واسيني الأعرج: نجوت من الاغتيال وشكلتني الأمكنة وصنعتني حكايات جدتي

إيطاليا تلغراف متابعة

 

ففي 4 أغسطس/آب 1954، وُلد واسيني أحمد الأعرج في قرية سيدي بوجنان بولاية تلمسان على الحدود الجزائرية المغربية، لأب قتله الاحتلال الفرنسي تحت التعذيب خلال الثورة الجزائرية، وألقوه في بئر مياه فلم يتمكنوا من معرفة مكانه أبدا.

وعندما فشلت كل جهود أمه في العثور على رفات زوجها وتخصيص قبر له، كتب روايته “القبر المفتوح”. وبعد التحرير، طلب أبناء عمومة الأعرج من أمه إعطاءهم الإذن بقتل “الحرْكي” (المتعاون مع المستعمر الفرنسي) الذي تسبب في مقتل زوجها، وكان اسمه علي، فرفضت.

وحتى اليوم، يحلم واسيني بمحاورة هذا الرجل الذي عاد إلى الجزائر بعد سنوات قضاها في فرنسا، ويقول إنه لا يحمل له أي ضغينة، وإنه يريد فقط أن يعرف منه -قبل أن يموت- تفاصيل ما جرى مع السجناء المناضلين في تلك الفترة.

وفي تلك القرية الصغيرة التي تعجّ بالحكايات الشعبية ومحبة الأولياء، نشأ واسيني المنحدر من سلالة أندلسية، وقالت إحدى الغجريات لأمه بعد ولادته إنه سيعبر البلدان ويموت بالحديد.

العمل بالتهريب

وعمل الأعرج في تهريب الملابس والألعاب عبر الحدود صغيرا، لكن أمه أخبرته بأنه “لم يولد لكي يكون مهربا”، ثم انتقل إلى تلمسان المدينة وهو في الـ11 من عمره، ومنها إلى وهران التي حصل على ليسانس الأدب من جامعتها ثم الماجستير والدكتوراه من جامعة دمشق. ولاحقا، حصل على دكتوراه أخرى من جامعة السوربون في باريس.

ويعزو الأعرج حبه للعربية وللأدب إلى جدته لأمه التي قال إنها صنعته وإنه خرج من عباءتها، وتربى على حكايات أجداده الأندلسيين التي كانت تحكيها له، وإنها هي التي صحبته إلى الشيخ لتعليمه القراءة والكتابة والقرآن، ونصحته بعدم التخلي عن العربية لصالح الفرنسية.

وأثناء دراسته الجامعية في وهران، تعرّف الأعرج على التيارات السياسية المتنوعة، وانتمى إلى حركة التطوع الطلابي التي كانت تشرح للفلاحين القوانين الزراعية الجديدة، وواصل القراءة فتعرف على أعمال تولستوي وغوستاف فلوبير وناظم حكمت.

وبعد الجامعة، سافر إلى دمشق للحصول على الدراسات العليا، فقضى فيها عشر سنوات عاد بعدها للعمل أستاذا بجامعة وهران، حتى بدأت ما تُعرف بـ”العشرية السوداء” التي يقول إن المثقفين تعرضوا فيها لتهديدات شديدة من بعض التيارات الإسلامية التي كانت تريد أن تفرض عليهم ما يجب أن يكتبوه.

نجاة من الموت

وعندما بدأت العشرية السوداء في الجزائر (1992-2002)، تخوفت أمه من وقوع نبوءة الغجرية فذهبت إلى أحد الفقهاء وطلبت منه عمل تميمة نحاسية تقيه من الرصاص، وألزمته بوضعها في رقبته. صحيح أنه لم يكن مقتنعا بالأمر، لكنه يقول إنه التزم بأمر أمه التي كانت مؤمنة بأن الله صرف عنه كثيرا من الرصاص بسبب هذه التميمة.

وخلال هذه العشرية، التي كتب عنها روايته “شرفات بحر الشمال”، وُضع اسم الأعرج وأسماء مثقفين وصحفيين آخرين على قوائم القتل، وقُتل بعضهم بالفعل ومنهم طاهر جاووت، الذي قال إنه كان قادما من بيت صوفي ومفكرا له خلفية إسلامية واسعة، لكنهم أدانوه لأنه كتب أعماله بالفرنسية.

ومع تصاعد المخاطر، سافر الأعرج بأولاده إلى باريس كمدرس زائر في مدرسة الأساتذة لمدة 6 أشهر، وبعدها تلقى دعوة للعمل في جامعة السوربون.

وبالفعل نجا الروائي الجزائري من محاولة اغتيال بالصدفة عندما تخلف عن الذهاب صباحا إلى مقهى ألبير كامو، كما كان يفعل كل صباح، فقُتل شخص آخر في المقهى اسمه واسيني الأحرش بدلا منه. وانتشر الخبر وتبنت الجماعة العملية، ونعتْ جهات الأعرج قبل أن تتضح حقيقة أن شخصا آخر قُتل خطأ.

الحياة في فرنسا

وكانت الشاعرة زينب الأعوج، زوجة واسيني، على قوائم القتل التي يقول إنه لم يكن يستسلم لها أو يستهين بها، وإنه كان حريصا جدا ولجأ إلى التنكر مرارا، مشيرا إلى أنه قرر الرحيل عن بلده بعد اغتيال صديقه الكاتب عبد القادر العالول خلال شهر رمضان.

وهناك في باريس، انطلق الأعرج في كتاباته بسبب ما يعتبره شعورا بالأمن والسكينة وانتظام الحياة، فبلغ إنتاجه 30 رواية بالعربية، حيث راهن على مئات ملايين العرب بدلا من المراهنة على 40 مليون فرنسي.

وعندما وصل الأعرج إلى الولايات المتحدة في أوائل التسعينيات إثر حصوله على منحة كتابة استمرت عاما ونيفا، نظر إلى البنايات العالية متسائلا: هل كان ذلك الطفل الصغير الذي يمشي بلا نعل يحلم بأن يصل إلى هذا العالم؟

وعن علاقته بالفرنسيين، يقول الأعرج إنه لا ينظر إليهم كقتلة لأبيه كما يُعتقد أو يُفترض، لأنه مؤمن بأن الاستعمار الفرنسي هو الذي قتله وليس أحفاد المستعمرين.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا

شاهد أيضا