عرشان يتحدى من وصفوه بـ”الجلاد”.. هل يُفتح ملف ضحايا سنوت الرصاص مجددا في عهد رئيسة حكومةٍ استند تأسيس حزبها على توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة؟
اختار محمود عرشان، مؤسس الحركة الديمقراطية الاجتماعية، جلسة مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس المستشارين، اليوم الأربعاء، للرد على الاتهامات الحقوقية المرتبطة بماضيه الأمني، معلنا استعداده لمواجهة منتقديه تلفزيونيا، لتنقل مداخلته الجدل الذي أثاره حضوره المشاورات الحكومية إلى داخل البرلمان، معيدة أسئلة ذاكرة سنوات الرصاص إلى الواجهة في مستهل حكومة تقودها فاطمة الزهراء المنصوري.
وقال عرشان إنه مستعد للمواجهة على شاشة التلفزيون ومناقشة من يوجهون إليه الاتهامات، مؤكدا أنه يريد “ألا تُلوث الذاكرة الوطنية”، كما استخدم وصف “الطابور الخامس” في سياق حديثه عن الجهات التي تثير هذا الملف، رابطا رده بالانتقادات التي رافقت مشاركته في مشاورات تشكيل الحكومة.
وتعود خلفية السجال إلى استقبال المنصوري، في فاتح أكتوبر، وفد الحركة الديمقراطية الاجتماعية، بحضور محمود عرشان إلى جانب ابنه عبد الصمد، الأمين العام للحزب، ما أثار اعتراض المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، الذي اعتبر، في بيان صادر في 4 أكتوبر، أن الاستقبال يشكل “استفزازا وخدشا لذاكرة ضحايا ماضي الانتهاكات الجسيمة”، ومسا بمشاعرهم ومشاعر ذويهم وإساءة لمسار المصالحة.
ويُعد عرشان مسؤول أمني سابق انتقل إلى العمل الحزبي والبرلماني، وظل ماضيه في الشرطة موضوع اتهامات يرفضها، وفي موقف منفصل عن بيان المنتدى، استحضرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان اتهامات بالتعذيب وسوء المعاملة والاعتقال التعسفي قالت إن ضحايا ينسبونها إليه، وطالبت بالتحقيق فيها، وتظل هذه الاتهامات منسوبة إلى أصحابها، ولا يشكل عرضها أو نفيها حكما قضائيا في الوقائع المعنية.
واستعاد متداولون، في سياق الجدل، صورة قدموها باعتبارها توثق رفض الكاتب والمعتقل السياسي السابق صلاح الوديع مصافحة عرشان، إلى جانب مقتطف من رسالة منسوبة إليه بعنوان “تلك اليد التي أرفض مصافحتها”، ويستحضر النص المعاد نشره ما تعرض له والده، محمد الوديع الأسفي، في درب مولاي الشريف، ويتوجه إلى عرشان باتهامات مباشرة، إلا أن إعادة التداول لا تكفي وحدها لتثبيت تاريخ الصورة ومناسبتها أو توثيق أصل الرسالة.
ويكتسي حضور الوديع في هذا السجال دلالة تتجاوز الواقعة المتداولة، فهو عضو سابق بهيئة الإنصاف والمصالحة، ومن الوجوه المؤسسة لحركة لكل الديمقراطيين وحزب الأصالة والمعاصرة، وقد تناول في حوارات متداولة تجربته في الاعتقال ومشاركته في مسار المصالحة، بما يجعل استحضار موقفه مرتبطا أيضا بمرجعية الحزب الذي يقود الحكومة.
أما درب مولاي الشريف، فيحضر ضمن التوثيق المؤسسي لماضي الانتهاكات، إذ أدرجه المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ضمن مراكز الاعتقال السابقة المشمولة باتفاقية لإعادة التأهيل والتحويل إلى فضاءات للذاكرة، ويثبت هذا الإدراج مكانة الموقع في برامج حفظ الذاكرة وجبر الضرر، دون أن يشكل، بمفرده، تحديدا للمسؤولية الشخصية عن انتهاكات بعينها أو إثباتا لإنجاز جميع أعمال التأهيل المقترحة.
وكانت هيئة الإنصاف والمصالحة قد اضطلعت، بصفتها هيئة غير قضائية، بالكشف عن حقيقة الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بين سنتي 1956 و1999، وجبر أضرار الضحايا وبلورة توصيات لإصلاحات تضمن عدم التكرار، كما سبق للوديع أن أوضح أن الهيئة لم تصدر عفوا ولم توص به، ولم تمنع المتضررين من اللجوء إلى القضاء، وهو ما يميز اختصاصها التصالحي والتوثيقي عن الفصل القضائي في المسؤوليات الفردية.
ولا تمثل لغة التحدي في رد عرشان موقفا جديدا، ففي رسالة نشرتها صحيفة “لوموند” الفرنسية يوم 24 أكتوبر 2002، تحدى من يتهمونه بالتعذيب تقديم ما يسند اتهاماتهم، ونسب ترويجها إلى خصوم سياسيين، مضيفا أنه طلب، في أبريل 2000 وبدعم من 61 نائبا، إنشاء لجنة تحقيق بشأن أحداث من تاريخ المغرب الحديث، إلا أن طلبه لم يتلق جوابا إلى تاريخ نشر الرسالة.
ويضع تجدد السجال حزب الأصالة والمعاصرة أمام مرجعيته المعلنة، ففي رسالة رسمية بمناسبة عشرية تأسيسه سنة 2018، وصف الحزب نفسه بأنه وليد سياقات تجربة العدالة الانتقالية وخلاصات هيئة الإنصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية، وربط مشروعه بآفاق مصالحات لم تكتمل بعد.
ومن هذا المنطلق، تطرح الاعتراضات الحقوقية على استقبال عرشان سؤال كيفية ترجمة هذه المرجعية في الممارسة السياسية والتعامل مع ذاكرة الضحايا، دون افتراض أن اللقاء يعني تبني المنصوري روايته بشأن الاتهامات الموجهة إليه.
المصدر: الصحيفة





