د. عبد العزيز الإدريسي
- الإطار العام للملتقى
في إطار جهود مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط لربط الدرس المقاصدي بقضايا الواقع، نظم بتنسيق مع مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن، ملتقى علميا حضوريا وعن بعد الثلاثاء08 جُمادى الأولى 1448ه الموفق ل20 أكتوبر2026م، حول الإصدار الأخير الموسُوم ب “مَقاصِدُ الشّريعة تَحصيلًا وتكميلًا” للدكتور أحمد الريسوني،شارك فيه الدكتور الناجي لمين، والدكتور مصطفى قرطاح، والدكتور الحسين الموس، والأستاذ صالح شهسواري، بحضور مؤلف الكتاب وجمهور من العلماء الباحثين والطلبة حضوريا وعبر منصة زووم.
- قيمة الكتاب موضوع النقاش
يُعد الكتاب آخر ما صدَر للدكتور الريسوني في علم المقاصد، وهو ليس مجرد شرح للكَسب المقاصدي عند أئمته ورواده، بل هو استئناف لهذا الكسب وتجاوز له تحصيلا وتكميلا، فالمؤلف يقر بأن الشاطبي وغير من أعلام الفكر المقاصدي ذكروا أشياء وتركوا أشياء تحتاج إلى إتمام وإكمال، فجاءت فكرة التكميل، وهذا التكميل اعتبره المتدخلون اجتهادا وتجديدا بحد ذاته، لأنه لم يكتف بالنقل والتحصيل، بل زاد وناقش ووسع واستدل، ممهدا الطريق لتحويل المقاصد من علم نَظري محفوظ في الكتب إلى علم يشتبك مع القضايا المعاصرة والمستجِدة في جميع المجالات والميادين.
وتحدث الأستاذ صالح شهسواري المدير التنفيذي لمؤسسة الفرقان عن أهمية هذا السِّفر في مجال المقاصد، وأشاد بصاحب هذا الكتاب الدكتور الريسوني الذي عودنا دائما على تقديم الجديد في هذا المجال، والذي أصبح مجددَ هذا العلم في هذا العصر فهو شيخ المقاصد والمقاصديين، مذكرا بثلاثية الشيخ الريسوني في علم المقاصد والتي تشرفت مؤسسة الفرقان بطبعها، والتي تُعتبر مرجعا في مجالها، وهي: “مُعجَم المصْطلحات المقاصدية” و “قواعدُ المقاصِد” و “مَقاصِدُ الشّريعة تَحصيلًا وتكميلًا“.
فالكتاب الأول “معجم المصطلحات المقاصدية“(الطبعة الأولى2017م)، مشروع الكبير وهو ثمرة عمل جماعي الذي أشرف عليه الدكتور الريسوني، وهو الآن كتاب مرجعي في بابه، أما الكتاب الثاني “قواعد المقاصد” (الطبعة الأولى 2019م)، وها نحن اليوم نحتفي بالكتاب المرجعي الثالث “مقاصد الشريعة تحصيلا وتكميلا“(الطبعة الأولى 2026م) لكي تكتمل هذه الثلاثية المقاصدية التي لا غنى لأي باحث عنها في المقاصد خصوصا وعلوم الشرع عموما.
- التأطير المنهجي والتاريخي لكتاب “مقاصد الشريعة تحصيلا وتكميلا”
افتتح الأستاذ الناجي لمين أستاذ التعليم العالي بدار الحديث الحسنية مداخلته بالشكر والثناء، مؤكدا اعتزازه بالمشاركة في الحديث عن كتاب شيخه الدكتور أحمد الريسوني، الذي يكن له كل التقدير والاحترام، مذكرا بفضله عليه، حيث درس عليه في سلك الإجازة بكلية الآداب بالرباط، وأشرف عليه في بحث التخرج، وكان ضمن لجنة مناقشة أطروحته لنيل دكتوراه الدولة بدار الحديث الحسنية، وهي أول رسالة ناقشها الدكتور الريسوني بالدار، ووصف الكتاب بأنه يجمع بين صفتي الكتاب المدرسي والأكاديمي في آن واحد، وهذا الجمع لا يستطيعه إلا مثل الريسوني، فهو كتاب صالح للتدريس الجامعي، وفي الوقت نفسه كتاب أكاديمي عميق، ومع ذلك ففيه إبداع غير متكلف.
أما من حيث الموضوع، فأكد أن الأستاذ الريسوني يعتبر اليوم المقاصدي رقم واحد في العالم بلا منازع، لطول باعه وتراكم إنتاجه في هذا الحقل لأكثر من أربعة عقود، منذ كتابه المؤسس “نظرية المقاصد عند الشاطبي” إلى اليوم. وأما من حيث المنهج، فشدد على الأستاذ الريسوني يحرص على المنهج قبل المعلومة، فمنهجه يقوم على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين التحصيل الدقيق لما قاله الشاطبي وشرحه وتهذيبه، وبين التكميل الإبداعي لما تركه، عملا بوصية الشاطبي نفسه: “ذكرنا أشياء وتركنا أشياء“، فجاء هذا الكتاب ليكون عصارة المسار كله، تحصيلا لما تفرق وتكميلا لما نقص، ونقلا لعلم المقاصد من مرحلة الشرح إلى مرحلة التفعيل.
- التحصيل أساس التكميل بنوعيه
قسم الدكتور مصطفى قرطاح نائب مدير مركز المقاصد في قراءته للكتاب التكميلَ إلى نوعين أساسيين يمثلان جوهر الكتاب، الأول هو التكميل النظري، وهو ما قام به الريسوني بإضافة مباحث لم يذكرها الشاطبي وتوسيعها نظريا. والثاني هو التكميل العملي التطبيقي، وله صورتان: الأولى تحويل المقاصد من جانب نظري إلى جانب عملي، أي من علم إلى عمل، كما فصل في الفصل الأخير. والثانية أن هذا التكميل لا ينبغي أن يتوقف، بل هو مسار مستمر يحتاج إلى اجتهاد جماعي متجدد في كل الجامعات والمراكز والمؤسسات.
فالمؤلفُ أبدع في منهجية التّحصيل والاستكمال، حيث استعرض المنعطفات العلمية والتاريخية، ثم القواعد والكليات والأمثلة والأسلوب، وكل ذلك ممزوج بالصناعة الفقهية و الأصولية، لكن هذا يمثل حصراً لمقاصد الشريعة في مقاصد الأحكام الشرعية الفقهية فقط (الحلال والحرام).وهذا الحصر لا يُعاب على الريسوني من حيث ذاته، لأنه فقيه وأصولي، وهذا تخصصه، لكن إذا أخذنا الشريعة بمفهومها العام كما في قوله تعالى ﴿شرع لكم من الدين﴾، فالشريعة هي كل ما أنزله الله: أنزل العقائد و شرع الأخلاق وشرع الأحكام فلماذا يتوقف بحثنا في المقاصد على مقاصد الأحكام فقط؟ أين مقاصد العقائد؟ وأين مقاصد الأخلاق؟ لذلك يميز الريسوني نفسه حفظه الله في كتبه بين مصطلحين لحل هذا الإشكال: مقاصد الشريعة (بالمعنى العام الواسع: مقاصد الدين كله عقيدة وشريعة وأخلاقا) المقاصد التشريعية (بالمعنى الخاص الضيق: مقاصد الأحكام الفقهية التشريعية)
- الوازعات الثلاثة ونقد الترتيب
لتحويل التكميل النظري إلى واقع، عرض الريسوني ثلاثة وازعات: الوازع الفردي الديني، والوازع المجتمعي المتمثل في المجتمع المدني والأمر بالمعروف، والوازع السلطاني. وقد نبه الدكتور قرطاح إلى ملاحظة منهجية، حيث رأى أن تقديم الوازع السلطاني غير موفق، وأن الأولى تقديم الوازع المجتمعي لقربه من الوازع الديني. والمعنى المقصود أن على مدرس المقاصد أن يكون فاعلا في مجتمعه، يبث روح المصلحة الشرعية بين السياسيين والاقتصاديين والإداريين، لا أن يبقى حبيس القاعة.
- حفظ المصالح المعنوية
من أهم إضافات الشيخ الريسوني النظرية التي توقف عندها المتدخلون، إفراده مبحثا مستقلا لما سماه “حفظ المصالح المعنوية“، فقد لاحظ أن كتابات المقاصد قديما وحديثا توحي بأن الإسلام جاء بحفظ المصالح المادية فقط كالسدود والمطارات و… فبين أن الطبقة العليا من المصالح هي المعنوية والقلبية والروحية، كالكرامة والأخلاق والطمأنينة. أما المصالح المادية فهي الطبقة الثانية، فما قيمة تحصيل المكتسبات المادية والدنيوية مع الغرق في الهموم والتعاسة؟ لذا وجب إعادة الاعتبار للمصالح المعنوية.
- ربط العلوم الشرعية بالواقع
في كلمته الختامية، أكد الدكتور الريسوني على قضية منهجية خطيرة، وهي أن بعض المؤلفات المعاصرة أصبحت خارج الزمان والمكان، وغارقة في التاريخ، تذكر أقوال الفقهاء دون معالجة أي قضية نعيشها، فتحول العلوم الشرعية إلى علوم متحفية، ودعا الباحثين إلى “لا تهاجر إلى التاريخ“، مستشهدا بمنهج علال الفاسي الذي كان يستدعي التاريخ ليمزجه بالواقع، وشدد على أنه كان يبحث قصدا عن أمثلة معاصرة و حية لكل قاعدة أصولية، خاصة في الفصلين السادس والسابع، حتى لا تبقى أحكام الإسلام تاريخا جامدا.
- المقاصد التأسيسية العليا
وختم الريسوني بأن حصيلة الفكر المقاصدي بقيت أسيرة المنظومة الفقهية الأصولية، لأن منشأها كان فقهيا، بينما الشريعة ومقاصدها أوسع من التشريعات العملية، لذلك خصص الفصلين الأخيرين للبحث عن المقاصد خارج الفقه، كالمقاصد العقدية والأخلاقية. واستشهد بالراغب الأصفهاني ( توفي 502 هـ / 1108م) في كتابه “الذريعة إلى مكارم الشريعة” الذي عقد بابا بعنوان “ما لأجله أوجد الإنسان“، ولخص المقاصد التأسيسية العليا في ثلاث: الخلافة والعبادة والعمارة، وهي التي يجب أن يبنى عليها كل فقه مقاصدي لاحق، وسار على نهجه العلواني وملكاوي.
والحمدُ لله رب العالمين.





