حين تتحدث الخرائط بصمت: من الدبلوماسيّة العسكريّة إلى رسائل السيادة والجغرافيا السياسيّة

 

 

 

*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

بتعليمات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية؛

وعلى هامش المعرض الدولي للطيران والفضاء؛ معرض مراكش الدولي للطيران 2026؛ حيث أجرى الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، لقاء مع الفريق محمد فال ولد الرايس رئيس أركان القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الموريتانية.

في الصورة يظهر الفريق أول محمد بريظ (على اليمين)، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية المغربية وقائد المنطقة الجنوبية، وهو يسلّم تذكارًا مؤسساتيًا يجسّد خريطة المغرب إلى اللواء محمد فال ولد الرايس (على اليسار)، رئيس أركان القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الموريتانية.

ليست كل الهدايا مجرّد بروتوكول، وليست كل الصور مجرّد توثيق للقاء رسمي؛ فبعض التفاصيل الصغيرة تختزل رهانات استراتيجية كبرى، وتكشف كيف يمكن للرمز أن يتحوّل إلى خطاب سياسي صامت، تتجاوز دلالاته حدود المناسبة وأسماء الحاضرين.

في هذه الصورة، لا تكمن الأهمية في تبادل الهدية بين جنرالين مغربي وموريتاني فحسب، بل في المعنى الجيوسياسي الذي قد تحمله الخريطة، إذا كانت بالفعل تجسّد التصوّر المغربي لوحدته الترابية من طنجة إلى الكويرة.

فالجغرافيا هنا ليست مجرّد خطوط على ورق، بل تعبير عن تصوّر الدولة لامتدادها الترابي، وعن الذاكرة السياسية التي تسعى إلى تثبيتها في الوعي المؤسساتي والإقليمي.

من منظور جيوبوليتيك، تكتسب هذه الإشارة أهميتها من طبيعة الطرفين:

1. المؤسسة العسكريّة، بما تمثّله من حفظ السيادة وضمان الوُجُود واستمراريّة الدولة وحماية المجال الترابي،

2. والعلاقة المغربية الموريتانيّة، بما تنطوي عليه من تداخل جغرافي وأمني واستراتيجي في فضاء الساحل والصحراء والمحيط الأطلسي.

فموريتانيا ليست مجرّد جار جنوبي للمغرب، بل فاعل محوري في معادلات الحدود والأمن الإقليمي والتجارة والربط الأطلسي، وفي التوازنات الحسّاسة المرتبطة بقضية الصحراء.

إن القيمة الرمزيّة للخريطة لا تعني بالضرورة وجود رسالة سياسيّة متفق عليها بين الطرفين، ولا تكفي الصورة وحدها لإثبات موقف موريتاني رسمي من قضية السيادة.

غير أن وضعها في سياق العلاقات بين البلدين يفتح باباً مشروعاً للتأمل في كيفيّة اشتغال الرموز داخل الدبلوماسيّة العسكريّة: ما يُقدَّم باعتباره هدية قد يحمل، إلى جانب قيمته التذكارية، تصوّراً للمجال الوطني ورؤيةً لمكانة الدولة في محيطها الإقليمي.

وهنا تتجلّى دقّة الحساب الجيوسياسي المغربي: فمن جهة؛ تعزيز الثقة مع نواكشوط لا يتحقق بالخطاب وحده، بل عبر المصالح المتبادلة وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

ومن جهة أخرى؛ التنسيق الأمني، واستقرار الحدود في منطقة جنوب الصحراء والساحل في أفريقيا؛ أي النطاق الجغرافي الواقع جنوب الصحراء الكبرى، وتضم دولاً تقع ضمن الشريط البيئي الانتقالي المعروف باسم “الساحل الأفريقي” وهو ليس ساحلاً بحرياً كما قد يخيّل؛ بل حافة شبه قاحلة تفصل الصحراء عن الأدغال الاستوائية، بالإضافة إلى دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بشكل عام.

كما أن نجاح العلاقة يقتضي إدراك حساسيّة المقاربة الموريتانيّة، القائمة على حساباتها الوطنيّة ومصالحها السياديّة وتوازناتها الإقليميّة.

فالخرائط تعبّر عن تصوّرات الدول، لكن العلاقات الاستراتيجية تُبنى على أساس المصالح والمواقف والقرارات، لا على الرموز وحدها.

والسؤال الأعمق الذي تطرحه الصورة ليس فقط: ماذا تمثّل الخريطة التي انتقلت من يد الجنرال المغربي إلى يد الجنرال الموريتاني؟ بل: إلى أي حدّ تستطيع الدبلوماسيّة العسكريّة أن تجعل من الرموز مدخلاً لترسيخ الثقة، وتوسيع التفاهم، وبناء شراكة استراتيجية حقيقيّة مستقرة بين دولتين يجمعهما الهويّة والتاريخ قبل الجوار وتربطهما رهانات أمنيّة واقتصادية تتجاوز حدود اللحظة؟

في الجيوبوليتيك، قد تختصر هديةٌ مساحةً من الجغرافيا، لكنها لا تختصر وحدها معركةَ تثبيت المواقف؛ فالجغرافيا تُرسم على الخرائط، أمّا دلالاتها الاستراتيجية فتتحدّد في ميزان المصالح، وحسابات السيادة، وقرارات الدول.

______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).


شاهد أيضا

شاهد أيضا