الدكتور ربيع العايدي *
كلما حدث خلل مادي كالأمراض والأوبئة ، أو فكري فنشأ عنه خلل مجتمعي ، عاد الصراع القديم الحديث الى الساحة ، كيف يمكننا القضاء على هذا الوباء المادي أو الفكري ؟
تجد أن بعضهم يسارع الى التقليل من الشأن الديني ، وأن الأوبئة المادية والفكرية ليس لها حل إلا الطريق المادي وهو استخدام الأدوية والمعقمات العلاجية ، وأن الأدعية والصلوات ما هي إلا خرافات لا شأن لها في الإصلاح المادي أو الفكري
وبعضهم يذهب الى أبعد من هذا بأن الصلوات والأدعية لو كانت تنفع لم نقم بإغلاق المساجد في حال انتشار الأوبئة !!
والمؤمنون بالله تعالى تأخذ بعضهم الحيرة والقلق الفكري ،
كيف تكون المساجد محلا للوباء ؟
وكيف يمكن أن ننتفع بالأدعية ؟
مع أن الوباء يحتاج الى علاجات طبية ؟
وأيضا إذا كان العلاج الطبي في مثل هذه الحالات هو النافع باتفاق الجميع ، فما فائدة الأدعية والصلوات ؟
وعليه فإن إدخال الأدعية والصلوات والاذكار في مثل هذه الحالات ما هو إلا خرافة صنعها التراث (على حد زعمهم ) للتغطية على فشلهم وتخلفهم !!
نعم هي نفسها الإشكالية الفلسفية في كيفية الجمع بين الاثنين العقل والنقل ، والقلب والمادة ، والمادي والمعنوي ، والحرية والشريعة ، نعم الاشكالية في كل ثنائية !!
أرجو أن أكون قد وفقت بتلخيص الحالة ، وللاسف بعض المؤمنين يرى أن توقف الصلوات في المساجد هو تعد على الأحكام الشرعية ، وبعضهم الآخر لا يعرف التوفيق في القضية .
إن إقصاء القلب عن عمارة الأرض من أكبر المشاكل التي يواجهها العالم اليوم ، إذ إن العالم الذي يخلو من القلب والروح عالم فيه كل أشكال القسوة ، معاناة العالم اليوم لا تنتهي لانه يعتمد إسعاد الجسد دون القلب ، نعم إننا نعيش في عالم فاقد للقيم التي منبعها القلب فلا تستغرب من عالم متخصص في العلوم الطبيعية يأمر بإبادة مدن بأكملها.
والعالم المادي يقتنع مرغما بأن عمارة الأرض لا بد فيه من عمارة القلب ، فكل المصائب الاجتماعية والاقتصادية والفكرية علتها ضياع القيم الإنسانية .
ومن هنا نجد أن الشريعة حثت على عمارة القلب بل جعلته الأساس لقيام أي أمر بعد ذلك ، حتى الإيمان محله القلب ولا ينفع الإسلام الظاهر إذا لم يصحبه تصديق الباطن .
وأيضا إن الشريعة جعلت الأمور المعنوية من الأسباب المعتبرة التي لا بد للمؤمن أن يعتمد عليها ، وقد اعتبرت الشريعة الاسباب المعنوية كما اعتبرت الاسباب المادية .
الأسباب المعنوية :
نقصد هنا بالسبب المؤثر عادة بإذن الله تعالى ، وقد يكون أثر السبب المعنوي معنويا ، كما انه يمكن أن يكون أثر السبب المعنوي ماديا .
أولا : تأثير السبب المعنوي في معنوي آخر:
كالطلب من المؤمن البسملة في بداية كل أمر لما يعطية من بركة ، والبركة قد تكون أمرا معنويا في كثير من الاحوال .
وأيضا الدعاء في طلب معنوي كزيادة الإيمان وطلب رضوان الله تعالى .
الأذكار والتسابيح والأوراد التي تضفي على القلب أنوارا وأسرارا يتذوقها المؤمن .
ونحن نتحدث عن الأسباب المعنوية علينا ان نعلم بأن خير هذه الأسباب وأمتنها وأقواها صلة ، وتحققا هي علاقة المؤمن في صدق التوجه إلى سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فهو من خير الأسباب المعنوية التي خلقها الله تعالى وأمرنا بالتمسك بها .
وقد أحسن الإمام الشافعي في التعبير عن ذلك حيث قال : ” فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت ، نلنا بها حظا في دين ودنيا ، أو دفع بها عنا مكروه فيهما وفي واحد منهما : إلا ومحمد صلى الله عليه سببها ..” الرسالة ص16.
وهذه الأساب المعنوية التي أقرتها الشريعة علينا أن نعرف أن المراد منها بداية هو تحقق المؤمن بالعبودية لله تعالى ، وأن كل زيادة يطلبها المؤمن تكون بالاعتماد على الله تعالى من خلال الاستعانة بهذه الاسباب المعنوية التي خلقها الله تعالى.
ثانيا : تأثير الأسباب المعنوية بالأمور المادية :
كطلب الشارع الحكيم في حال انقطاع الغيث من السماء ، بصلاة الاستسقاء ، وفي حال الكسوف والخسوف بصلاة الكسوف ، وأيضا جاء في السنة الصحيحة بأن كثرة الصلاة على النبي عليه السلام تكفي المؤمن الهم وتقضي الدين .
وما صح وروده من الأدعية النبوية لإبعاد الأمراض والشفاء منها .
كيف يمكن أن نتعامل مع هذه النصوص وذلك من خلال :
أولا : إن الأسباب المعنوية نفعها متعلق أولا وآخرا بإذن الله تعالى ، وكذا الأسباب المادية نفعها متعلق بالإذن الإلهي ، فكم من مريض انتفع بالدواء وكم من مريض لم يعد عليه الدواء بالنفع .
ثانيا : قد نستعين بالسبب المعنوي فيحصل المراد وقد لا يحصل ، فنستعين مثلا بصلاة الاستسقاء لنزول الغيث ، وبالاستغفار، ولكن الغيث لا ينزل في بعض الأحيان ، وهذا ليس لأن السبب المعنوي لا قيمة له ،
بل لأن الأسباب كلها مرجعها حقيقة الى الله تعالى المادية منها والمعنوية .
ثالثا : يمكن تأثير السبب المادي بدون الاستعانة بالمعنوي ، وهذا ما يحصل عادة من التعامل مع الاسباب حتى لغير المؤمنين بالله تعالى ، والسبب أن الاسباب المادية التي أقيم عليها الكون لجميع الخلق للمؤمن وغيره وهذا من لطف الخالق بالخلق ، ولو كان غير ذلك لكان إيمان الخلق جبرا وليس اختيارا ، إذ لا يمكنه ان يروي عطشه أو يزرع زرعه إلا بعد الايمان بالله تعالى ، فيقع الإيمان منه جبرا ليتمكن من العيش ، والله تعالى بحكمته يريد من الخلق أن تات اليه طوعا لا جبرا .
فالاسباب المادية متاحة للجميع { علم الإنسان ما لم يعلم } ، أما الاسباب المعنوية المرتبطة بالخالق سبحانه فهي للمؤمن فقط .
رابعا : المطلوب من المؤمن أن يستعين بالاسباب المعنوية والمادية ، والشريعة لم تجعل بينهما تضاربا أو تناقضا ، لان الذي خلق السبب الاول هو سبحانه تعالى ، الذي خلق الثاني.
لذلك أمرنا بالأخذ بالاثنين المعنوي والمادي ، وهذا معنى حديث النبي ” اعقلها وتوكل ” أي إن التوكل وهو السبب المعنوي لا يتناقض مع ربط الدابة وهو سبب مادي .
فالمشكلة عندما يريد ضعاف العقل ان يجعلوا تناقضا بين الامر المعنوي والمادي .
فيرون بأن اغلاق المساجد في انتشار الأوبئة هي هزيمة للمؤمنين ، والمؤمنون يرون انتشار الفايروس في بلاد الغرب وعدم قدرتهم السيطرة عليه هزيمة للتكنولوجيا وهكذا ..
وعلينا أن نعلم أننا عندما نغلق المساجد في حال انتشار الأوبئة لا يتناقض مع إيماننا بالدعاء والصلوات بل هو عين الاعتماد على الله الذي خلق لنا الاسباب المادية والمعنوية وأمرنا بالتعامل معها تلك بعمارة القلب وهذه بعمارة الأرض ، والأرض والقلب في قبضة الله تعالى .
لذا طلب الله تعالى منا في حالة الجهاد في سبيله الإعداد المادي ، والمعنوي بالإكثار من ذكر الله تعالى ، والاحكام الشرعية مرتبطة بالقلب والارض ، فالحج من شرطه القدرة المادية ، والزكاة والصيام والصلاة وهكذا ، لم تفرق الشريعة بين السببين ، تفريق تناقض كما يتوهم بعضهم .
صور من تعامله عليه الصلاة والسلام مع الأسباب المادية والمعنوية والجمع بينهما :
قوله تعالى { خذوا زينتكم عند كل مسجد } جمع الله تعالى في العبادة بين الأسباب المادية والمعنوية ، أرجو أن نقف مع هذا النص القرآني وغيره من النصوص للتعرف على الجمع بين الأسباب المعنوية والمادية .
أولا : “صلوا في رحالكم ” لا تنقطع الصلاة وهي من الأسباب المعنوية ، ولكن مع دفع المشقة عن العباد .
ثانيا : ” كان من هديه غسل يديه . ” عليه الصلاة والسلام
ثالثا : الوضوء ، مع أنك تقبل على أمر معنوي وهي الصلاة ، وغيرها من الاغتسال .
رابعا : قوله عليه الصلاة والسلام : ” وفر من المجذوم فرارك من الأسد ”
خامسا : عندما جاءه عليه الصلاة و السلام وفد ثقيف ومعهم رجل مجذوم يريد مبايعة النبي عليه الصلاة والسلام فقال : ” إنا قد بايعناك فارجع ”
سادسا : لمن يقدم الى الصلاة وهي من الأسباب المعنوية منعه من التلبس بالأذى كرائحة الفم ، ونهاه عن التقرب الى المسجد .
سابعا وقوله عليه الصلاة والسلام :” وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ”
ولو أردت تتبع النصوص والروايات لوجدنا الكثير الكثير من النصوص والروايات التي تجمع بين الأسباب المعنوية والمادية دون أن تحدث بينهما تناقضا أو تنافرا .
إن عبادة الله تعالى في كل لحظة لا تتوقف على زمان ومكان ، فسيدنا يونس عليه السلام تحققت فيه العبودية في بطن الحوت ، وكذا سيدنا إبراهيم تحقق بالعبودية في النار التي صنعت له ، وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وهو عين العبودية ظهرت فيه وهو الغار .
فالعبودية لا ترتبط حقيقتها بالأرض وإنما بالقلب ، فإن الله تعالى أنزل الشريعة وجعل لها محلا للتطبيق وهي الارض ولا بد للشريعة أن تجمع بين الأرض والسماء .
*متخصص بالفلسفة والعقيدة الإسلامية / الأردن





