في سؤال… لماذا يتمحور كلّ شيء حول فلسطين؟

 

 

 

 

ليلى الشايب
إعلامية تونسية

 

 

امرأة تسير في أحد شوارع ولاية أميركية بعيدة، ليست نيويورك، ولا واشنطن، ولا لوس أنجليس، ترفع لافتة بألوان العلم الفلسطيني، وتُردّد بالإنكليزية، وبصوت أصابته بحّة عابرة “فلسطين حرّة حرّة”، وشابّ في إحدى الساحات الأوروبية الشهيرة يطرح سؤالاً سريعاً على السيّاح العابرين حوله: “هل تريد تذكرة وحجزاً فندقياً مجانيين تقضّي بهما عطلة نهاية الأسبوع في مدينة ساحلية “جميلة” في إسرائيل؟” .
تأتي الإجابات مختلفة في عباراتها، ولكن متشابهة في المعنى: لا وألف لا. مع قسمات وجوه فيها الغضب، وفيها السخرية، وفيها الصّدمة، وأيادٍ ترفع علامة النصر من أجل “فلسطين”. ثم تفيض شوارع مدن أوروبا والأميركيتين وآسيا بطُوفان بشري مُنظّم في الذكرى الثالثة لحرب غزّة، الحرب الأكثر توحّشاً وهمجيّةً في العصر الحديث للتذكير والتحذير، وحتى لا تتعطّل ذاكرة العالم أمام أزماته المُتلاحقة المُتفاقمة، فيغفل عن السؤال الذي بات، رغم كلماته القليلة المُختزلة، بمثابة أطروحة تحمل الإجابة في صيغة التساؤل نفسها، والتي أُطلقت في الغرب أوّلاً: “Why Is Everything About Palestine” و ترجمته “لماذا يتمحور كلّ شيء حول فلسطين”؟
ليس من المبالغة القول إنّ الوعي بعدالة القضية الفلسطينية، منذ النكبة، وبالظلم والمعاناة الشديدين اللذين رافقاها، لم يعرف مثل هذا الزخم والتجلّي، ولم يبلغ مرحلة اكتمال التشكّل كما يحدث في السنوات الثلاث الأخيرة، وكأنّ القطعة الأهمّ في لعبة ليغو أو شطرنج كانت مفقودة ومن دونها بقيت الصورة منقوصة غامضة، ثمّ عُثِر عليها، وإذا بالملامح تجتمع وتكتمل وتكتسب المعنى. إنّ ما استوعبه جُلّ العرب على مدار أكثر من سبعين عاماً، استغرق زمناً وجهداً ومعارك فكرية في حلبات إقليمية ودولية كثيرة، تمّ تدجينها بالكامل تقريباً حتى لا يبقى فيها هامش لطرح مختلف. فالمؤسسات الأكاديمية والحقوقية، كما الإعلام، كما الهيئات التي تُعنى بالثقافة والحضارة والتاريخ، تحوّلت إلى ردهاتٍ لحروبٍ فرعية تشتغل على الوعي والذاكرة، بدت أخيراً وكأنّها خرجت فجأة من مختبر رطب مُعتم إلى ضوء النهار، حيث الشمس في سماء بلا غيوم. وإنّه لأمر عجيب أن تؤدّي الابادة وغبار الدّمار الشديد الذي أُريد به خلق العدم، إلى إزالة الغشاوة عن الأعين وإلى حالة من صفاء الرؤية والإدراك، جعلت السؤال البسيط: لماذا حدث كلّ ذلك بكلّ تلك الوحشية؟ ومن المقصود به من غير الفلسطينيين أيضاً؟ يتخذ صيغته الجديدة الكونية التي تسهل ترجمتها من دون المسّ بمعناها الجوهري الخام: لماذا يتمحور كلّ شيء حول فلسطين؟

تَوّجت إسرائيل حالة الخوف الذي لطالما استثمرت فيه، بوضع قيود على توظيف طيارين من جنسيات عربية بعينها في عدد من شركات الطيران الأوروبية

يجعل هذا السؤال من فلسطين، وقضية شعبها، بوصلة لفهم ارتدادات هذه المظلمة التاريخية والإنسانية والسياسية إلى بقية أنحاء الشرق الأوسط والعالم. إلّا أنّ إسرائيل، ومن تبقّى ممّن يدين لها بالولاء، حاولت تمييع فكرة “البوصلة” لتشوّه السؤال بجعله استنكاريّاً يقول لمن يُوجّه إليه “لماذا تترك كلّ شيء آخر في العالم وتركّز فقط على فلسطين”؟! ومن سوء حظّها أنّ الجواب عن السؤال الماكر هذا سهل، لا يتطلّب عناء البحث والتحرّي، فالشواهد بلا حصر وتتحدّث عن نفسها، ومن سوء حظّها أيضاً أنّ من استثمرت في سباتهم الأبدي عن إدراك الحقيقة يوماً، وهم مواطنو الغرب عموماً، هم مواطنون أحرار، أصواتهم تلقى آذاناً مُصغية لدى سلطات بلدانهم ويشاركون في صياغة القرار، مُعتدّون بذواتهم، وهي صفة تتصادم مع فكرة الاستغباء والابتزاز التي قرّروا وضع حدّ لها، فتجاهلوا السؤال الذي يتعمّد إحراجهم وفضّلوا التعاطي مع السؤال الأوّل الأصلي الذي يجد جزءاً من الإجابة عنه، بلا شكّ، لدى تلك المرأة التي تسير في شارع أميركي بعيد وهي تحمل لافتة بالألوان الفلسطينية وتردّد “فلسطين حرّة حرّة…” وأجزاء أخرى فيما يعيشونه يومياً في بلدانهم النائية وبيئاتهم التي تختلف عن البيئة الفلسطينية والشرق أوسطية اختلافاً كلّياً، ولكنّها وبشكل ما ترتبط بها وبما يُكابده أهلها في عيشهم على حافة أخطار بلا سقف ولا نهاية.

يوجد اليوم في الغرب من يقرع جرس الإنذار من أنّ الغرب يفقد إحدى أهمّ ترساناته القيمية والحضارية التي بفضلها تربّع طويلاً على القمّة

على مدى العقود الخمسة الماضية على الأقل، تفاعلت الأحداث والملفات والأزمات، وكانت تبدو مُستقلة بعضها عن بعض، وكبرت إلى أن وصلت مؤخّراً مرحلة تصادم المصالح بين القوى الكبرى حول الشرق الأوسط تحديداً، من حيث انطلقت الشرارة الأولى، و لم يعدْ مطلب حقّ تقرير المصير للشعب الفلسطيني مجرّد عبارة تُزيّن الخطب السياسية المحلية والدولية، بل أصبح يُنظر، وبواقعية شديدة إلى الصراع الفلسطيني من أجل التحرّر، باعتباره مفتاحاً للاستقرار أو الاشتعال في المنطقة والعالم. لم تعدْ معظم حكومات الغرب، مثلاً، قادرة على تبنّي سياسات واتخاذ قرارات تتجاهل تبعاتها على الفلسطينيين، ومساهمتها في تغذية العنف، فكرةً وفعلاً، وفي المطلق، وأثر ذلك على سلوكات الناس والشباب بشكل خاص، والتي تنحو بشكل مُتزايد نحو العنف، بوصفه شكلاً من أشكال التطبيع معه. ولم يعُدِ الخطاب “السلمي” الحضاري العقلاني الهادئ، وخطاب الحقوق الإنسانية والحرّيات يؤدّي معناه، بل أصبح مُثيراً للسخرية والتهكّم والسخط وأقرب ما يكون إلى تعبير عن حالة فصام أمام أفعال ومُمارسات تُناقضه إلى حدّ الاستفزاز. ويوجد اليوم في الغرب من يقرع جرس الإنذار من أنّ الغرب يفقد إحدى أهمّ ترساناته القيمية والحضارية التي بفضلها تربّع طويلاً على القمّة وتفوّق من دون الحاجة إلى خوض حروب. في الجامعات، ومراكز البحث، كما في الإعلام، طُرِد من طُرِد، ووُضِعَ خطّ أحمر تحت أسماء وجنسيات في قائماتها، وسُحِبت تمويلات وضُرِب سياج على الرأي والنقد لإسرائيل، والمربّع الذي جُرّت إليه فضاءات البحث والنقاش الحرّ من حيث تخرج إلى المجتمع سنوياً أجيال جديدة تتطلّع بحماس إلى المشاركة في حركة مجتمعاتها نحو التطوّر والانتعاش، ولكنّها بدأت تدرك أنّها مُقيّدة وحركتها مشروطة وموجّهة… وينظر المواطن الأوروبي والأميركي إلى مقدرته الشرائية والدعم الذي دأبت حكومات بلاده على تأمينه لشرائح اجتماعية مُتعدّدة، فينتابه شعور بالفزع لتراجع مقدرته والدعم معاً، وفي الأسباب يتصدّر عنوان “الأولوية للصناعة العسكرية” أمام تزايد المخاطر على الأمن القومي الأوروبي والأطلسي… وفي موضع ما في الخلفية، يمثّل طيف الجرائم المُستمرّة ضدّ الفلسطينيين في مناطقهم المُفكّكة والمُهدّدة بالابتلاع. وفي زمن التكنولوجيا الأمنية فائقة التطوّر، يتراجع الشعور بالأمان على المستوى الفردي والجماعي، في القطارات والطائرات وسفن الشحن التجارية في البحار والمضائق، ولا يستغرق البحث في الأسباب كثيراً من الجهد ليتأكّد مُجدّداً ارتباطها بشيء ما انطلق من البقعة الساخنة في الشرق الاوسط وامتدّ أثره في الأجواء والبحار، وتَوّجت إسرائيل حالة الخوف الذي لطالما استثمرت فيه، بوضع قيود على توظيف طيارين من جنسيات عربية بعينها في شركات طيران أوروبية.

تشهد حكومات دول أميركا اللاتينية التي عُرِفت بمواقفها الداعمة لفلسطين تغييرات جذرية منذ اندلاع الحرب في غزّة

وفي وقتٍ تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط حالة حرب تتوالد عنها حروب بين الأشقّاء والجيران، وتكتنفها الضبابية وعدم اليقين، تعجز معه بعض الحكومات عن وضع ميزانياتها وخطط التنمية فيها أمام شبح تغوّل إسرائيلي صريح ومُتسارع، ترك الحذر والمناورة جانباً وكشف عن وجهه السافر المُخيف دفعة واحدة، تشهد حكومات دول أميركا اللاتينية التي عُرِفت بمواقفها الداعمة لفلسطين تغييرات جذرية منذ اندلاع الحرب في غزّة، بدأت باقتلاع رئيس فنزويلا من مخدعه، واستمرّت لتشمل بسلميّة ظاهرية كلّاً من المكسيك والأرجنتين، في حين تشهد انتخابات الرئاسة في البرازيل تحشيداً محموماً بهدف إقصاء الرئيس لولا دا سيلفا، الذي ألقى في الأمم المتحدة أخيراً خطاباً من أشجع ما قيل من على منبرها، أشار فيه بوضوح إلى المصدر الذي يصيب العالم بكلّ هذه العلل. بينما تسبح كوبا في ظلام شبه كامل تحت وطأة انقطاع الكهرباء منذ أشهر تفاقمه القيود والحصار النفطي الأميركي عليها، تقول إسرائيل عن نفسها إنّ أياديها طويلة وأدوات التأديب والانتقام التي بحوزتها لا تنضب… وهي تفعل هذا حقيقة ومن دون مواربة، لقد هدّدت إسبانيا وحكومة بيدرو سانشيز الذي لا يفوّت مناسبة للتعبير عن دعمه للحقّ الفلسطيني وإظهار مشاعره الإنسانية أمام معاناة أطفالها، فيخاطبهم مباشرة، وإذا بحكومته تترنّح بداية أكتوبر/تشرين الأوّل، فيُعلن حلّ البرلمان، ويدعو إلى انتخابات مبكّرة، وإن بدت المطالب الاجتماعية سبباً مباشراً لتعثّره. فرنسا أيضاً لم تسلم من التهديدات والتذكير بماضيها الاستعماري، وليكتمل المشهد العبثي الذي تشكّله حكومة الاحتلال أتى الدور على المملكة المتحدة، التي أوجدت دولة إسرائيل في قلب الشرق الأوسط بوعد بلفور سيئ الذكر ومنحتها شهادة ميلاد، طاولها التحرّش الإسرائيلي، وصولاً إلى تصنيفها دولة “مارقة”، وتقليص التمثيل الدبلوماسي البريطاني ليصبح “بعثة بريطانية” في القدس من سبعة دبلوماسيين فقط وبصلاحيات مقيّدة. وإذا ما انحسرت الأزمة في حدودها الدبلوماسية وليس أكثر من ذلك، فستكون لندن محظوظة، مع شيء من المكر السياسي الإنكليزي المعهود.

أخذت إسرائيل أرض الفلسطينيين، ولكن هذه الأرض تضيق بها اليوم رغم سعيها الدؤوب لسرقة المزيد بوسائل مُبتكرة

لقد أخذت إسرائيل أرض الفلسطينيين ولكن هذه الأرض تضيق بها اليوم رغم سعيها الدؤوب لسرقة المزيد بوسائل مُبتكرة لكنّها مكشوفة، فتذهب نحو وجهات أخرى لتأمين بدائل آمنة لـ”مواطنيها” الهاربين. قبرص واليونان القريبتان أصبحتا غير آمنتين لمواطنيهما الأصليين، فتعالت شكواهم من أسعار العقارات التي ارتفعت فجأة بشكل جنوني ولم تعد في متناولهم، ومن ظهور تجمّعات سكانية جديدة مُغلقة أمامهم، ويستغيثون بحكومتيهما من دون جدوى، فكان خروج اليونانيين عن تحفّظهم النسبي وانتشارهم في شوارع العاصمة أثينا وسالونيك وعدد من الجزر السياحية التي جرى “احتلالها” أمام أعينهم، في مظاهرات ذات شعارات سياسية تطالب بالحرّية لفلسطين ووقف الدعم العسكري لمن بات يحتلّهم هم أيضاً. وغير بعيد، تعيش منطقة المغرب العربي التي عاشت مرارة الاستعمار وآلت على نفسها نصرة المُستضعفين أينما كانوا، تعيش غلياناً مكتوماً حينا، صاخباً أحياناً، يتجلّى خطره الأكبر في انتشار مشاعر الضغينة والنفور بين مواطنيه نتيجة خصومات مُفتعلة على الفضاء الافتراضي الأزرق الذي تحوّل إلى السّواد بسرعة مُخيفة، عبر صفحات مجهولة تسابق الزمن لتعميق الشرخ ورفع الأسوار بين الإخوة والجيران، وطمس السؤال المُتواتر عمّن يحرّكها ويؤجّج نارها ويصفّق غبطة من خلف الستار، عقاباً وتشتيتاً. وقريباً في الشهر المُقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني) تخوض أميركا انتخابات نصفية مصيرية، مجالها الجغرافي منتصف القارة الشمالي، ولكن عناوينها ومفاتيحها: الشرق الأوسط، إسرائيل، غزة، إيران.

لقد فهم اليافعون ما لم يفهمه كثير من الكبار؛ أنّ حرية فلسطين ستُحرّر العالم

اللحظة التي اعتقدت فيها إسرائيل أنها نجحت أو كادت، في الإيقاع بالجميع، وفي خلط الأوراق لمنطقة الشرق الأوسط خصوصاً، ولأطراف دولية ما زالت تمتلك من عوامل القوّة ما يحفظ لها هامشاً من المناورة وقدرة على تشكيل المواقف المستقلّة والتحرّر من الضغوط، وأنّ عقابها الفوري لمن قرّر الوقوف إلى جانب الحقّ الفلسطيني سيُقابل بالخضوع والطاعة، وأنّ الأزمات الاقتصادية ستُخرس الأصوات، وأنّ عملية التدجين مُتعدّدة الوسائط والأساليب التي أُخضع لها جيل ما بعد الألفية الثانية قد آتت أُكلها، وأنّ أتباع الأيديولوجيا سينقرضون قريباً، تلك اللحظة السحرية المُرتجاة تبخّرت وأُعيد ضبط عقارب الساعة بتوقيت حراك المدارس الفرنسية المشهود الذي قدّم، لا لفرنسا فقط، بل للعالم، جيلاً جديداً من قادة الرأي فائقي الوعي وشديدي البلاغة والشجاعة في صياغة مطالبهم ورؤيتهم لبلادهم، وللعالم من حولهم بكوفية وأعلام فلسطينية قالوا إنّهم يطالبون بظروف تعليم أفضل وإنّهم في غمرة الاحتجاج، يتذكّرون ويُذكّرون بأنّ تعليماً جيّداً، هو حقّ لا مُزايدة فيه وإنّ هناك في العالم من حُرموا من هذا الحقّ لأنّ بيئة التعليم في أرضهم قد تمّ تدميرها عمداً بهدف التجهيل والتغييب… هؤلاء الذين صُودرت حقوقهم الأساسية بما فيها حقّهم في الحياة هم الفلسطينيون، وأن التحرّر وحده سيُعيد لهم حقوقهم و”نحن رافعو هذا اللواء”. لقد فهم اليافعون ما لم يفهمه كثير من الكبار؛ أنّ حرية فلسطين ستُحرّر العالم.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا