*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
من حسنات القناة التلفزيونية الأولى أنّها تتيح للمشاهد متابعة أجواء جلسات البرلمان، والوقوف على ما تكشفه من صعوبة مزمنة لدى شريحة من النخبة السياسيّة الحزبيّة في احتواء الخلاف وتدبير الاختلاف داخل المؤسسة التشريعيّة؛ مع أنّ ذلك هو جوهر الممارسة البرلمانيّة ولبّ الوظيفة الديمقراطيّة.
إنّها عقدة ثقافيّة وسياسيّة استعصت على التجربة التمثيليّة، رغم امتدادها عقودًا طويلة، وكأنّ الممارسة البرلمانيّة لم تنجح، بعد، في ترسيخ أبسط مقتضياتها: أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نتنافس دون أن نتناحر، وأن نحتكم إلى قوّة الحجّة لا إلى حدّة الخصومة.
تتحوّل بعض الجلسات إلى مستنقع من السجالات العقيمة والحروب الكلاميّة التي تستحضر، في عبثيّتها، حروب داحس والغبراء ونقائض جرير والفرزدق؛ حيث يتقدّم الانتصار اللفظي على قوّة الحجّة، ويطغى الاستعراض على التفكير، ويُستبدل نقاش القضايا العامّة بالتجريح الشخصي، وكأنّ الخصم السياسي عدوّ ينبغي إسكاتُه، لا طرفٌ ينبغي الإصغاء إليه ومناقشة حجّته.
وهكذا، لا يعود الهدف إقناع المخالف أو مساءلة السياسات العموميّة والقطاعيّة، ولا تقديم البدائل أو الدفاع عن الأولويّات، بل استنزاف الوقت والجهد في معارك جانبيّة لا تُنتج فكرة، ولا تقترح حلًّا، ولا تُغيّر واقعًا؛ وإنّما تصرف الأنظار عن جوهر القضايا التي من أجلها وُجد البرلمان أصلًا.
والمفارقة أنّ هذه المشاهد لا تكشف عن ضعف في إدارة النقاش فحسب، بل تفضح ضيقًا في الأفق الفكري، وعجزًا عن التمييز بين الاختلاف بوصفه شرطًا للتقدّم، والخلاف حين ينحدر إلى خصومة شخصيّة تستنزف العقل وتُعطّل إمكانات الحوار. فليس كلّ ارتفاع في الصوت قوّةً في الموقف، ولا كلّ انتصار في السجال انتصارًا للحقيقة، ولا كلّ إسكات للمخالف دليلًا على إفحام حجّته.
وقد يبلغ الأمر حدًّا يصبح فيه ضجيج بعض العقول أكبر من قدرتها على إنتاج الأفكار؛ وكأنّ المساحة التي يحتلّها العناد في الوعي لا تقلّ اتّساعًا عن مساحة اليابسة على سطح الكرة الأرضيّة..!
غير أنّ اختزال هذه الظاهرة في سوء التدبير أو ضعف الكفاءة التواصليّة لا يكفي لتفسيرها؛ إذ إنّ الخلل أعمق من ذلك، ويتّصل بثقافة سياسيّة لم تستوعب، بعد، أنّ الديمقراطيّة ليست امتلاكًا للحقيقة، ولا تفويضًا بإسكات المخالف، ولا امتيازًا يتيح للأغلبيّة احتكار الصواب؛ بل هي اعتراف متبادل بحقّ الاختلاف، والتزام بقواعد النقاش المسؤول، وقبول بأنّ الحقيقة السياسيّة لا تُبنى بالصوت الأعلى، وإنّما بالحجّة الأقوى والقدرة على الإقناع.
ومن هنا، لا يكون حُسن الإصغاء مجرّد فضيلة أخلاقيّة أو سلوك اجتماعي مستحسن، بل أداة مركزيّة لبناء المعرفة، وترسيخ التماسك الاجتماعي، وصناعة التسويات السياسيّة. فالإنصات لا يعني التنازل عن الموقف السياسي أو الأيديولوجي، كما أنّ الاعتراف بحقّ الآخر في الكلام لا يستلزم تبنّي رأيه؛ وإنّما يقتضي فهم حجّته، واختبار قوّتها، ومناقشتها بالحجّة المقابلة، بدلًا من الاكتفاء برفضها أو التشكيك في صاحبها.
فالمؤسسات التي تتعلّم الإصغاء تكتسب القدرة على تحويل التناقضات إلى فرص للتفكير المشترك، وبناء الجسور بدلًا من تشييد الجدران. أمّا المؤسسات التي تستبدل الحوار بالتناحر، فإنّها لا تُهدر وقتها فحسب، بل تُعطّل قدرتها على إنتاج الحلول، وتُفرغ التمثيل الديمقراطي من جزء أساسي من معناه.
وفي الديمقراطيّات الناضجة، لا تُقاس قوّة الأغلبيّة بقدرتها على إقصاء الأقليّة، بل باستعدادها للاستماع إلى مقترحاتها ومناقشتها، ولا تُقاس قوّة المعارضة بحدّة خطابها أو قدرتها على إحراج خصومها، بل بما تقدّمه من بدائل، وما تمارسه من رقابة مسؤولة، وما تقترحه من حلول قابلة للنقاش والتنفيذ.
فالبرلمان ليس حلبة لتصفية الحسابات، ولا منصّة لاستعراض القدرة على المناورة اللفظيّة، بل مؤسسة لصناعة القوانين، ومساءلة الحكومة، وتجويد السياسات العموميّة، والتعبير عن مصالح المواطنين وتطلّعاتهم. وكلّ نقاش يبتعد عن هذه الوظائف، مهما اشتدّ صخبه، يظلّ نقاشًا ناقصًا في مضمونه، فقيرًا في حصيلته.
وهنا يفرض السؤال نفسه: فيمَ يختلفون أصلًا؟ أفي بدائل تشريعيّة، وأولويّات تنمويّة، وسبل تدبير الثروة الوطنيّة، وتحقيق العدالة الاجتماعيّة؟ أم في حسابات حزبيّة وشخصيّة ضيّقة، وتموقعات سياسيّة تستنزف طاقة المؤسسة، من دون أن تجد لها انعكاسًا ملموسًا في حياة المواطنين؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يتقدّم على ضجيج الخطب والمشاحنات؛ لأنّ قيمة النقاش لا تُقاس بمن انتصر في السجال، ولا بمن أسكت خصمه للحظات، بل بما أفضى إليه من أفكار وحلول وقرارات، وبما أضافه إلى السياسات العموميّة من جودة وفعاليّة، وإلى حياة المواطنين من إنصاف وكرامة.
فإذا كان البرلمان فضاءً لتمثيل الأمّة، فإنّ معيار نجاحه ليس مقدار الضجيج الذي يُحدثه باسمها، بل مقدار ما ينجزه من أجلها. وليس المهمّ أن يخرج طرفٌ من النقاش منتصرًا في معركة كلاميّة، بل أن تخرج البلاد أكثر قدرة على حلّ مشكلاتها، وأن يخرج المواطن أكثر اطمئنانًا إلى أنّ صوته لم يُهدر في سجال عقيم.
فجوهر العمل البرلماني ليس أن ينتصر السياسي على السياسي، بل أن ينتصر النقاش على التعصّب، والحجّة على الضجيج، والمصلحة العامّة على الحسابات الضيّقة.
______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).





