د.حسن أوريد
أكاديمي وسياسي مغربي، وأستاذ للعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط.
في عالم تطبعه الجيوسياسية، والسعي لمصادر القوة، يعد الأمن الغذائي والتحكم في مصادر الغذاء، أو القوة الغذائية (Food Power)، على غرار القوة الناعمة، عنصرا أساسيا من عناصر القوة، وبالتبعية يعد عدم الأمن الغذائي مصدر ضعف ينخر الدول ويتهدد المجتمعات. ويُعرف عدم الأمن الغذائي بظاهرة جديدة تُنعت بإعصار الجوع (Hunger Hurricane)، وهو المصطلح الذي استُعمِل أول مرة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في أدبيات الأمم المتحدة.
تشبَّه الظاهرة بإعصار يضرب بغير تمييز، ويتخذ أشكالا متعددة، من عدم انتظام تساقط الأمطار، وشح المياه على السطح، وانتشار الجفاف، وتقلص الأراضي الصالحة للزراعة، ونشوب الحرائق، وهذه العوامل جميعها تؤثر سلبا في الإنتاج الزراعي.
تختلف الظاهرة عن المجاعة (Famine)، التي قد تضرب بصفة استثنائية جراء سنة جفاف، أو ندرة الحبوب، وسوء السياسة الغذائية، أو لأسباب سياسية كالحروب، أو الحروب الأهلية. وقد تعرضت أرجاء عدة من العالم للمجاعة أثناء الحرب العالمية الثانية، أو في الصين نتيجة الوثبة الكبرى إلى الأمام، أو في إثيوبيا في ثمانينيات القرن الماضي.
ليس إعصار الجوع حالة طارئة، بل بنيوية، وهنا مكمن الخطورة.
ويعزو الخبراء الظاهرة أولا إلى التغيرات المناخية، مع الاحترار، والجفاف، ونقص تدفق الأنهار، وشح المياه الجوفية.
وقد سجلت درجة الحرارة أرقاما قياسية في أوروبا هذا الصيف، وأثر ذلك في تدفق الأنهار، ومنها نهر السين، والراين، والتايمز والدانوب، وإلب (Elbe). وعرفت البحيرات تقلصا ملحوظا في مخزونها ومساحاتها.
هذا عن أقاليم رطبة، أما المناطق التي تُعرف بأنها شبه قاحلة، مثل شمال أفريقيا، فتزداد الخطورة مع شح الأمطار وعدم انتظامها، وغور المياه الجوفية جراء الاستنزاف، وازدياد عدد السكان، وارتفاع حجم الاستهلاك، مع سياسات زراعية مستهلكة للماء، كما في المغرب ومصر، موجهة للتصدير، أو سياسات سياحية مفرطة تستهلك الماء على حساب الاحتياجات الزراعية.
ويُحذر الخبراء من إعصار النينيو، وهي ظاهرة دورية تتميز بارتفاع حرارة المياه على مستوى المحيط الهادئ، وتنجم عنها فيضانات مدمرة في أرجاء، وجفاف في أرجاء أخرى، ونشوب حرائق.
ومن المتوقع أن يبدأ أثر النينيو في أكتوبر/تشرين الأول حتى ديسمبر/كانون الأول، ويستمر أثره حتى الربيع المقبل، مما يذكّر بإعصار سابق للنينيو عامي 1876 و1878، خلّف موجات من الجفاف والمجاعة في الصين والهند.
ومن المحتمل أن يكون الإعصار المقبل أقوى من سابقه وأثره أكبر. وتشير التقارير الأولية إلى بداية آثاره في بيرو، مع ارتفاع الحرارة هناك، وفي الهند، وتأثيره في زراعة القهوة التي تدنى إنتاجها، وفي إندونيسيا وفيتنام. ومن المحتمل أن تكون آثار النينيو أشد وطأة في المواد الأساسية، وهي مرشحة لأن تنخفض.
وتضاعف الحروب وتداعياتها من خطر إعصار الجوع. فقد أثرت الحرب الروسية الأوكرانية في الأمن الغذائي في العالم؛ أولا فيما يخص الإنتاج بسبب الحرب وتعرض المساحات الصالحة للزراعة للقصف، وثانيا في التوزيع بسبب الحصار على الموانئ ومحاصرة السفن المحملة بالحبوب وتعرضها للاعتداء. وكانت روسيا وأوكرانيا تنتجان 30% من الحبوب في العالم.
وإلى ذلك، تفاقم الوضع الغذائي جراء الحرب في الخليج وإغلاق مضيق هرمز، وتأثير ذلك في أسعار المحروقات، وما ترتب على الإغلاق من تقلص نقل الأسمدة والمواد الأساسية للزراعة.
وتتمثل النتائج الأولية لهذه الوضعية في ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتقلص الإنتاج. وقد سبق للاقتصادي ماكسيمو توريرو (Máximo Torero)، من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو”، أن حذر فور اندلاع الحرب في الخليج من صدمة هي الكبرى والأشد إيلاما فيما يخص سيولة البضائع، ومن التداعيات المحتملة في الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي والأسواق العالمية.
وتستحوذ دول، كلها من الخليج -مثل السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة والبحرين- على ثلث الإنتاج العالمي من الأسمدة النيتروجينية، فضلا عن 50% من الكبريت. ويتأثر المغرب بتداعيات عدم تسويق هذه المشتقات الضرورية للزراعة، إذ إن تحويل الفوسفات إلى ما يُسمى “الفوسفات الممتاز” لا يتم إلا بمزجه بحمض الكبريتيك، الذي تضاعفت أسعاره عشر مرات، وهو ما ينعكس سلبا في سوق التصدير المغربية للفوسفات الممتاز، ويحد من قدرة المغرب على الوفاء بالتزاماته بالنظر إلى ارتفاع تكاليف المشتقات الضرورية.
ويرى الاقتصادي توريرو أن إغلاق مضيق هرمز لا يشكل صدمة طاقة فحسب، بل صدمة نظامية (Systemic) -أي شاملة- تهم مجمل النسيج الاقتصادي العالمي.
ومن شأن الحصار على الأسمدة أن يفضي إلى اختلالات جمة فيما يخص الإنتاج والمردودية، وبالأخص الحبوب التي تحتاج إلى الأسمدة؛ مثل القمح في مصر، والأرز في الهند، ويؤدي إلى انخفاض إنتاج الدول الزراعية المصدرة مثل البرازيل، ودول أفريقية جنوب الصحراء مثل الصومال وتنزانيا وموزمبيق وكينيا، التي تعتمد اعتمادا تاما على الأسمدة المستوردة.
وترى منظمة الأغذية والزراعة أن منطقة جنوب آسيا معرضة لمخاطر جمة، مثل باكستان وبنغلاديش. وبالنظر إلى النقص العالمي في الأسمدة، قلصت الصين صادراتها.
وحسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة الصادر في مارس/آذار من هذا العام، فإن مئات الملايين من البشر قد تجد نفسها عرضة لانعدام الأمن الغذائي، أي للمجاعة.
ولكن الصورة لا تكتمل دون احتساب عنصر آخر من شأنه أن يضاعف الصدمة الغذائية (أسوة بالصدمة الطاقية لعام 1973) وانعدام الأمن الغذائي، وهو المضاربة، التي يُنظر إليها بصفتها آفة؛ إذ تهيمن بنى مالية منظمة تحتكر الأسواق الغذائية، ومن مصلحتها تأجيج الأزمة لمضاعفة أرباحها، دون اكتراث بالآثار السلبية في المجتمعات، مثل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وندرتها، بل وتفشي الجوع.
إن ظاهرة إعصار الجوع معقدة؛ لا تقتصر على التغيرات المناخية، والحروب، وارتفاع أسعار المحروقات، ومن ثم تكاليف الشحن والتأمين، بل ترتبط بالمدخلات الزراعية، أي المواد المستعملة (الأسمدة)، والأسواق الزراعية والتوزيع والوساطة.
ومن أعراض إعصار الجوع التضخم والندرة. ولا حاجة لأن يكون المرء خبيرا كي يقف على تداعيات هذه الظاهرة، إذ من شأن الغضب أن يستفحل في العالم وينعكس في شكل توترات اجتماعية ذات مضاعفات سياسية. ويعد إعصار الجوع وتداعياته من أهم العناصر المغذية للهجرة.
وتواجه دول في العالم العربي وضعا غذائيا كارثيا، مثل اليمن والسودان، وإلى حد ما مناطق في سوريا، وهو وضع ناجم عن اهتزازات سياسية، ويزيد إعصار الجوع من استفحال المشكلات السياسية؛ أي إن العلاقة جدلية بين الأوضاع السياسية والجوع، فهذا يغذي ذاك.
يتعين على كثير من الدول الزراعية في العالم العربي، مثل المغرب والجزائر وتونس ومصر والسودان وسوريا والعراق، إعادة النظر في السياسات الغذائية، بما في ذلك الزراعات المستهلكة للماء، وترشيد استخدام المياه، وإعادة النظر في سياسة تأجير الأراضي. وإلى جانب ذلك، تغدو السيادة الزراعية أمرا ملحا، والأمن الغذائي ضرورة قصوى، إذ لا يمكن الاعتماد المطلق على السوق الدولية، أو ما يُسمى بالمزايا التفضيلية.
ويتعين الحد من هيمنة لوبيات التوزيع على المستويين الداخلي والدولي، مع اعتماد سياسة تخزين تحسبا للطوارئ، وإلا فإن الدول ذات الكثافة السكانية مقبلة على اهتزازات اجتماعية غير مسبوقة.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





