اندماج وتكامل مغاربة العالم في الغرب وآفاق جسر التواصل مع المغرب

إيطاليا تلغراف

 

 

لخضر لكراد*

في الغرب يستخدم مصطلح الاندماج والتكامل بعدة طرق. نفهم منه ما يلي: العملية التي يصبح من خلالها المهاجرون، ولا سيما أحفادهم، أي الجيل الثاني والأجيال اللاحقة، أشبه بالسكان المحيطين بهم فيتحسن وضعهم الاجتماعي والاقتصادي: وظائف أفضل، تعليم أفضل، سكن أفضل. ويتضح ذلك من الزيجات المختلطة والصداقات خارج المجموعة العرقية الأصلية ويصبحون أعضاء في النوادي والجمعيات والأحزاب التي ينتمي إليها أيضًا الأصليون الآخرون.
قد تؤدي عملية الإنطواء من حين لآخر إلى تكوين الأقليات داخل المجتمع الغربي. يحدث هذا فقط إذا كان المجتمع بعد ثلاثة أجيال لا يزال ينظر إلى أحفاد المهاجرين على أنهم مختلفون وما زالوا يعتبرون أنفسهم أيضًا مجموعة عرقية منفصلة. يرتبط موقف ووضع الأقلية هذا بالعيوب الهيكلية اجتماعيًا واقتصاديًا. في الماضي، حدث ذلك لما يسمى بمجموعات الغجر ويهود أوروبا الشرقية الذين قدموا إلى الغرب خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.
حاليا، يبدو أن بعض أحفاد المهاجرين هم في وضع الأقلية. ورغم ذلك لا يزال الوقت مبكراً لإصدار حكم نهائي.
التكامل: الهيكل والهوية
عندما يصل المهاجرون إلى بلد جديد، فإنهم عادة ما يختلفون عن السكان المقيمين في عدد من النواحي فيمكن التمييز هنا بين البنية والهوية. أعني بالهيكل: الجوانب المتعلقة بالوضع الاجتماعي والاقتصادي للمهاجرين. ويمكن قياس ذلك على أساس وضع المجموعة في سوق العمل والتعليم وسوق الإسكان. يبدأ المهاجرون عمومًا بالتخلف عن جميع هذه المجالات، وكثيراً ما يكونون أفقر ويعملون في مهن لا تتطلب الكثير من التدريب ويسكنون في الأحياء الأكثر فقراً ويقل أداء الأطفال في المدرسة عن أقرانهم الغربيين.
الهوية- Identity
تتعلق الهوية بمدى ارتباط الأشخاص بمجتمع جديد أو مع مجموعتهم الخاصة. هذا الأمر يتعلق بمن يتزوج الشخص وتكوين دائرة الأصدقاء وعضوية الجمعيات وأيضا حول الاتصالات مع بلد المنشأ. في البداية، يتزوج المهاجرون دائمًا تقريبًا فيما بينهم ويتم البحث عن أصدقائهم بشكل رئيسي في دوائرهم الخاصة. هناك أيضًا حاجة لروابط خاصة واتصالات مكثفة أو غير منتظمة مع بلد المنشأ. ففي الستينات والسبعينات اعتاد المهاجرون المغاربة على كتابة الكثير من الرسائل أو إرسال الأشرطة المسجلة، وفي الوقت الحاضر يتم الحفاظ على الكثير من العلاقات العائلية عبر المكالمات والبريد الإلكتروني. ولازال الكثيرون محافظون على العلاقات “الوطنية”، أي الاتصالات عبر الحدود، فيتم التعبير عنها بإرسال الأموال إلى أفراد الأسرة والاستثمار في العقارات وزيارة وطن المشأ بشكل منتظم.
عملية التكامل: الاستحواذ والتعيين
يتم تحديد نتائج عملية الاندماج من خلال خصائص المهاجرين أنفسهم والمجتمع المضيف. تعتبر الأمية من العيوب في دولة عالية المعرفة بالقراءة والكتابة، فيما تعتبر المهارات الفنية واليدوية ميزة. ألخص هذه الخصائص بمصطلح “رأس المال البشري”: المهارات والمواهب والتعليم. كلما كان المغاربة يسكنون في مدن كبرى، كلما يجدون بسرعة مكانهم في المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، لديهم “رأس مال ثقافي” مثل شبكاتهم وروابطهم العائلية والدين. عادة ما تلتزم المجموعات التي لها ديانة أخرى غير ديانة البلد المضيف في بلد ما – مثلا اليهودية في القرن السادس عشر أو الإسلام والهندوسية في الآونة الأخيرة – بهويتها الخاصة لفترة أطول. وينعكس هذا في الزيجات والصداقات المتبادلة، وفي الجمعيات الخاصة أو المنظمات الذاتية.
تعيين الوظيفة Position assignment
لا يتحدد الشغل أو المنصب بشكل كبير من خلال الأفراد، ولكن بشكل رئيسي من خلال سلوك الحكومة وسلوك المؤسسات الاجتماعية. وغني عن القول وبصراحة فإن الموقف الإيجابي للمجتمع تجاه الهجرة يبدو أكثر إيجابية من مزاج الحكومات. لكن موقف الوافد الجديد يتم تحديده بشكل أساسي من خلال الحكومة فيما يتعلق بالتشريعات المتعلقة بالقبول وسن القوانين ومن خلال التدابير التي اتخذتها الحكومات لتعزيز التكامل والإندماج. موقف المجتمع المدني كان مهما أيضا. ففي القرون السابقة، كان بإمكان النقابات وبسهولة قبول أو رفض المهاجرين، كما كان الحال مع اليهود. كان يمكن للنقابات أن تتجاهل المهاجرين أو تدافع عنهم. كما كان يمكن للكنائس أن تساعد “الرفقاء المؤمنين” من أماكن أخرى مثل المعابد والكنائس اللوثرية والكنائس الوالونية في السابق وما تقوم به جمعيات المساجد الآن. والشيء نفسه ينطبق على مساعدة الكنائس المسيحية للاجئين.
نتائج عملية التكامل
الإندماج أو التكامل له العديد من الجوانب، لذلك من الممكن تحقيق نتائج متعددة. فيندمج بعض المهاجرين بسرعة على المستوى الهيكلي، ولكن في نفس الوقت يظلون مرتبطين وبقوة بثقافتهم الخاصة. وهذا ينطبق، على سبيل المثال، على الصينيين والهندوس. ومن الأمثلة في الماضي البعيد، نسل الهوغونوت الناطقين بالفرنسية، الذين حافظوا على الاستخدام المتبادل للغة الفرنسية لأكثر من ثلاثة أجيال ويظهر هذا هذا مرئيًا في كنيسة الوالوني مثلهم أيضًا أحفاد المهاجرين اليهود الذين تمسكوا أيضًا بإيمان الأسلاف وعادات معيّنة راافقتهم، مثل “السبت”. يبدو أن شيئاً مماثلاً يحدث الآن لأحفاد المهاجرين الذين يعتنقون الديانة الإسلامية.
ما يحدث أيضًا هو أن أحفاد المهاجرين لا يقومون بعمل اجتماعي اقتصادي جيد على الإطلاق، لكنهم يفقدون عرقهم بمرور الوقت مثل ما حدث للمهاجرين الاسكندنافيين الفقراء في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ولهذا ليس من السهل الإدلاء ببيانات عامة حول الاندماج – فغالبًا ما تكون الصورة مختلطة. هذا يعني أن أحفاد المهاجرين (الجيل الثالث) يندمجون بشكل كبير أو كامل اي ينصهرون في المجتمع المحيط. فعندما لا يمكن تمييزهم عن بقية السكان بأي شكل من الأشكال ولا يرون أنفسهم مختلفين، نتحدث عن “الاستيعاب” أو “الإنصهار”. تم استيعاب الغالبية العظمى من المهاجرين الذين جاءوا إلى أوروبا في نهاية المطاف. فأصبح أغلبية أحفادهم لا يتذكرون أحفادهم أنهم ينحدرون من أصل مهاجر.
مدة عملية التكامل بأكملها تستغرق عدة أجيال، عادةً من ثلاثة إلى أربعة أجيال. فالصعود الاقتصادي أي الحصول على مراتب في محترمة في المجتنع يستغرق وقتًا غالبًا ما يمر بوظائف مختلفة أساسه تعلم وإتقان اللغة ابتداء من الجيل الثاني. من حيث المبدأ، فإن الأحفاد قادرون على الاستفادة الكاملة من الإمكانيات التي يوفرها النظام المدرسي الوطني. فعندما يتم الوصول إلى المساواة الاقتصادية والاجتماعية، عادة ما تنشأ المزيد من الزيجات المختلطة. على الرغم من أنه قد تكون هناك أيضًا (المعتقدات الدينية) والتقاليد العائلية التي تعارض ذلك.
الجالية والوطنية الموسمية
وصل مغاربة العالم إلى الجيل الرابع في الغرب. ويلاحظ قصور في سياسة الدولة من أجل تعزيز الارتباط بالوطن بعدم اتباع سياسة التواصل مع الأجيال الصاعدة بالغرب فقط عبر مشاريع موسمية محتشمة ومحاولات يائسة منها الرهان فقط على الجانب الثقافي لتقوية الارتباط بالوطن‎.
لكن يتم تغييب الأكاديميين بالمهجر للنهوض بالفكر المغربي وقضاياه المختلفة اقتصاديا وعلميا وثقافيا واجتماعيا. لخلق جسر من التواصل بين الأكاديميين بالوطن ونظرائهم بالمغرب.  
في السنوات الأخيرة، برزت فئة كبيرة من مغاربة الشتات فرضوا أنفسهم سياسيا واقتصاديا وأكاديميا وإعلاميا.. باستطاعتهم تقديم بحوث علمية وأوراق عمل للوطن لتميزهم بتنوع مشاربهم الفكرية والعلمية يتوزعون على أماكن ودول مختلفة بالعالم.
جسر للتواصل
يستغرب العديدون من مغاربة العالم بصفتي مهتما بقضاياهم، عدم بحث المغرب طرق التعاون بينه وبين خيرة أبنائه الأكاديميين في الخارج، وعدم السعي لتشكيل جسم يتولى عملية إنشاء جسر للتواصل عبر هيئة أو رابطة.. يمكن أن تنظم شملهم لكي يوحدوا جهودهم وينسقوا فيما بينهم لخدمة بلد المنشأ المغرب، وقضيته الوطنية والمؤسسات الأكاديمية بالوطن، بل يتم تقديم عناصر بالمحاباة تدافع عن بعض المسؤولين الفاسدين المكلفين بالمهاجرين، وجوه لا يهمها إلا منح وتذاكر للطائرة (ريحتهم اعطات). سياسة الإقصاء والتهميش سيكون لها تداعيات من انقسام لا يعالج بنظرة تدعو للإصلاح، علما أن الأكاديميين بالخارج يمتلكون رؤاهم وأفكارهم وثقلهم السياسي.
للأسف يغيب التواصل بين الجاليات المغربية بدول اغترابها والوطن نتيجة لحالة الانغلاق والتهميش التي يعيشونها، والمغالطات بطبيعة العلاقة مع الوطن يساهم فيه عدم تفعيل دستور 2011 بفصوله 16 و17 و 18.. الداعون لمواطنة كاملة لمغاربة العالم.
توحيد الجهود والتنسيق بدل الزبونية
قبل سنوات شاركت في مؤتمرات للجالية بالرباط، ودعونا مرارا إلى آلية لتنظيم عمل الجالية المغربية بالخارج هدفه الذي بدوره يسهم في تحقيق التوازن الإجتماعي والثقافي والسياسي والوطني، وأيضًا تحقيق الارتباط فيما بين المغاربة بالخارج والوطن في كافة المجالات وليست العمالية أو التجارية فقط. لكن للأسف، لا حياة لمن تنادي في الرباط! قدمنا رؤية تنظيمية وبلورة رؤية لوزارة الهجرة ولكن الوعود تتبخر من وزير لآخر لإنتمائه لحزب ما مما يجعله يخدم رفاقه من الجالية فترة ولايته بالمحاباة الحزبية عوض الجالية وآمالها عموما.
الحلول والآفاق
إن تنظيم معاناتنا في الخارج من شأنه أن يساعد على توسيع مفهوم المشاركة السياسية للمغاربة بالخارج في صورة تنموية واجتماعية وثقافية، فالأولى أن يكون المسمى للجالية المغربية بعناصرها، من رئيس وأمين عام وممثل إعلامي وممثل ثقافي، معروفا للدولة المغربية في حالة التواصل مع أجهزتها الرسمية.
أشدد على أن الهدف الأهم من وضع هكذا آلية تنظيمية، هو القضاء على الازدواجية أو تعارض المصالح مع أهداف الدولة أو أن يكون المتحدث ينسب إلى نفسه أنه ممثل للجالية المغربية، وبالتالي فإن المغاربة بالخارج هم من سيختارون هذا الكيان القانوني ويتم اعتماده بعدها من الحكومة المغربية، وسيكون هذا الكيان هو أسرع وسيلة للتواصل بشكل يجسد نموذجًا مشرفًا للدبلوماسية الموازية التي نصبو إليها، علاوة على أن ذلك من مقتضيات الأمن القومي المغربي مثل كافة الدول التي طبقت عدة آليات منظمة لمواطنيها خارج بلدانهم حتى تشعرهم بالأمان والرعاية.
التواصل لغة العصر
لا حل للاشكاليات المعروفة منذ سنوات الا في التواصل مع الجالية وتنويع وتكثيف الياته بما يعزز ارتباط الاجيال الجديدة للهجرة بالمغرب من خلال تكثيف دروس اللغة العربية والتعريف بالثقافة المغربية وخلق فرص للالتقاء والتواصل مع الاجيال الجديدة للهجرة 
 عبرت الجالية مرارا على استعدادها لمساعدة المغرب بخبراتها وفتح باب الاستثمار والاستفادة منهم ومن خبراتهم في جميع الميادين..
مؤسسة الجالية هو عمل لخدمة الجالية. عليها أن تعمل بالتواصل لا بالشعارات والمحاباة التي لا تخفى عن كل متتبع لشؤونها وعلاقاتها. لتبني جسرا للتواصل مادام الجيل الأول والثاني لايزالان يؤمنان بتأدية خدمات للوطن، لأن هناك شعور وإيمانا لديهم بأن الإنسان يخدم وطنه يخدم أهله. إذن على الدولة المغربية -في تقديري- أن تحاول الاستفادة قدر الإمكان من هذه الثروة المتاحة لها في الخارج.
المقال جزء من مشاركة -مؤسسة B4PEACE – بهولندا لمحاضرة بمناسبة مرور 50 سنة على هجرة المغاربة.

إعلامي مقيم بهولندا*

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...