقب الفعل، لا مجرّد تبرير له؛ فالأفعال العامة لا تنتهي آثارها بانتهاء لحظتها، بل تترك بصمتها في الذاكرة الجمعية، وتُسهم في تشكيل إرث المؤسسات والأوطان. وقد يحاول الفاعل تفسير مقاصده أو الدفاع عن اختياراته، لكن النتائج تظلّ جزءًا من تقييم ما أنجزه وما خلّفه وراءه.

  غير أنّ استحضار التاريخ لا ينبغي أن يتحوّل بدوره إلى أداة للوصم الأبدي؛ فالمحاسبة العادلة تقتضي ألّا يُعفى الإنسان من مسؤولية ما فعل، وألّا يُحرم في الوقت نفسه من حقّه في المراجعة والتصحيح. فالإقرار بالعواقب لا يستلزم إنكار إمكان التغيير، كما أنّ فتح باب الإصلاح لا يعني محو المسؤولية أو إعادة كتابة الوقائع.

  إنّ التاريخ لا يُقرأ بإنصاف حين نكتفي بتثبيت الإدانة، بل حين نميّز بين الاعتراف بالعواقب وإغلاق باب الإصلاح. فالإرث الذي يخلّفه الفاعل لا يتشكّل من أفعاله وحدها، بل يتأثر أيضًا بموقفه من نتائجها، وشجاعته في تحمّل المسؤولية، وقدرته على تصحيح مساره. كما يتأثر بقدرة المجتمع على إصدار أحكام تستند إلى معايير ثابتة، وتُبقي باب المراجعة مفتوحًا من دون التفريط في مقتضيات المحاسبة.

  إنّ المجتمع الذي لا يميّز بين النقد والوصم يحوّل أخطاء أفراده إلى أحكام مؤبّدة، ويجعل ماضيهم سجونًا لا تُفتح أبوابها. وبذلك لا يحرم الفرد وحده من فرصة استعادة مكانته، بل يقوّض فرص الإصلاح، ويستبدل الإنصاف بالأحكام النمطية، ويجعل الإدانة غايةً بدل أن تكون وسيلةً لتحقيق العدالة.

  لذلك، لا يكمن الاختبار الحقيقي للمجتمع في قدرته على تذكّر ما كان عليه الإنسان فحسب، بل في قدرته على رؤية ما أصبح عليه، من دون التفريط في حقّه في المساءلة أو واجبه في الإنصاف. فالتعافي مسؤولية الفرد، أمّا الاعتراف بإمكان التغيير فمسؤولية اجتماعية أيضًا؛ والعدالة التي تغلق باب الإصلاح تخاطر بتحويل المحاسبة إلى إقصاء، والذاكرة إلى سجن.

  ولعلّنا جميعًا، في مكانٍ ما وزمانٍ ما، سنقف أمام حظيرة دجاج لا بدّ أن نعبرها.

وحينها لن يكون السؤال: هل تغيّرنا فحسب؟ بل أيضًا: هل امتلك المجتمع من الإنصاف ما يكفي ليرى تغيّرنا؟

______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).


شاهد أيضا

شاهد أيضا