الفهم الخاطيء لحديث “لخلوف فم الصائم”

إيطاليا تلغراف

 

الشيخ الدكتور بدري المداني

من الأحاديث السارية والسائدة والمتكرّرة عندما يحلّ كلّ شهر رمضان المبارك ما رواه البخاري عن سيّدي رسول الله عليه الصلاة والسلام “وَالّذِى ‏نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسكِ، ‏لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفرَحُهُمَا إِذَا أَفطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ ‏بِصَومِهِ”.‏
ومن الفهم السائد والمتكرّر أنّ المعنى العام لهذا الحديث يتنزّل في إعتبار الرائحة الكريهة التي تخرج من فم الصائم أطيب من المسك وبالتالي فكأنّ الإسلام يدعو لعدم نظافة الفم والأسنان ويدعو إلى أن يبقى المسلم كريه الرائحة وعليه فسنحاول تصحيح الالتباسات والأخطاء الواردة في نطق وفهم هذا الحديث المشهور :
*1* الخطأ الأوّل : في قراءة الحديث ونطقه فالأغلبيّة من الأئمّة والشيوخ فضلا عن العامة ينطقون خطأ فتسمعهم يقولون “لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ” يفتحون حرف الخاء ومعنى الخَلُوفُ بِفَتْحِ الْخَاءِ هو المُخَلّف هو المتروك في المكان يقول تعالى ” فخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا” سورة مريم :59 ويقول تعالى ” رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ” سورة التوبة87 فالخلوف بفتح الخاء صفة ذمّ لكلّ من تخلّف شعوبا أو أفرادا والخوالف هم المنافقون والمعذرون والمخلفون الذين تخلفوا عن الجهاد والخروج في سبيل الله مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ…والصواب قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ ” بِضَمِّ الْخَاءِ وهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ أما قولهم بِفَتْحِ الْخَاءِ فهُوَ خَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ..وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّ الضَّمَّ هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْغَرِيبِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَا يَجُوزُ فَتْحُ الْخَاءِ.ومعنى خُلُوفُ تغيّر رائحة الفم بسبب ترك الطعام أثناء الصيام‏.
*2*الخطأ الثاني : هو فهم البعض من خلال قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم “أطيب عند الله من ريح المسك” وكأنّ له حاسة شمّ مثل المخلوقات لذلك يستطيب رائحة فم الصائم وهذا يتعارض مع أنّ الله سبحانه وتعالى منزّه عن استطابة الروائح، إذ صفة ‏الشمّ وسائر الحواسّ الخمس من صفات المخلوق، فالله وصف نفسه ‏فقال “ولم يكن له كفواً أحد” أي لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شىء.‏وقال الإمام الكبير المازري وهو من أئمة المالكية إن ذلك مجاز والمعنى أنه ‏أطيب عند الله من ريح المسك عندكم، أي أن أثر ذلك من الصيام ‏يقرّب إلى الله القرب المعنوي أكثر من تقريب المسك إليكم، وقيل ‏المراد أن ذلك فى حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر ‏مما يستطيبون ريح المسك.‏ وقيل المراد أن الله تعالى يجزيه فى الآخرة فتكون نكهته أطيب من ‏ريح المسك حكاه القاضي عياض.‏.وحاصل ذلك حمل معنى الطيب على القبول والرضا وليس ‏أن الله موصوف بالشمّ والعياذ بالله باتفاق العلماء حكاه ابن حجر في ‏شرح البخاري.‏..وقال البغوى معناه الثناء على الصائم والرضا بفعله، وبنحو ذلك ‏قال القدورى من الحنفية والداودي وابن العربي من المالكية وأبو ‏بكر بن السمعاني وغيره من الشافعية، جزموا كلّهم بأنه عبارة عن ‏الرضا والقبول.‏..وما نقله ابن حجر العسقلاني من اتفاق العلماء على تنزيه الله عن ‏استطابة الروائح فهو من تنزيه الله تعالى عن حاسة الشمّ وسائر ‏الحواسّ لأنّ ذلك من صفات المخلوقين، وهذا إجماع أهل العلم.

*3* الخطأ الثالث : هو بناء أحكام و إنشاء واقع ترتبت عليه أحكام فقهية خطأ وكلّها تتعلّق بالصيام. كحرمة أو كراهة استخدام السواك ومعجون الأسنان والعطور في نهار رمضان باعتبار أنّ هذه الروائح تفسد رائحة محبّبة إلى الله جل علاه.

ونخلص لتصحيح هذه الأخطاء في فهم معنى “لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ” إلى أنّ عبادة الصوم عبادة فريدة من نوعها، سواء في طريقة إتيانها أم في تحصيل ثوابها، أما في طريقة إتيانها فهي عبادة سلبية، بمعنى أنها تقوم على المنع والكف والحبس..ونخلص إلى أنّ الحديث هُوَ مَجَازٌ وَاسْتِعَارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ جَرَتْ عَادَتْنَا بِتَقْرِيبِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ مِنَّا فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ مِنْ الصَّوْمِ لِتَقْرِيبِهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى .. فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ عِنْدَكُمْ أَيْ إنَّهُ يُقَرِّبُ إلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ تَقْرِيبِ الْمِسْكِ إلَيْكُمْ.وعليه فيكون مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجْزِيهِ فِي الْآخِرَةِ حَتَّى تَكُونَ نَكْهَتُهُ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ فالصائم صومه مستور عن مشاهدة الخلق لا تدركه حواسهم ولذا فالله تعالى يستطيب رائحة الصوم ولا يستطيب رائحة كريهة تخرج من فمّ الصائم ..والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام ، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور ،وبطنه عن الطعام والشراب ، وفرجه عن الرفث . فإن تكلّم لم يتكلّم بما يجرح صومه ، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه ،فيخرج كلامه كلّه نافعاً صالحاً ، وكذلك أعماله فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها من جَالسَ حامل المسك ، كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم. هذا هو الصوم المشروع لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام وصوم البطن عن الشراب والطعام ، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته ، فتصيره بمنزلة من لم يصم .

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...