د. عثمان بوطسان*
للحديث عن أي أدب كيفما نوعه، يجب أولا الرجوع إلى سياقه التاريخي والاجتماعي لتحديد أسباب وظروف نشأته. وعند الحديث عن أدب أفغانستان المعاصر، فإننا نتحدث عن أدب يعكس في مواضيعه وتمثلاته السياق التاريخي واللغوي والثقافي لحقبة زمنية اتسمت بمجموعة من الأحداث السياسية والاجتماعية المأساوية. فهذا السياق المضطرب والمتضارب، دفع بمجموعة من الفنانين والكتاب إلى مغادرة البلاد، بحثا عن حرية التعبير وكرامة العيش، بعيدا عن العنف والتعذيب والتعصب بكل ألوانه. فهذا الأدب حديث النشأة و الغير معروف كثيرا لدى القارئ العربي والعالمي، هو في الأساس ثمرة المقاومة ضد الفكر الظلامي المتعصب. لمعارضة القيم التي كان يفرضها نظام طالبان على المجتمع، دعا الكتاب الأفغان من خلال كتاباتهم إلى التفكير في التراث الأفغاني الذي كان في خطر لسنوات عديدة. فالأدب الأفغاني ربما كان الأمل الوحيد للتعبير عن الرفض ومواجهة عنف الحرب بسلطة الكلمة.
جاء الأدب الأفغاني المعاصر كرد فعل على تدهور الأوضاع في أفغانستان منذ عام 1978، وتم التغاضي عنه في البداية لأن معظم الإنتاجات الأدبية لم تغادر أفغانستان بسبب الرقابة. وقد كانت فترة التدخل السوفيتي مناسبة للحديث لأول مرة عن “أدب المنفى”. فالكتَّاب والفنانون الذين اختاروا المغادرة إلى باكستان، إيران، أوروبا أو أمريكا، أخذوا معهم انتاجاتهم وذكرياتهم عن هذا الماضي المظلم. تطور هذا الأدب بشكل ملحوظ خارج أفغانستان، خاصة في باكستان وإيران، نظرا للقرب الجغرافي واللغة المشتركة (الفارسية). كانت الأحداث السياسية الأخرى من بين عوامل ظهور هذا الأدب، بما في ذلك وصول طالبان إلى السلطة، والتي عملت على تدمير المجتمع وإفراغه من ثقافته من أجل إرساء ثقافة ظلامية مبنية على التطبيق الأعمى والصارم للشريعة الدينية. فبحسب لطيف بيدرام وهو واحد من كبار المثقفين الأفغان، عملت حركة طالبان على منع الفن والتصدي لجميع مظاهره، الشيء الذي أجبر الفنانين على البحث عن مكان آخر للتعبير عن أنفسهم بحرية.
وبصرف النظر عن الانقسام الديني الكبير، يجب أن نذكر أن أفغانستان تتميز أيضًا بتنوعها العرقي واللغوي. تشترك اثني عشر جماعة عرقية في جغرافيتها مع استخدام لغتين رسميتين : الباشتو والداري. يشير رافان فرهادي، الى أنه داخل الحدود الأفغانية ، تُستخدم اثنتين وثلاثين لغة مختلفة، اثنا عشر منها يتم التحدث بها فقط في أفغانستان. وقد كتب في هذا الصدد أنه “بالنسبة للباحث الذي يدرس تاريخ لغات القارة الآسيوية، فإن أفغانستان هي بمثابة جنة – إنها بداية ونهاية كل شيء.” وبنفس المعنى، أظهر أوليفر رُوا في كتابه بحثًا عن الشرق المفقود، أن أفغانستان تشكل جنة لعلماء الأنثروبولوجيا وألهمت أدبا أنثروبولوجيا رائعا يتسم بالدقة والعمق، مثل أدب ميشلين وبيير سينتليفر. ستؤثر هذه التعددية اللغوية والعرقية والدينية بشكل أكبر على الإنتاج الأدبي. غالبًا ما يميل الكتاب الأفغان الناطقين بالفرنسية أو بالإنجليزية إلى خلق نصوص ثنائية اللغة مبنية على هذا التعدد اللغوي من خلال إدخال الفارسية في كتاباتهم. يبرر الوجود المتكرر للغة الفارسية في النصوص المكتوبة باللغات الأجنبية الأهمية المعطاة للغة الأم. فهذه العملية ليست مجر إدخال لغوي بسيط، بل تعبير عن الانتماء الثقافي والجغرافي للبلد الأصل.
وقد كانت هذه التعددية العرقية أيضًا وراء ظهور الأدب الشعبي والفولكلوري المكتوب باللغات الفارسية (الداري والأوزبكية والباشتو). تعتبر الثروة العرقية واللغوية عاملا مهما في التنوع الأدبي الأفغاني. فقد خلق الأفغان أدبًا شهيرًا متمثلا في كتب الحرب الشعرية التي غالبًا ما كان أبطالها غير معروفين وذوي أصل شعبي. يعكس هؤلاء الأبطال الانتماء العرقي والتجربة الجماعية للتاريخ الحديث لأفغانستان. كما أنهم يعكسون قيم وتقاليد مجموعاتهم العرقية، بما في ذلك الصراع بين السنة والشيعة. فبحسب ميشيل وروبن بولتون، في أفغانستان تحتقر طائفة السنة الشيعيين الذين يخشونهم لسببين عرقيين وتاريخيين (غزوات الماضي) التي تتجاوز في أهميتها الخلاف الديني الأصلي. هذا الصراع العرقي موجود جدا في الأدب الأفغاني المعاصر، فهو يقدم عنصرًا مهمًا من الهوية الأفغانية، من تكوين المجتمع على المستوى اللغوي والثقافي. ولمعالجة قضية الكراهية والتعصب، ينسج الكتاب الأفغان رواياتهم في مساحة هذا الصراع. تعاني أفغانستان المعاصرة كثيرا من هذه الاحتجاجات وتعاني أيضا من مأساة مزدوجة (الحرب والصراع العرقي) مما يؤدي إلى تدمير تراثها الثقافي والتاريخي، وإغلاق جميع الأماكن الفنية وقمع الفكر الحديث. لذا، رفض الأدب الأفغاني المعاصر هذه الأشكال وأصبح سلاحا للمقاومة. يبتعد الكتاب الأفغان عن أرضهم حتى يتمكنوا من فضح هذا الواقع من خلال لغة وطنية أو أجنبية. يقدم هذا الأدب نفسه على أنه نتاج لتراث مشترك، ونتاج لمجتمع في حالة من الفوضى المستمرة، محاولا عكس الهوية المتفسخة والتاريخ السياسي والثقافي المتقلب، متصديا للحروب السياسية والحركات الظلامية.
بعد انقلاب نيسان 1978 بقيادة الحزب الديمقراطي و بمساعدة الإخوة السوفييت، كان المثقفون أول ضحايا الرقابة والقمع. وفقا للطيف بيدرام، كان استيلاء الحزب الشيوعي على السلطة بداية القضاء على كل شيء لا يتناسق مع أفكار الحزب الحاكم. فقد تم حرق وتدمير عدد كبير من الوثائق و الكتب التي كانت تعتبر “برجوازية”. من جانبه، شجع النظام الشيوعي أدبًا جديدًا يسمى ” Le Procletcult”. وقد كان هذا السبب الرئيسي لمغادرة الكتاب والفنانين والصحفيين لبلادهم. فقد أُفرغت أفغانستان من فنانيها منذ الستينيات، وهو شيء نما بشكل كبير منذ وصول طالبان إلى الحكم. لذلك، عمل المثقفون الأفغان وعلى رأسهم سيد بهاء الدين مجروح على إنشاء أماكن جديدة للمقاومة والتفكير والإنتاج الأدبي في الدول المجاورة كباكستان وإيران وفي الغرب (فرنسا، سويسرا، بريطانيا وأمريكا).
لقد حاول الأفغان محاربة الرقابة من خلال انتقاد هذه الأعمال التي تؤثر على حريتهم في التعبير وتدمر التراث الثقافي الأفغاني. تم نشر العديد من الصحف والمجلات الثقافية والسياسية والاجتماعية لأول مرة، بما في ذلك المجلات النسائية، والتي مثلت ثورة أدبية جديدة في تاريخ أفغانستان. في هذا السياق الثقافي المتناقض، سيعارض الكتاب الأفغان الثقافة التي فرضها السوفييت ونظام طالبان بأدب المقاومة، بالرغم من أن إيديولوجية الماركسية لا تعارض الفن والأدب، لكنها كانت تقبل فقط ما يمكن أن يكون في خدمة “البروليتاريا”. وهكذا كان يتم تعريف الفن بفائدته ويمكن أن يستقبله الجمهور بشرط احترام هذا الإطار. رفض الكتاب الأفغان هذه الشروط لأنها تحد من حريتهم وتجبرهم على الإنتاج في إطار محدود، الشيء الذي دفعهم إلى خلق أدب خاص بهم يقاومون من خلاله كل هذه العقبات ويعبرون عن صوتهم الرافض لكل أشكال التبعية الثقافية والفنية. خلال هذه الفترة، تم تداول الأعمال الروائية والشعرية في البلاد بطريقة سرية.
وهكذا قرأ الأفغان أعمالاً مثل الدموع والدماء و ليالي المنفى للشاعر والكاتب خليل الله خليلي. واصل الأدب الأفغاني المعاصر مقاومته خارج أفغانستان، خاصة في إيران، مستفيدًا من وجود قراء يتقاسمون نفس اللغة ونفس التاريخ. فضح الأدباء والشعراء الأفغان كل أعمال طالبان البربرية وممارساتها الظلامية في التطهير العرقي والديني. فالأدب الأفغاني مستوحى أيضا من الآداب الأخرى في العالم، وخاصة أدب المقاومة والمنفي.
شهد الأدب الأفغاني، وهو جزء مهم من الأدب الفارسي، لحظات مضطربة منذ نشأته. تأثر كثيرا بالأدب الإيراني، خاصة أعمال السعدي، حافظ، نظمي، عمر الخيام، صادق هدايت وغيرهم. لطالما قادت المواقف والمعتقدات الاجتماعية السياسية الشعبية الأدب الأفغاني نحو التطرق إلى المزيد من المواضيع الحساسة والمحرمة. بعيدًا عن الرؤية الكلاسيكية والمواضيع الغامضة والأساطير، فإن الأدب الأفغاني المعاصر أكثر اهتمامًا بالقضايا الحالية مثل الحرب والصراعات الدينية والانقسام العرقي و اللغوي والجسد ولغة الكتابة. يتعامل مع الأسئلة الوجودية التي تؤثر على الفرد الأفغاني بأكمله ويجعها محور اهتمامه. إن التغيرات التاريخية والسياسية المختلفة هي الأساس والمصدر الرئيسي لهذا الأدب. فالمواضيع مثل الوضع السياسي، مسألة المرأة، جحيم الحرب، التعصب الديني والعرقي، وكذلك المنفى ورمزية “أنا”، تشكل الوجه الحقيقي للكتابة الأفغانية. يروي الكتاب الأفغان من خلال تجاربهم الخاصة، من خلال جروحهم وذكرياتهم الموشومة، عمق المعاناة الوجودية. يعتبر سيد بهاء الدين مجروح الأب المؤسس لهذا الأدب في من خلال عمله الهائل الذي يتكون بشكل رئيسي من المؤلفات الشعرية والكتب المترجمة. نشر في عام 1972 عدة مجلدات بلغة الداري موسومة بــــــ “مسافر متجول” تروي قصة مسافر رفقة مواطنيه في المنفى، حيث يتبادلون الأفكار والقراءات حول العصور القديمة، المستنيرة بالعقل والمنطق والعلوم و التحليل النفسي. في أعمال الكتاب الأفغان مثل مجروح، خالد حسيني، عتيق رحيمي، زرياب وغيرهم، تشكل تجربة المنفى والحرب ذاك الجرح الموشوم الذي لا يغادر الذاكرة.
وهكذا يحتل المجتمع الأفغاني ومعاناته مكانًا أساسيًا في الأدب. يكشف انفجار الواقع واندماجه بالخيال عن بُعد روحي، عن علاقة إشكالية بين الكاتب وأرضه. فالكاتب الأفغاني على دراية بالثقافات المجاورة ويعرف جيدا تاريخ بلاده، الشيء الذي يمكنه من خلق كتابات متعددة القراءات والتفسيرات. فالكتاب مثل شيكيبة هاشمي، محمد داود ميراكي، محمد زمان خان، حميرا قادري، سلطان زاده … مرتبطون بشدة بأفغانستان. يمكننا أن نرى ذلك بوضوح في نصوصهم، التي لا تعيد التفكير في الهوية الأفغانية، والتي تتميز بالأصالة والحداثة ولا تخرج عن إطار هذه الذاكرة الموشومة.
باحث متخصص في الأدب الأفغاني المعاصر
جامعة عبد المالك السعدي، تطوان، المغرب.*





