أساتذة الثانوي التأهيلي .. التطلعات والانتظارات

 

 

 

بقلم: عزيز لعويسي

 

في ظل ما تعيشه الساحة التعليمية من دينامية احتجاجية، ارتفــــــع منسوبها في الآونــة الأخيرة، في سياق استكمــال الحكومة الجديدة للإجراءات الدستورية المتعلقة بتشكيلها، وفي لحظــة تعليمية مفصلية، يحــاول من خلالها الوزير الجديد على قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، إلقـاء نظرة على طنجــرة الاحتقان التعليمي التي شرعت صافرتها في الـــدوران مبكـرا، ووضــع اليد على الملفات العالقة والقضايا التي تقتضي الاستعجال، والوقــوف عند حجم الانتظــــارات والتطلعات، وأمام اتســاع دائرة رفع “المطالب الفئوية”، التي تضيــع معها الحقوق والمطالب الموحدة والجامعة العابرة لحدود الأسـلاك، من قبيل التقليص من ســـاعات العمل الأسبوعية الخاصة بهيئة التدريس، والنهوض بالأوضاع المادية والاجتماعية والنفسية، والارتقــاء ببيئات العمل، وإعادة النظر في المناهج والبرامــج، وتخصيص يوم السبت كيوم عطلة …، واستقــراء لخارطة طريــق الاحتجاجات والمطالب، يتضــح جليا، أن فئــة أساتذة الثانوي التأهيلي يكاد لا يسمــع لها صوت، وسط زحمـة التعبيرات الاحتجاجية الجارية هنا وهناك، مقارنة مع أصوات فئــات أخرى، ترافــع بقوة وإلحـاح، عن مطالبها وحقوقها، التي لا يمكن أن تكـــون إلا مشروعة وذات أولوية.

فئة أساتذة الثانوي التأهيلي، أبلت البــلاء الحسن خلال الحراك التعليمي السابق، ورفعت عدة مطالب، دافعة في اتجاه “تحصين الهوية”، ورد الاعتبار المادي والتحفيزي، مراعـــاة لخصوصيات السلك الثانوي التأهيلي، كمدخل للتعليم العالي، واعتبارا لحجم المهام وثقل الأعبــاء، ذات الصلة باستحقاقات البكالوريا في بعديها الجهـــوي والوطني…، لكنها لم تجــن من ثمــار “النظام الأساسي الجديد” ومن “مخرجات الحوار الاجتماعي القطاعي”، ســــــــوى تعويض تكميلي كـــان دون التطلعات والانتظارات، مقارنــة مع ما ظفـرت به فئـــات أخرى كما هو الحال بالنسبة للمتصرفين التربويين وهيئـة التفتيش التربوي، الذين يستحقون كل الاعتبار والتقدير والتثمين، وبــــدون شك، فخروج أساتذة الثانوي التأهيلي بخفي حنيــن في معركة الحراك التعليمي وما أعقبها من نظام أساسي وحــــوار اجتماعي، مرده اتساع قاعدة فئة الابتدائي والإعدادي وتعدد مطالبها وتعقيدات بعض ملفاتها، مما حجب صوتهم، وكبـــح جماح ما رفعــوه من مطالب وحقوق، إضافــة إلى الدور غير الإيجابي للنقابات التعليمية، التي لم تتعامل مع مطالب هذه الفئـــــــة، بما يلـــزم من المسؤولية والجاهزية والالتزام، فضــلا عن “التشرذم النضالي” الناتج عن تضارب المرجعيات والاتجاهات، وغياب ما كانت تقتضيه اللحظة الحراكية، من وحدة وتعبئـة ومسؤولية وحرص على الهوية، ومن خيط احتجاجي ضابط، ورؤيــة مطلبية جامعــة.

المطلوب اليوم، ليس البكاء على أطلال حراك مضى وراح، ولا القيام بمراجعة نقدية للذات، في ضــــوء ما تخلل هذا الحراك غير المسبوق من ممارسات وانحرافات وانزلاقات، بل “استثمار اللحظة السياسية الراهنة”، الدافعة نحو الإصلاح والتغيير، في ظل حكومة جديدة، وضعت المسألة التعليمية ضمن أولوياتها، وأمام وزير جديد بحس تواصلي لافت للنظر وخبرة ومرجعية سياسية معتبــرة، تتطلــــــــع الشغيلة التعليمية بكل أسلاكها وفئاتها، في أن يكــون في مستوى التطلعات والانتظــارات والرهانات، و”الانخراط الإيجابي فيما تعرفه الساحة النضالية من تعبيرات احتجاجيـة”، بما يساعد على إسماع صــوت أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي، ويضمن إيصال مطالبهم المشروعة إلى صانعي القـــرار السياسي والتعليمي، والتي تصب جميعها، في اتجاه “إقرار الدرجة الجديدة” ، و”التخفيض من ساعات العمل الأسبوعية بالنسبة لهيئــة التدريس” تنفيذا لمقتضيات النظام الأساسي الجديد، و”الرفع من قيمة التعويض التكميلي” بما ينسجم وخصوصيات السلك وطبيعة المهام والأعبــاء، و”تثبيت “السبت” كيوم عطلة”، و”التقليص من الاكتظاظ داخل الحجرات الدراسية”، “وإرساء نظام تعويضات محفز يراعي كثرة المهام والمسؤوليات، فيما يتعلق بإجراءات مراقبة الامتحانات الإشهادية والامتحانات المهنية، ومباريات الولوج إلى المراكز الجهوية للتربية والتكويــــــــن، وإجراءات التصحيح والمداولات المرتبطة باستحقاقات البكالوريــا”، مع ضمان صرف هذه التعويضات داخل آجـال معقولة، إضافة إلى مطالب أخــرى موازية، ذات صلة، بالتقليص من الاكتظاظ داخل الفصول الدراسية، والعناية بالصحة الجسدية والنفسية للأساتذة، في ظل ما بات يحيط بالمهنة، من مظاهر التوتــر والقلق والمعاناة والعنف …، فضــلا عن الارتقاء ببيئات العمل، والدفــع في اتجاه تنزيل نموذج بيداغوجي جديد، يليق برهانات وطموحات مغرب صاعد …

وجب التذكير في خاتمة المقـــال، أن توجيه البوصلة نحو “أساتذة التعليم الثانوي الـتأهيلي”، ليــس معناه ترجيح كفة على كفة أخــرى، ولا تكريـــــــــــس نعرة التشرذم داخل الأســرة الواحدة، إيمانا منا أن نساء ورجــــال التعليم، يستحقون أوضاعا مادية ومهنية محفزة، تليق بوضعهم الاعتبـــــاري داخل المجتمع، وتنسجم مــــــع رسالتهم النبيلة في التربية والتعليم والتنويـــر والتأطيــر وصناعة الأمل …، واعتقادا راسخا منا، في أن أي مشــــــــروع إصلاحي، لن يحقق الأهداف والمقاصد المتوخــاة منه، ما لم يكـــن مدعوما بشغيلة تعليمية تحظى بما تستحقــــــه من تقديــر واحترام واعتبار وتحفيـــز، وهذا التوجيه أو التخصيص، كان من باب إثــارة الانتباه إلى واقـــــع حال هذه الفئة، التي تتقاسم الإحســــاس بالحيف والإقصاء، في ضـــوء نظام أساسي جديد، لم تحمل مقتضياته، ما كانت تتطلــع إليه من إنصاف وتحفيز وتحصين للهويــــــــة، ومن حقها اليوم، أن تسمع الصوت الغائب، وترافــــــع بمسؤولية والتزام، عما تحمله من مطالب وانتظــارات، في سلك تأهيلي، له خصوصيات، تقتضي ليس فقط الانتباه، بل والاهتمام والعناية والاعتبار والتثميــــن.

ونختم، بالتعبير عن مشاعر التضامن مع مربيات ومربي التعليم الأولي، ومساندة نضالاتهــم المشروعة، دفاعا عن الحق في ظروف مهنية لائقة ومحفزة ومعتبــرة، تقيــهم من حــــرارة “الهشاشة” وقساوة “الوساطة”، ويستحقون اليــــــــــــــــوم، حلولا مبدعة وخلاقة، دافعة في اتجاه إدماجهم ضمن النظام الأساسي لموظفي التربية الوطنية، لأنهم جزء لا يتجزأ من أســــرة التربية والتعليم، وحلقة أساسية لا محيد عنها، في أي توجه إصلاحي منتظــر، والكرة الآن في مرمى الحكومة الجديدة، والوزير الوصي على القطاع، محمد نبيل بنعبدالله، الذي تنتظر منه “شغيلة التعليم الأولي” فك القيد، وشهادة هوية واعتراف وتقدير وتحفيــــــــــز …


شاهد أيضا

شاهد أيضا