ثغرتان خطيرتان تهددان أمن مواقع الإنترنت حول العالم.. ما الذي حصل؟

إيطاليا تلغراف متابعة

تتسارع مؤسسات حكومية وشركات حول العالم إلى تحديث أنظمتها أو تعطيل بعض مواقعها أو خدماتها مؤقتا، عقب الكشف عن ثغرتين أمنيتين خطيرتين في لغة البرمجة “بي إتش بي” (PHP)، المستخدمة في تشغيل نسبة كبيرة من مواقع الإنترنت وتطبيقاته.

وأصدرت الجهات المطورة للغة تحديثات أمنية عاجلة أمس الأربعاء 21 أكتوبر/تشرين الأول، بعد اكتشاف ثغرتين قد تتيحان للمهاجمين تنفيذ أوامر برمجية على خوادم الويب عن بعد دون الحاجة إلى بيانات تسجيل الدخول، وهو ما أثار تحذيرات من مخاطر استهداف الأنظمة التي لم تُحدّث بعد.

وقالت وكالة رويترز إن مواقع وخدمات حكومية ومؤسسات أخرى في عدة دول أوروبية أُخرجت مؤقتا من الإنترنت في إطار إجراءات احترازية لحماية أنظمتها. ودعت جهات متخصصة في الأمن السيبراني المؤسسات المتأثرة إلى تثبيت التحديثات فورا أو عزل الأنظمة المعرضة للخطر إلى حين تأمينها.

ثغرتان تهددان أمن الخوادم

وتحمل الثغرتان المعرِّفَيْن الأمنيَّيْن “سي في إي-2026-109618″ (CVE-2026-109618) و”سي في إي-2026-109619” (CVE-2026-109619)، وقد صُنفتا ضمن الثغرات الحرجة بدرجة خطورة بلغت 9.2 من 10 وفق نظام تقييم الثغرات “سي في إس إس” (CVSS).

وتتعلق الثغرة الأولى بخلل في معالجة حالات نفاد الذاكرة، يمكن أن يؤدي إلى إفساد بيانات الذاكرة الداخلية أثناء معالجة الطلبات. أما الثانية فترتبط ببقاء حالة داخلية مرتبطة بطلب سابق بعد تحرير الذاكرة التي كانت تحتفظ بها، مما قد يسمح باستخدام بيانات قديمة في طلب لاحق.

ووفق التحذيرات الأمنية، فإنه يمكن استغلال هذه الأخطاء في ظروف معينة لتنفيذ أوامر برمجية على الخادم من دون مصادقة مسبقة، الأمر الذي قد يتيح للمهاجم الوصول إلى موارد النظام أو التلاعب بالتطبيقات والبيانات التي يديرها، بحسب طبيعة الصلاحيات والبيئة المتأثرة.

ولا يعني وجود الثغرتين أن جميع المواقع التي تستخدم “بي إتش بي” تعرضت للاختراق، لكنه يضع الأنظمة التي لم تطبق الإصلاحات في دائرة الخطر، ولا سيما تلك المتاحة مباشرة عبر الإنترنت.

تحديثات عاجلة وتحذيرات من الاستغلال

أعلن مشروع “بي إتش بي” إتاحة إصدارات مصححة تشمل “بي إتش بي 8.5.12″ (PHP 8.5.12) و”8.4.27″ و”8.3.36” و”8.2.35″، داعيا المستخدمين إلى التحديث الفوري. وقال المشروع إن الإصلاحات تعالج الثغرتين اللتين قد تسمحان بتنفيذ أوامر عن بعد دون مصادقة مسبقة.

وحذرت وكالة الأمن السيبراني التابعة للاتحاد الأوروبي (CERT-EU) من أن التفاصيل التقنية للثغرتين بدأت تظهر علنا، وأن نماذج أولية لإثبات إمكانية استغلالهما بدأ تداولها، مما يزيد احتمالات استهداف الأنظمة التي لم تُحدَّث.

وأوصت الوكالة المؤسسات بتثبيت الإصلاحات على الأنظمة المتأثرة فورا، وعزل التطبيقات المتصلة بالإنترنت مؤقتا إذا تعذر تحديثها والتحقق من تأمينها.

وتكمن حساسية الموقف في أن نشر التفاصيل التقنية وإتاحة التصحيحات قد يساعدان مسؤولي الأنظمة على حماية بنيتهم الرقمية، لكنهما قد يتيحان أيضا للمهاجمين فهم الخلل وتطوير وسائل لاستهداف الأنظمة التي لم تُحدَّث بعد.

وفي المقابل، لا ينبغي الخلط بين إثبات إمكانية استغلال الثغرة ورصد هجمات فعلية. فقد أفاد المركز الكندي للأمن السيبراني -في تحذيره الصادر يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول الجاري- بتوافر معلومات مفتوحة المصدر عن نموذج لإثبات إمكانية الاستغلال، لكنه لم يكن قد رصد استغلالا نشطا وقت نشر التحذير. وأكد المركز أن الوضع قد يتغير سريعا.

وتوصي الجهات الأمنية المؤسسات بمراقبة سجلات الخوادم والتطبيقات، والتحقق من وجود مؤشرات على نشاط غير معتاد، وعدم الاكتفاء بتثبيت التصحيح إذا كانت الأنظمة قد ظلت معرضة للخطر قبل تحديثها.

ما علاقة الذكاء الاصطناعي باكتشاف الثغرات؟

برز الذكاء الاصطناعي في هذه القضية بوصفه أداة ساعدت الباحثين على اكتشاف أخطاء أمنية ظلت مخفية في الشيفرة البرمجية سنوات طويلة.

وقالت “أوبن إيه آي” إن شركة “كاليف” (Calif) اكتشفت إحدى الثغرات باستخدام نموذج “جي بي تي-5.6 سول” (GPT-5.6 Sol)، ضمن مبادرة التعاون على اكتشاف الثغرات الخطيرة ومعالجتها قبل الإفصاح عنها. كما أعلنت شركة الأمن السيبراني التابعة لغوغل أنها اكتشفت الثغرات بصفة مستقلة، مستعينة بأداة بحث أمنية خاصة بها ونماذج ذكاء اصطناعي من بينها “جيميناي 4 أرغون” (Gemini 4 Argon) و”جي بي تي 5.6 – سول”.

وفي تحليلها التقني المنشور في 21 أكتوبر/تشرين الأول، قالت الشركة إن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة ساعدت في خفض مستوى التعقيد اللازم لبناء وسائل استغلال عملية للثغرات. وأوضحت أن هذه الأخطاء ظلت مخفية في شيفرة “بي إتش بي” سنوات طويلة، وأن إثبات إمكانية استغلالها تطلب ربط عدة أخطاء واختبار سيناريوهات تقنية متتابعة.

وتوضح هذه الواقعة كيف يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي المساعدة في تحليل قواعد برمجية واسعة ومعقدة، واكتشاف أنماط من الأخطاء يصعب على الباحثين رصدها يدويا، ثم دعم تطوير الإصلاحات والتحقق منها.

ثغرة تعود بوادرها إلى عام 2024

ومن أبرز التفاصيل التي كشفتها القضية أن بوادر إحدى الثغرتين رُصدت خلال عام 2024، وفق ما أوردته رويترز نقلا عن مؤسسة “بي إتش بي”.

وقالت المؤسسة إن المشكلة كانت مطروحة نظريا، لكن الباحثين لم يتمكنوا آنذاك من تحديد مسارات استغلال عملية واضحة، في حين حظيت مشكلات أخرى ذات آثار مؤكدة بأولوية أكبر. ووصفت المؤسسة التأخر في معالجة الخلل بأنه إخفاق هيكلي.

وتكشف هذه الواقعة عن فارق مهم في الأمن السيبراني بين اكتشاف خلل برمجي وتحديد كيفية استغلاله. فقد يكون الخطأ معروفا، لكن تحويله إلى وسيلة هجوم قابلة للتنفيذ يتطلب فهما دقيقا لآلية عمل البرنامج والظروف التي تسمح بالتلاعب به.

كما تثير القضية تساؤلات بشأن قدرة فرق تطوير البرمجيات على مراجعة الأخطاء القديمة وإعادة تقييمها، خصوصا عندما تتطور الأدوات المتاحة للباحثين وتتغير معها القدرة على اكتشاف مسارات استغلال لم تكن واضحة سابقا.

لماذا قد تتأثر مواقع كثيرة؟

تُستخدم “بي إتش بي” في بناء مواقع وتطبيقات ويب، كما تعتمد عليها أنظمة إدارة محتوى واسعة الانتشار، بينها “وورد بريس” (WordPress) و”دروبال” (Drupal) و”جوملا” (Joomla) و”ماجنتو” (Magento).

ووفق تقديرات نقلتها رويترز عن منصة “دبليو 3 تكس” (W3Techs) المتخصصة في تقنيات الويب، فإن “بي إتش بي” تعمل على نحو 75% من المواقع التي أمكن تحديد لغة البرمجة المستخدمة فيها. ويعني انتشارها أن الخلل في مكون أساسي منها قد يمتد أثره إلى مؤسسات ومواقع متعددة، بدلا من اقتصاره على تطبيق واحد.

وذكرت رويترز أن الإجراءات الاحترازية شملت مواقع وخدمات حكومية في دول أوروبية، كما أعلنت جهات مشغلة تعطيل بعض الأنظمة مؤقتا إلى حين تطبيق الإصلاحات. وأشارت التقارير كذلك إلى اتخاذ إجراءات وقائية في بعض الأنظمة التابعة لمؤسسة “ويكيميديا” ومؤسسة “إنترنت أرشيف” (Internet Archive).

ويظل حجم الأثر الفعلي مرتبطا بالإصدارات المستخدمة، وطريقة تشغيل “بي إتش بي”، وسرعة تثبيت التحديثات، والإجراءات الأمنية الأخرى التي تعتمدها الجهات المشغلة.

ما المطلوب من المؤسسات؟

تتمثل الأولوية في حصر الخوادم والتطبيقات التي تستخدم “بي إتش بي”، وتحديد الإصدارات المتأثرة، ثم تثبيت التحديثات المناسبة والتحقق من نجاحها. كما تنبغي مراقبة الأنظمة بحثا عن مؤشرات نشاط غير معتاد، وفحص احتمال وجود آثار لاستغلال سابق، لا الاكتفاء بتثبيت التصحيح.

وتوصي الجهات الأمنية بعزل الأنظمة المعرضة للخطر عن الإنترنت إذا تعذر تأمينها فورا، إلى حين تطبيق الإصلاحات والتحقق منها. كما ينبغي لمستخدمي خدمات الاستضافة والمنصات المدارة التأكد من أن مزودي الخدمة عالجوا الخلل في البنية التحتية التي يديرونها.

وتكشف الحادثة عن تحدٍّ متزايد في أمن الإنترنت، فكلما تحسنت أدوات الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الثغرات، ازدادت أهمية سرعة التنسيق بين الباحثين والمطورين ومشغلي الأنظمة. ولا تتوقف الحماية عند اكتشاف الخلل وإصدار التصحيح، بل تعتمد أيضا على وصول التحديث إلى الأنظمة الفعلية قبل أن يستغل المهاجمون نافذة التأخر في تطبيقه.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا

شاهد أيضا