“المصدر المقرب” بديلا عن التواصل المؤسساتي.. رئيسة الحكومة ووزراؤها يختارون “التوضيح من وراء الستار” بدل تحمل المسؤولية أمام الرأي العام

إيطاليا تلغراف متابعة

بدا واضحا خلال الأيام الأخيرة انتشار عبارة “مصدر مقرب” في التوضيحات المرتبطة بعدد من أعضاء الحكومة الجديدة، في مشهد يثير أكثر من علامة استفهام بشأن طبيعة التواصل السياسي المعتمد، وحدود استعداد المسؤولين لتحمل مسؤولية مواقفهم أمام الرأي العام.

إذ بينما يفترض أن تشكل البلاغات الرسمية والتصريحات المباشرة القناة الطبيعية لشرح المواقف وتفنيد المعطيات غير الدقيقة، اختار وزراء ورئيسة الحكومة اللجوء إلى مصادر مجهولة الهوية لتقديم رواياتهم بشأن ملفات مثيرة للجدل، دون أن تحمل هذه التوضيحات توقيعا رسميا أو تصدر عن المؤسسات المعنية بصورة واضحة. 

فخلال الأيام الأخيرة، برزت هذه الممارسة في ثلاثة ملفات على الأقل، ارتبط أولها بالوزيرة المنتدبة المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، فاطمة السعدي، وثانيها بالوزير المنتدب المكلف بالصيد البحري، أحمد المهدي المزواري، وثالثها برئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري.

ورغم اختلاف طبيعة القضايا التي استدعت هذه التوضيحات، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في اعتماد “مصادر مقربة” من المعنيين لتقديم رواياتهم بشأن وقائع واتهامات متداولة، عوض التواصل المباشر عبر مؤسساتهم أو الإدلاء بتصريحات واضحة ومحددة المسؤولية.

ولا يتعلق الإشكال هنا بمجرد استخدام الصحافة لمصادر غير مسماة، وهي ممارسة لها مبرراتها في حالات محددة، وإنما بمدى تحول هذه الصيغة إلى خيار مفضل لدى مسؤولين يفترض أن يكونوا في مقدمة المدافعين عن حق المواطنين في الحصول على المعلومة، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات تمس الثقة في المؤسسات أو تثير تساؤلات بشأن تدبير الشأن العام.

وفي حالة فاطمة السعدي، نقلت الصحافة الوطنية ومن ضمنها جريدة “الصحيفة” عن “مصدر مقرب” منها أن القضية المرتبطة بفترة رئاستها للمجلس الجماعي للحسيمة انتهت بحكم نهائي يقضي ببراءتها، نافيا أن تكون المعطيات المتداولة بشأن إدانتها تعكس المآل النهائي للملف، حيث أوضح المصدر أن القضية ارتبطت بإجراءات قالت إنها اتخذتها لتحرير الملك العمومي وتطبيق القانون، معتبرا أن العودة إلى مراحل سابقة من المسار القضائي، دون الإشارة إلى نهايته، من شأنها تقديم صورة غير مكتملة عن القضية.

لكن السؤال الذي يظل مطروحا هو لماذا لا تقدم مثل هذه التوضيحات، عندما تكون مدعومة بوثائق قضائية، في صيغة مؤسساتية واضحة تتيح للرأي العام الاطلاع على المعطيات الأساسية، وتضع حدا للجدل على أساس وثائق قابلة للتحقق، بدل الاكتفاء بنقل موقف مصدر مجهول الهوية.

أما في حالة أحمد المهدي المزواري، فتبدو المسألة أكثر تعقيدا، بالنظر إلى طبيعة الوثيقة التي أعادت الملف إلى الواجهة، والمتمثلة في تقرير للمجلس الأعلى للحسابات حول تدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي لسنة 2022.

فالتقرير، الذي تناول استفادة مكتب للدراسات من أموال عمومية توصل بها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، سجل مجموعة من الملاحظات المتعلقة بالتعاقد على إنجاز 23 دراسة، من بينها غياب اتفاقيات خاصة تحدد شروط إنجاز كل دراسة وكلفتها على حدة، وعدم تقديم دراستين ضمن الوثائق المدلى بها، فضلا عن ملاحظات بشأن المنهجية العلمية ومحتوى الوثائق المقدمة لتبرير النفقات.

وفي مواجهة ما كشفته “الصحيفة” بشأن هذا الملف، فضل الوزير المعني الخروج بتوضيح عبر “مصدر مقرب” حيث اعتبر أن المعطيات المتداولة لا تعكس حقيقة الوقائع والإجراءات المرتبطة به، واصفا ما نشر بأنه شائعات ومحاولات لتحريف الوقائع والمساس بسمعة الوزير والعمل السياسي.

بيد أن هذا التوضيح، بصيغته المنشورة، لا يتضمن ردا تفصيليا على الملاحظات المحددة الواردة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات، ولا يوضح أي جزء منها يعتبره المصدر غير دقيق، أو ما إذا كانت هناك وثائق أو معطيات جديدة من شأنها تصحيح ما ورد في التقرير.

اللافت أن رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، عمدت بدورها ، إلى اللجوء لـ”بدعة” المصدر المقرب،  نفيا لاتهامات تتعلق بوجود تضارب للمصالح بين مكتب للمحاماة كانت شريكة فيه ومؤسسة عمومية كانت تقع تحت وصايتها خلال توليها حقيبة السكنى والتعمير، حيث أكد المصدر أنها غادرت مكتب المحاماة وتوقفت عن ممارسة المهنة بمجرد تعيينها وزيرة في أكتوبر 2021، معتبرا أن الاتهامات المتداولة لا أساس لها من الصحة.

ومرة أخرى، لا يتعلق الأمر برفض حق رئيسة الحكومة في الرد أو توضيح موقفها، بل بالسؤال عن الصيغة التي اختيرت لإيصال هذا الرد، ومدى كفايتها في ملف يرتبط بتضارب المصالح وأخلاقيات تدبير الشأن العام، فحين يكون المعني بالأمر مسؤولا على رأس الجهاز التنفيذي، تصبح الحاجة إلى التواصل المؤسساتي أكثر إلحاحا، ليس لأن المسؤول ملزم بتقديم أجوبة عن كل ما يثار بشأنه خارج القانون، وإنما لأن موقعه يفرض أن تكون المواقف المتعلقة بالقضايا ذات المصلحة العامة واضحة ومحددة المصدر وقابلة للتحقق.

وتتجاوز هذه الحالات الثلاث مسألة الصياغة الصحفية لتعيد طرح سؤال أوسع بشأن دور الناطق الرسمي باسم الحكومة ومديريات التواصل داخل القطاعات الوزارية، فإذا كانت هناك مؤسسة مكلفة بتقديم المواقف الرسمية للحكومة وشرح قراراتها وتوضيح ما يثار بشأن أعضائها، فما موقعها عندما تصبح المصادر المقربة والمجهولة هي القناة الأكثر حضورا في الملفات المثيرة للجدل.

وتتضح المفارقة بشكل أكبر عند استحضار ملف إعفاء الوزيرة الكنتدبة المكلفة بالتكوين المهني مديحة خيير، الذي أظهر أهمية التواصل المؤسساتي الواضح في تنوير الرأي العام ووضع الوقائع في سياقها الصحيح، حيث بادر الديوان الملكي إلى إصدار بلاغ تضمن معطى محددا بشأن توصل المؤسسة بطلب من رئاسة الحكومة في هذا الشأن، مقدما بذلك توضيحا ساهم في كشف جانب أساسي من مسار القرار، ووضع الرأي العام أمام معلومة دقيقة صادرة عن جهة رسمية.

 ولولا هذا البلاغ، لظل الرأي العام أمام تساؤلات مفتوحة بشأن خلفيات الإعفاء والجهة التي بادرت إلى اتخاذ الإجراءات المرتبطة به، في ظل غياب توضيح حكومي مبكر يشرح ما جرى ويحدد المسؤوليات المؤسساتية بوضوح، وهنا تبرز قيمة التواصل الذي يستند إلى معطيات دقيقة وصادرة عن المؤسسة المعنية، بما يحد من التأويلات ويتيح للمواطنين فهم الوقائع بعيدا عن التخمينات، مقابل ما يطرحه تأخر التوضيحات الحكومية من أسئلة بشأن نجاعة قنوات التواصل الرسمية ومدى استعدادها للقيام بدورها في الوقت المناسب بدل تكريس “بدعة” اسمها “المصدر المقرب”.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا

شاهد أيضا