أعاد إعلان رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أحمد العبادي، اعتزام فريقه الدفع نحو تجريم تضارب المصالح، وضع تشريعات النزاهة أمام اختبار الأغلبية الحكومية الجديدة، في ظل سابقة سحب مشروع تعديل القانون الجنائي الذي تضمن تجريم الإثراء غير المشروع سنة 2021، ويمنح انتقال الحزب من المعارضة إلى المشاركة في الحكومة تعهده بعدا سياسيا يرتبط بقدرته على تحويله إلى مبادرة تشريعية تحظى بدعم شركائه.
وحدد العبادي، في تصريح صحفي أمس الأحد، إصدار قانون لتخليق الحياة العامة يتضمن تجريم تضارب المصالح ضمن أولويات الفريق، إلى جانب محاربة الريع والفساد والرشوة وتفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، مؤكدا أن مساندة الحكومة والتصويت لصالح مشاريعها لا يعفيان نواب الحزب من الرقابة والمساءلة والاقتراح والتعديل.
ويستند هذا التوجه إلى الفصل 36 من الدستور، الذي ينص على أن “يعاقب القانون على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح”، لذلك، ترتبط أهمية المبادرة بتحديد ما ستضيفه إلى المقتضيات القائمة، من حيث تعريف الحالات المحظورة والأشخاص المعنيين وآليات الوقاية والرقابة والجزاءات، بما يمنح الالتزام الدستوري أدوات واضحة للتطبيق.
ويستحضر التعهد مسار مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، الذي أحيل على مجلس النواب في يونيو 2016، وتضمن مقتضيات لتجريم الإثراء غير المشروع، ويوثق السجل التشريعي للمجلس سحبه برسالة لرئيس الحكومة مؤرخة في 28 أكتوبر 2021، قبل إعلان توصل المجلس بطلب السحب خلال جلسة 8 نونبر من السنة نفسها.
وكان عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، قد أوضح أنه طلب سحب المشروع لإعادة مناقشته ومراجعة مقتضياته في شموليته، وجاء القرار بعد سنوات من التعثر سبقت توليه الوزارة.
وبررت الحكومة القرار بالحاجة إلى تحيين المشروع وتوسيع الإصلاح الجنائي، ونفى ناطقها الرسمي، مصطفى بايتاس، يوم 11 نونبر 2021، أن تكون الخطوة تراجعا عن تجريم الإثراء غير المشروع، مؤكدا التوجه إلى تضمين هذه المقتضيات في المراجعة المرتقبة، وهو موقف يجعل المقارنة مع التعهد الجديد مرتبطة بالفارق بين إعلان الالتزام ومسار إخراج النصوص.
ولم تتوقف المبادرات البرلمانية عند المشروع المسحوب، إذ يوثق سجل مجلس النواب تقديم المجموعة النيابية للعدالة والتنمية مقترح قانون بشأن منع الإثراء غير المشروع خلال فبراير 2024، ويثبت ذلك استمرار طرح الملف تشريعيا، دون أن يعني إيداع المقترح اعتماده أو دخوله حيز التنفيذ.
ويختلف تضارب المصالح عن الإثراء غير المشروع، إذ يتعلق الأول بتعارض المصلحة الخاصة مع واجبات المسؤولية العامة بما قد يؤثر في حياد القرار، ولا يشترط تحقق مكسب مالي، أما الثاني فيرتبط، في مفهومه العام، بزيادة كبيرة في الثروة لا تبررها المداخيل المشروعة، وفق شروط التجريم وضمانات الإثبات، ورغم اختلاف موضوعيهما، يطرح الملفان اختبار قدرة المؤسسات على تحويل التزامات مكافحة الفساد إلى مقتضيات قابلة للتطبيق.
وسبق للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أن أوصت بمنظومة متكاملة لتأطير تنازع المصالح، تشمل التصريح بالمصالح، والإشعار بحالات التعارض، والامتناع عن اتخاذ القرارات المرتبطة بمصلحة خاصة أو المشاركة فيها، مع تحديد جهة الرقابة وإقرار جزاءات متناسبة، وتوفر هذه التوصيات معيارا لتقييم المبادرة، من حيث قدرتها على منع التعارض ومعالجته، إلى جانب معاقبة المخالفات.
إلا أن إعلان العبادي لا يحدد ما إذا كان الفريق سيقدم مقترح قانون أم سيدفع نحو إعداد مشروع حكومي، ولا يوضح مرحلة الصياغة أو الجدول المستهدف أو مدى اتفاق شركاء الأغلبية على المضمون، كما لم يتضمن التزاما بإعادة طرح تجريم الإثراء غير المشروع، بما يقتضي إبقاء حدود التعهد واضحة عند تقييمه.
ويمنح وجود التقدم والاشتراكية داخل الأغلبية موقعا للدفاع عن هذا التوجه، لكنه يضعه أيضا أمام مسؤولية بيان الخطوات التي سيتخذها لتنفيذه، وسيكون تقديم نص محدد، وتأمين مناقشته وإقراره وتوفير آليات تطبيقه، المعيار العملي لقياس انتقال تخليق الحياة العامة من أولوية معلنة إلى التزام تشريعي قابل للمحاسبة.
المصدر: الصحيفة





