البحر الأحمر.. حيث تسقط الإمبراطوريات وتولد الأقطاب

 

 

 

 

تركي القبلان
كاتب ومحلل سياسي سعودي متخصص في الجيوبوليتيك والعلاقات الدولية، ورئيس مركز ديمومة للدراسات والبحوث.

 

 

ظل البحر الأحمر في تاريخ القوة محكمة تعرض عليها دعاوى الإمبراطوريات، ففي مياهه تختبر سطوتها وعلى ضفافه تحسم مصائرها، وعند مضائقه يقتسم ميراثها، والمحكمة اليوم منعقدة من جديد.

فعلى هذا الشريط المائي الضيق تعبر تجارة آسيا إلى أوروبا، وتمر ناقلات الطاقة وتمتد في قاعه كابلات تحمل جزءا كبيرا من بيانات العالم بين الشرق والغرب.

ومن يقرأ تاريخه يدرك كيف تتآكل قوة الإمبراطوريات حين تعجز عن حماية الممرات التي تتدفق عبرها تجارتها وتتصل بها مصالحها الإستراتيجية، وتتكرس القيادة حين تنجح في تأمين هذه المصالح وحماية ما عجز غيرها عن حمايته.

جربت البرتغال حظها أولا، كانت سيدة البحار في مطلع القرن الـ16، لكنها ارتدت عن أبواب جدة عام 1517، فظلت إمبراطوريتها تدور حول الجزيرة العربية دون أن تملك مفتاحها.

ثم جاءت بريطانيا وفهمت اللعبة جيدا: أخذت عدن عند البوابة الجنوبية عام 1839، واشترت حصة مصر في قناة السويس عام 1875 واحتلت مصر عام 1882. أمسكت الممر من طرفيه، فصار البحر الأحمر العمود الفقري لإمبراطورية لا تغرب عنها الشمس.

ومن الممر نفسه بدأ الغروب، ففي خريف 1956 دخلت بريطانيا وفرنسا منطقة القناة ثم خرجتا منها بعد أسابيع. لم تهزم لندن عسكريا؛ هُزمت حين رفضت واشنطن دعم الجنيه الإسترليني، وتزامن ذلك مع تهديد سوفياتي صريح.

بقيت بريطانيا في عدن عقدا آخر حتى 1967، ثم أعلنت عام 1968 انسحابها مما سمّته “شرق السويس” وكأن التاريخ اختار اسم القناة نفسها عنوانا لنهاية الإمبراطورية. وفي اللحظة ذاتها ولد القطب الأمريكي، لا ببيان ولا بحرب بل بقرار فرضته واشنطن على أقرب حلفائها عند ضفاف ممر مائي.

تغير مقياس القوة منذ ذلك الحين؛ ففي النصف الأول من القرن الـ20 كانت تقاس بامتلاك امتيازات النفط، وفي نصفه الثاني بتأمين تدفقه وممرات نقله.

أما اليوم فتقاس بالقدرة على حماية التدفقات أو تعطيلها: طاقة وبضائع وبيانات. والبحر الأحمر محكوم بعنقي زجاجة، السويس شمالا وباب المندب جنوبا، وهو الضلع الغربي لما أُسميه “الاختناق المزدوج” إذ يتصل بضلعه الشرقي في هرمز.

ومنذ اندلاع الحرب على إيران في فبراير/شباط 2026 صار البحر الأحمر صمام النجاة حين يختنق هرمز، وصار باب المندب التهديد الذي يمكن أن يغلق هذا الصمام.

وقد أثبتت سنوات الاضطراب منذ أواخر 2023 أن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح ليس بديلا، بل عقوبة: 10 أيام إلى 14 يوما إضافية في الإبحار وتكاليف شحن وتأمين متضخمة.

لكن التحول الأعمق ليس في الجغرافيا إنما يكمن في معادلة الكلفة، ففي 1956 جاء التحدي من قوتين عظميين. أما اليوم فيأتي من مسيرات وصواريخ رخيصة يطلقها فاعلون دون مستوى الدولة.

وهنا يكمن المأزق: من يريد التعطيل يكفيه أن ينجح مرة واحدة، ومن يريد الحماية عليه أن ينجح في كل مرة، وصاروخ الاعتراض الذي تطلقه مدمرة على بعد آلاف الأميال من موانئها يكلف أضعاف ثمن المسيرة التي يسقطها.

هذه المعادلة ترهق القوة الوافدة مهما عظم أسطولها، وتمنح الأفضلية لمن يملك العمق على الضفة: القواعد الجوية، والموانئ، والرادارات، وخطوط الإمداد البرية، وقبل ذلك كله الإقامة الدائمة. فالقوة الوافدة تستطيع أن تغادر متى ارتفعت الكلفة أما القوة المقيمة فلا تملك ترف المغادرة، وهذا تحديدا مصدر قوتها وشرعيتها.

لهذا تزدحم جيبوتي ومداخل البحر الأحمر الجنوبية بقواعد لا مثيل لاجتماعها في أي بقعة أخرى بهذا الضيق: الولايات المتحدة وفرنسا، واليابان التي أقامت هناك قاعدتها الوحيدة خارج أراضيها، والصين التي افتتحت فيها عام 2017 أول قاعدة عسكرية لها في الخارج، مع سعي روسي معلن إلى موطئ قدم على الساحل السوداني.

كل قوة تؤمن نفسها من غياب الأخرى، وبكين تعرف أن طريق الحرير البحري إلى أوروبا يمر من هنا أو لا يمر. لكن هؤلاء جميعا مستأجرون واستئجار قاعدة لا يعني امتلاك الممر.

وهنا يعود سؤال 1956 بصيغة جديدة، لم يعد يطرح على لندن إنما على واشنطن، ولا يطرحه منافس من وزنها بل خصوم صغار أثبتوا أن تعطيل الممر أرخص كثيرا من تأمينه. والإمبراطوريات لا تستنزف بضربة واحدة بل بتراكم اللحظات التي تعجز فيها عن طمأنة حلفائها حتى يكتشف هؤلاء أن عليهم بناء ضماناتهم بأيديهم.

في البحر الأحمر، تحول الرياض ثقلها الجغرافي إلى قدرة على بناء الشراكات وقيادة الأمن الإقليمي.

ومن ضفة الممر نفسه حيث تمتلك المملكة أطول سواحله، تتبلور قيادة إقليمية تستمد ثقلها من رسوخ الجغرافيا وإرادة المبادرة والقدرة على جمع الشركاء حول مشروع أمني مشترك، فقد بدأت المملكة بالإطار السياسي حين أسست عام 2020 مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، ثم انتقلت إلى الذراع العملياتية في 30 يوليو/تموز 2026 بإعلان التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات: 14 دولة تمتد من باكستان وتركيا إلى مصر وجيبوتي والصومال، وقيادة مشتركة ومركز عمليات بحرية على الأرض السعودية، ومهمة واضحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

واللافت في تركيبة التحالف أنه يخلو من أي قوة عظمى؛ إنه أمن إقليمي يديره أصحاب الإقليم بدل أن يستوردوه، وبهذا انقلبت معادلة حكمت الممر عقودا طويلة: الدولة المشاطئة لم تعد تنتظر أساطيل الآخرين لتأمين ممرها بل صارت هي من يجمع الآخرين حول قيادتها لتأمينه.

أما الشاهد الأبلغ فيمتد تحت الرمال، خط أنابيب شرق-غرب، الذي بنته المملكة مطلع الثمانينيات في ذروة حرب الناقلات، يقطع نحو 1200 كيلومتر من حقول المنطقة الشرقية إلى ينبع.

كان رهانا مبكرا على أن هرمز قد يغلق يوما وقد جاء ذلك اليوم، فحين اختنق المضيق في 2026، رفعت المملكة طاقة الخط إلى 7 ملايين برميل يوميا في مارس/آذار، وغدت ينبع تصدر نحو 5 ملايين برميل يوميا من الخام.

هكذا تحولت الجغرافيا إلى سياسة: نقطة ضعف كانت تحسب على الخليج صارت خيارا سعوديا، وهذا جوهر ما نسميه “مركزية الخيارات “.

ولم يكن مستغربا أن تستهدف محطات ضخ الخط بالمسيرات؛ فخصوم المملكة يدركون أن هذا الشريان يمثل أحد أهم مرتكزات قوتها الإستراتيجية. لكن الخط عاد إلى العمل بعد 11 يوما من محاولة تعطيله، وتلك رسالة أبلغ من أي بيان.

وهنا تكتمل الصورة: الشريان الذي يلتف على هرمز يصب في البحر الأحمر، ومعنى ذلك أن أمن ينبع وباب المندب لم يعد شأنا سعوديا، بل شرطا لاستمرار تدفق النفط إلى العالم كلما اختنق الخليج.

ومن هذه الزاوية وحدها يفهم التحالف البحري الدفاعي: ليس ترفا عسكريا بل حراسة لصمام يتنفس منه الاقتصاد العالمي.

ارتدت عند هذا البحر إمبراطورية البرتغال، وسقطت عنده إرادة لندن، وولدت عنده واشنطن، وتمتحن عنده اليوم قدرتها على صون نفوذها وتثبيت حضورها الإستراتيجي.

أما المملكة، فتنهض بدورها القيادي من ضفة البحر نفسه، حيث يلتقي ثقل الجغرافيا بإرادة المبادرة؛ ومن لم يمسك بإيقاع البحر الأحمر فلن يمسك بإيقاع العالم.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا