سقوط الأسد لا يعني نهاية العقلية الأسدية: معركة بناء الدولة السورية الجديدة

 

 

 

د. طالب عبد الجبار الدغيم

 

 

تميّز أدبيات الانتقال السياسي تمييزاً دقيقاً بين تغيير السلطة وتغيير النظام، فالأول يتحقّق برحيل الحاكم أو انهيار أجهزته العسكرية والأمنية والسياسية، في حين يتطلّب الثاني إعادة بناء القواعد التي تنتظم وفقها العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتتحدّد بموجبها مصادر الشرعية وآليات توزيع القوة والثروة وحدود المجال العام. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في الحالة السورية، إذ إن انهيار حكم آل الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 أنهى سلطة عائلة حكمت البلاد أربعاً وخمسين عاماً، غير أنه ترك قائماً رصيداً ثقيلاً من البنى والممارسات والتصورات التي راكمتها تلك العقود في مؤسسات الدولة ووعي المجتمع على حدّ سواء، وهو رصيد يميل بحكم ما يسمّيه علماء السياسة “الاعتماد على المسار” إلى إعادة إنتاج نفسه ما لم يُواجَه بوعي نقدي ومشروع مؤسسي واضح.

ويقدّم عالم الاجتماع الكويتي خلدون حسن النقيب في دراسته “الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر” إطاراً تحليلياً صالحاً لفهم هذه المنظومة، حين يميّز الدولة التسلطية من الاستبداد التقليدي بقدرتها على اختراق المجتمع المدني والسيطرة على الاقتصاد واحتكار مصادر القوة كلها، بحيث تتحوّل البيروقراطية والجيش والنقابات والجامعات والدوائر الرسمية جميعها إلى امتدادات للسلطة السياسية. وقد جسّد النظام الأسدي هذا النموذج في أشدّ صوره اكتمالاً، فدمج الحزب بالدولة والدولة بالعائلة، وأقام شرعيته على مزيج من الإكراه والعنف الأمني وشبكات الزبائنية والتلاعب بالهويات والانتماءات الفرعية، واعتمد الفساد آلية لضبط النخب السياسية والاقتصادية والأمنية وربط مصالحها ببقائه، ووظّف العقاب الجماعي أداة لردع المجتمعات والقوى المحلية، وصاغ ثقافة سياسية تختزل الوطن في شخص الحاكم وتنزع الشرعية عن كل صوت مخالف أو معارض له.

وأما البعد الأعمق في هذه المنظومة، فيتصل بما أحدثته في البنية الذهنية والسلوكية للمجتمع، وهو بعد ركزت عليه الباحثة الأميركية ليزا ودين في دراستها “غموض الهيمنة” عن سوريا في عهد حافظ الأسد، حيث بيّنت أن عبادة الشخصية لم تهدف إلى إقناع السوريين بصحة خطابها، وإنما إلى إلزامهم بالتصرّف كأنهم يصدّقونه، فتغدو المشاركة العلنية في طقوس الولاء آلية لتطبيع الخضوع وإضعاف الثقة الأفقية بين المواطنين، وذلك لأن كل فرد يدرك زيف الخطاب ولا يملك يقيناً بأن جاره يشاركه هذا الإدراك. وتلتقي هذه القراءة مع ما ذهب إليه المفكر العربي هشام شرابي في تحليله “النظام الأبوي” في المجتمعات العربية، حيث تتكرّر علاقة الطاعة والهيمنة على مستويات الأسرة والمدرسة والدولة، فيتشرّب المواطن الفرد منذ نشأته تصوّراً للسلطة بوصفها أبوّة لا تُسأل، وقوة طاغية يفرض أن علاقته بها الولاء المطلق.

وتحضر هذه الظاهرة في الفكر الإسلامي الحديث بوضوح لافت منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين أفرد المفكر الحلبي عبد الرحمن الكواكبي كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” لتشريح أثر الاستبداد في الأخلاق والدين والعلم والتربية، واعتبر أن الاستبداد أصل لكل فساد، ومن ثم نبّه إلى البعد الاجتماعي للظاهرة حين كتب أن “العوامّ هم قوّة المستبدّ وقُوتُه، بهم عليهم يصول”، فوضع يده على العلاقة التبادلية التي تجعل الطغيان بنية مشتركة بين الحاكم ومحكوميه. وطوّر المفكّر الجزائري مالك بن نبي هذا المنحى في مفهومه عن “القابلية للاستعمار”، مؤكّداً أن السيطرة الخارجية تفترض شروطاً داخلية تهيّئ لها، وهو مفهوم يمكن نقله منهجياً إلى الحقل السياسي الداخلي للحديث عن قابلية للاستبداد تتشكّل عبر التنشئة الطويلة على الخوف والطاعة، وتبقى فاعلة في سلوك الأفراد والجماعات بعد زوال أسبابها المباشرة.

ويوفّر لنا ابن خلدون مدخلاً تفسيرياً لمعرفة آلية انتقال هذه القابلية من جيل إلى آخر ومن سلطة إلى أخرى، حين يقرّر في مقدّمته أن “المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده”، وهو قانون اجتماعي يشرح نزوع الجماعات التي عانت القهر والظلم والطغيان إلى استبطان أدوات قاهرها وأساليبه، فتعيد استخدامها حين تتوافر لها القوة، مع اقتناعها الصادق بأنها تقطع علاقتها وسلوكياتها مع الماضي. ويرسم النص القرآني هذه العلاقة في الحديث عن فرعون وقومه: “فاستخفّ قومه فأطاعوه”، فيجعل الطاعة شرطاً لازماً لاستمرار الاستخفاف، ويحمّل المجتمع جانباً كبيراً من المسؤولية عن الطغيان والتجبر الذي يقع عليه.

وفي ضوء هذه المقاربات تظهر مؤشرات إعادة إنتاج المنظومة قابلة للرصد في المرحلة السورية الانتقالية، ومن أبرزها تحوّل الامتنان لبعض الذين أسهموا في إسقاط النظام إلى حصانة رمزية تمنع مساءلتهم أو تدقيق أخطائهم، وانتقال تهم التخوين من قاموس السلطة البائدة إلى قاموس القوى الجديدة لتطال المعارضين والناقدين، واستبدال منطق العدالة بمنطق الثأر الذي يحاسب الأفراد على انتماءاتهم الطائفية أو المناطقية بدل أفعالهم في بعض الأحيان (في العقلية السورية)، وبناء المؤسسات الناشئة على معايير القرابة والفصيل والولاء التنظيمي والتزكيات من هذا القائد أو ذاك، وبقاء الفجوة بين الخطاب العلني والقناعات الخاصة التي رصدتها ودين بوصفها سمة أساسية للمجتمع في ظل هذا التسلط. ورغم أن الشعب يتابع جميع العثرات أو القضايا وربما يطالب من القائمين على الأمور أكثر من طاقتهم، ولكن هذا يحدد بشكل أو بآخر شكل العلاقة القادمة بين الحاكم والمحكوم، ويحدد مسؤوليات الحكم الجديد في سوريا.

ويحمل التراث السياسي الإسلامي في مصادره المؤسِّسة ما يصلح أساساً معيارياً لمواجهة هذه المؤشرات، فخطبة أبي بكر الصديق عند توليه الخلافة تتضمّن تصوّراً تعاقدياً للسلطة في قوله: “إن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوّموني”، حيث تتحدّد شرعية الحاكم بأدائه وتخضع لرقابة الجماعة وتقويمها. وتؤسّس عبارة عمر بن الخطاب “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟” لاعتبار الحرية حقاً أصلياً سابقاً على السلطة ومقيّداً لها. ويقدّم ابن تيمية معياراً وظيفياً للشرعية السياسية في قوله إن “الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة”، فيربط بقاء الدولة بتحقيق العدل دون اعتبار للهوية المعلنة لحكّامها، ويصوغ ابن خلدون الفكرة ذاتها في صيغة قانون عمراني حين يعقد فصلاً عنوانه “الظلم مؤذن بخراب العمران”. وفي الحقبة الإصلاحية رأى خير الدين التونسي في “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك” أن تقدّم الأمم رهين بمؤسسات وتنظيمات تقيّد سلطة الحاكم وتضمن مشاركة أهل الحل والعقد في القرار، وأكّد الشيخ محمد الغزالي في “الإسلام والاستبداد السياسي” أن الشورى وصون الحقوق العامة من صميم المنظومة القيمية الإسلامية، وأن توظيف الدين لتسويغ القهر يناقض مقاصده.

وتقود هذه المعطيات إلى جملة من الشروط التي يتوقّف عليها تجاوز المنظومة الأسدية، يأتي في مقدّمتها الانتقال من شرعية الأشخاص إلى شرعية المؤسسات، أي بناء إطار دستوري وقانوني يقيّد السلطة التنفيذية بصرف النظر عن هوية شاغليها ورصيدهم الشعبي والأخلاقي والقيمي والثوري، لأن النوايا الحسنة للحكّام لا تشكّل ضمانة بنيوية ضد الانزلاق التسلطي خلال السنوات القادمة. ويرتبط بذلك تبنّي مسار للعدالة الانتقالية يقوم على المساءلة الفردية المستندة إلى الأدلة والإجراءات القضائية، وإجراء محاكمات فعلية للمجرمين، ومحاسبة من يثبت فسادهم من من الموظفين الذين يحملون العقلية الأسدية، وهم يمارسون أعمالهم في مؤسسات ودوائر الدولة حتى الآن، وتفعيل جهاز الرقابة والتفتيش وإعطاء صلاحيات للبرلمان السوري لسن القوانين والتشريعات الناظمة، ووزارة العدل ولجنة الكسب غير المشروع، وهذا لا يعني تنفيذ العقوبات الجماعية بحق مكون ما أو عائلة ما أو تيار حزبي ما، وهذا انسجاماً مع القاعدة القرآنية “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، إلى جانب ضمان حرية التعبير والصحافة بوصفها شرطاً لتشكّل مجال عام قادر على الرقابة والمساءلة، واعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في الوظيفة العامة، وهو ما يعبّر عنه الحديث النبوي “إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”. وتبقى هذه الشروط منقوصة الأثر ما لم يرافقها إصلاح جذري للمنظومة التعليمية يعيد صياغة التنشئة السياسية للأجيال الجديدة على قيم المواطنة والتفكير النقدي، وترسيخ المساواة القانونية بين السوريين على اختلاف انتماءاتهم، بما ينهي توظيف الهويات الفرعية في الصراع على السلطة.

إن إسقاط رأس النظام المجرم يمثّل الشرط الضروري للتحوّل الديمقراطي في سوريا، غير أنه يظل شرطاً غير كافٍ ما دامت البنى المؤسسية والثقافية والعقليات التي أنتجها التسلط والاستبداد قائمة، وقابلة لإعادة التشغيل لصالح فاعلين وقادة جدد. ويشير القانون القرآني “إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم” إلى أن التغيير السياسي المستدام يمرّ عبر تحوّل في الوعي الجمعي والممارسة الاجتماعية، والوعي السياسي، والحس الجماعي بمسؤولية البناء والنهوض، ومساعدة السلطة الجديدة على تمكين القوانين وتطوير البنى الخدمية الأساسية، وبناء العقد الاجتماعي الجديد، وهو تحوّل يحتاج إلى زمن وجهد مؤسسي ومعرفي متواصل، وتتحمّل مسؤوليته النخب والقوى السياسية والفكرية ورجال الأعمال والمجتمع بأسره.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا