الأستاذ بدري بن منور المدني ..
* بطون المسلمين أولى من كسوة الكعبة
* من مقاصد الإسلام سلامة العقل والبدن أولى من العبادات القاصرة …
قيل للفاروق عمر رضي الله عنه
يا أمير المؤمنين ألا تكسو الكعبة بالحرير ؟
فقال سيّدنا عمر رضي الله عنه : بطون المسلمين أولى..
الأكيد أنّ العنوان سيصدم الكثيرين ..ولكني أقصده ..وأعي ما أكتب.. وما أقول .. ولنكن شجعاناً ونتحدّث عن مشكلة أصلية نعيشها ..
كلّ التونسيين – مع يقينهم بالدور الريادي للتعليم وحقهم فيه – شاهدوا ما بلغته مدارسنا في بناها وقاعاتها وشبابيكها من حالة مزرية حدّ التقزّز سواء في المناطق الحضرية أما في الأرياف فالحالة تفوق الوصف ..وكيف يعاني تلاميذ وإطارات هذه المدارس من البرد والحر وغياب أبسط المرافق والتجهيزات للنهل من العلم والتربية حتى بلغ الأمر حدّ شرب المياه المتعفنة من الصهاريج…
كل التونسيين – مع يقينهم بأنّ الصحة أوكد الإحتياجات والحقوق – يعلمون حال مستشفياتنا حتى الكبرى منها من حيث انعدام التجهيزات وعدم توفر الأدوية وغياب أبسط الضرورات الطبية ..ويعرفون كم مريضاً لم يجد سريراً وهو بأمسّ الحاجة إليه؟ ويعرفون كم مريضاً احتاج إلى غسيل للكلى وعانى الأمرّين ليجد موعداً؟وكم من المرضى الذين يرهقهم البحث عن علاج أو عن دواء ولم يجدوه ؟ ويعرف التونسيون المئات من هذه النماذج.
كلّ التونسيين – مع يقينهم أنهم أهل عطاء وخير وبر – يعلمون ما أضحت عليه تكاليف فريضة الحج من غلاء – وهي فرض عين على المستطيع ماليا وبدنيا – ونفر كثير منهم يتنافسون من أجل أداء المناسك وتكرارها وتكاليف العمرة – وهي سنّة مؤكّدة مرة في العمر- وما صاحبتها من إشكاليات عدة وشروط مجحفة …والآلاف منهم يكلفون أنفسهم عناء ومشقة تكرار العمرات وضخّ أموال طائلة …
كل التونسيين يعلمون أن عدد الجوامع في بلادنا ناهزت ال 5000 وأنها قد يمتلئ بعضها بروادها أيام صلاة الجمعة وفي الأعياد وفي شهر رمضان أمّا في بقية الصلوات فالنزر قليل …وعدد كبير من الميسورين يتنافسون في زيادة بناء الجوامع – والمساجد هي بيوت الله وفضل بنائها عظيم لكن تحوّل بناؤها أحياناً إلى موضوع مزايدة وتفاخر. – فيهم المرائين الذين ينفقون المليارات من أجل أن يقول الناس إنّ فلان بنى جامع وفيهم الصادقين وهم قلّة …
نحن أمام ترتيب الأوليات وضبط أسبقية الاحتياجات ..الحج والعمرة من العبادات وبناء الجوامع كذلك من وسائل البرّ والقربات ..هذا لا شك فيه ولا جدال ..وبناء المدارس وإصلاحها وتأثيثها وإنقاذ الأجيال الصغيرة من الجهل وتنوير عقولهم بالمعارف ..وتزويد المستشفيات بالأجهزة والأدوية وإيجاد ظروف ملائمة لضمان الصحة للجميع ..من أوكد الأوليات وأولى الحقوق والطلبات..هذا لا شك فيه ولا جدال أيضا ..
لذا ليسأل كلّ منّا نفسه أيهما أولى أن تضخ الأموال في بناء المساجد والعمرات والحج أم في بناء المدارس والمستشفيات وتجهيزها بكل لوازمها ؟؟؟؟
الإجابة جلية وواضحة .. تونس لا تنقصها المساجد.. هناك فائض في المساجد.بل تونس تنقصها المدارس والمستشفيات ..لذا فإنّ مسألة التسابق من أجل بناء الجوامع هي من أبواب البرّ والعمل التطوعي و كلّ عمل تطوعي لابدّ أن يتوفر عليه شرطان أولهما: أن يكون المجتمع محتاجاً إليه، والثاني: أن يُحب المتبرّع ما تبرّع به، والله تعالى يقول: “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون”. والإنفاق مما نحبّ دليل زكاء النفس وقوتها وكرمها..وعليه أصبحت الحاجة الطبية والتعليمية ملحة أكثر من بناء الجوامع . فإننا لم نجد يوماً مصليا لم يجد مكاناً في المسجد ليصلي فيه، لكننا يومياً نسمع آهات المرضى وهم يبحثون عن سرير يؤويهم،أو دواء يخفف ألامهم ..ويوميا نرى مسجداً ضخماً لا يصلي فيه إلا صفٌ واحد وقد بلغت تكلفته ملايين الدينارت…
فإننا لو أعملنا مقاصد الشريعة ونظرنا فيها حقيقة لاكتشفنا أنّ بناء المستشفى أولى دينياً ودنيوياً من بناء المساجد حالياً. فحاجاتنا الشخصية والمجتمعية والصحية والفكرية تملي علينا أن نعوّض اتجاهنا من التبرّع لبناء المساجد أو تكرار الحج والعمرة بتطوير قناعاتنا وقنواتنا التطوعية وأن لا نخف من التغيير والتطور في تنويع قنوات البذل والتبرّع باتجاه بناء وإصلاح وتجهيز المؤسسات الإستشفائية والتعليمية ..وجود البذرة الصالحة للبذل والعطاء لدى التونسيين أمر معلوم ومحمود لكن يمكن توجيهها الوجهة السليمة وفق الاحتياج والمصالح العامة ..قد يظن البعض ممن فكرهم ضيّق وفي هوجة وباء التعصب والاحتقان الديني المتفشي اليوم، أني بهذه الدعوة ضد العبادات أو دور العبادة ..وهذا موقف مضحك ومحدود يتنافى والمقاصد الكبرى لهذا الدين العظيم ..فما أدعو إليه هو محاولة توجيه العمل التعبدي –حجا كان أو عمرة – وجميع أنواع الأعمال الخيرية إلى ما ينفع عبر تنويع مساراته تجنبا للتضييق في مجالات العمل الخيري، وكذلك في فهمنا للدين وتضييقنا على أنفسنا واختيار زاوية صغيرة جداً للإسهام بما تجود به أنفس الناس والاقتصار عليها..
وبالعودة الى أعلى المقال تستقبلنا قولة الفاروق سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه حين قيل له ..يا أمير المؤمنين ألا تكسو الكعبة بالحرير ؟ أنظروا بماذا أجاب
فقال سيدنا عمر رضي الله عنه : بطون المسلمين أولى..
يعني أن الكعبة لا تحتاج إلى الكسوة بقدر احتياج المسلمين للعمل والإنتاج والأكل والصحة والدورة الاقتصادية ..
وتستقبلنا في خاتمة المقال موقف عبد الله بن المبارك عندما ذهب إلى الحج، وفي الطريق رأى امرأة تأكل ميتة، فأعطاها ما معه من مال، وقال: هذا أفضل من حجنا..وعاد ولم يحج لأن حق المرأة في الأكل واحتياجها للمال أكبر من حج ابن مبارك وما أدراك ..
ونختم بما قاله العلامة ابن عاشور الإمام الأكبر للفكر المقاصدي في كتابه “مقاصد الشريعة ” ” إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع . استبان لنا من كليات دلائلها ، ومن جزئياتها المستقرة أن المقصد العام من التشريع فيما هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه ، وهو نوع الإنسان ويشمل صلاحه صلاح عقله ، وصلاح عمله ، وصلاح مابين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه “
هذه صور ناصعة من مواقف رجال الاسلام الذين يرتّبون الأولويات ويقدمون الضروري على غيره فالمدارس في أحسن حالاتها وأقوم ظروفها تبني البلاد والعباد ..والمستشفيات بتجهيزاتها وأدويتها تستقيم عبرها الأبدان ..وبهذا وذاك تبنى المساجد وتقام العبادات وتؤدى المناسك والأحكام ..





