جائحة كورونا وانعكاسها على سوق الشغل في المغرب

إيطاليا تلغراف

 

 

د. سعيد الغماز

 

العديد من القطاعات الاقتصادية في المغرب تأثرت بجائحة كورونا، لكن قوة هذا التأثير تختلف حسب القطاعات. وإذا كان تأثير كوفيد 19 ذو طبيعة سلبية وتراجعية على أغلب القطاعات الاقتصادية، فإن بعض التخصصات الإنتاجية لم تتأثر سلبا وإنما عرفت تطورا إيجابيا بل أكثر من ذلك استفادت من جائحة كورونا. على رأس هذه القطاعات التي لم تتضرر بالجائحة نجد الشركات التي تشتغل في المجال الرقمي كتلك المتخصصة في البرمجيات أو التي تُسير مراكز النداء والشركات التي تشتغل في مجال ذكاء الأعمال. فهذه التخصصات الإنتاجية عرف رقم معاملاتها ارتفاعا ملموسا كما أنها خلقت مناصب شغل عديدة في عز أزمة كورونا.

اندماج الاقتصاد المغربي في الاقتصاد العالمي جعله، في مجال الشغل يتضرر كما تضرر سوق الشغل عالميا. تقرير لمنظمة العمل الدولي يُفيد أن الجائحة تسببت في عطالة 25 مليون شخص وأن 1 من بين 6 أشخاص نشيطين هو خارج دائرة العمل، كما تقلص عدد ساعات العمل بحوالي 14%. أما القطاعات التي تضررت أكثر من الجائحة حسب نفس التقرير فنجد قطاع المطاعم والفنادق، قطاع التجارة والتصنيع وإدارة الأعمال. المغرب يدخل هو كذلك في دائرة أرقام تقرير منظمة العمل الدولية حيث يُفيد تقرير المندوبية السامية للتخطيط أن الاقتصاد الوطني سيتراجع في الفصل الثاني من هذه السنة بمعدل 13،8%، والنشاط الفلاحي سيعرف هو الآخر تراجعا بحوالي 6،1%، والقيمة المضافة دون الفلاحة ستتقلص هي الأخرى بحوالي 14،4%. وحسب نفس التقرير سيعرف الطلب الخارجي الموجه للمغرب انخفاضا يصل إلى 18% خلال الفصل الثاني من هذه السنة كنتيجة مباشرة لارتباط الاقتصاد الوطني بالاقتصاد العالمي. قطاعات كثيرة تضررت بالجائحة، وعلى رأس أكبر المتضررين نجد قطاع السياحة الذي توقف كليا عن الاشتغال وقطاع المطعمة والمقاهي والخدمات المرتبطة بالسياحة وكذلك الشركات المتخصصة في الاستيراد والتصدير التي وجدت نفسها في عطالة تقنية بسبب إغلاق الحدود سواء البرية أو الجوية أو البحرية، يليها قطاعات صناعية تضررت بشكل أقل نذكر على الخصوص مجال النسيج وصناعة المطاط والبلاستك. هذه الوضعية أثرت بشكل كبير على سوق الشغل في المغرب.

وتفيد دراسة حديثة قائمة على أساس متابعة عروض الشغل في جميع المنصات الخاصة بعروض العمل، أن سوق الشغل في المغرب عرف انطلاقة قوية في بداية السنة الجارية التي كانت ستكون بداية دخول المغرب في خط تصاعدي للشروع في تخفيف معدل البطالة في البلاد، إلا أن جائحة كرونا كسرت هذا الخط التصاعدي وجعلت المغرب يشرع في تطبيق مخطط الحفاظ على مناصب الشغل القائمة والتخلي عن البرامج الخاصة بامتصاص طلبات الشغل وتقليص حجم سوق البطالة. تفيد هذه الدراسة أن مناصب الشغل المُحدثة في القطاع الخاص ارتفعت بنسبة 57% في يناير الماضي قياسا لنفس الفترة في 2019. وفي فبراير بلغت هذه النسبة زيادة تقدر ب12% لتشرع هذه النسبة في التراجع بعد قرار الحجر الصحي حيث بلغت % 29- لتتراجع إلى مستوى قياسي شهر مارس لتبلغ %80- في أبريل الماضي.
تأثير الجائحة على عروض تشغيل المهندسين عرف هو الآخر تراجعا بسبب كورونا حسب نفس الدراسة. فبعد أن سجل مؤشر التشغيل في منصب المهندسين نسبة %70+ في فبراير الماضي تقلص المؤشر إلى %51- في مارس ليتراجع إلى مستوى قياسي %90- في أبريل 2020 قياسا لنفس الفترة من سنة 2019.

تُشير الدراسة كذلك إلى أن تراجع عروض العمل حسب النشاط الاقتصادي شمل مختلف التخصصات بنسب متفاوتة. مؤشر المناصب المعروضة خلال شهري مارس وأبريل الماضيين قياسا لسنة 2019 يُفيد أنه باستثناء مجال البحث والتطوير الذي تطور إيجابا بمعدل %294+ ، عرفت جميع القطاعات الأخرى تطورا سلبيا يتأرجح بين %80- كأعلى انخفاض في قطاعي المطاعم والفنادق وكذلك صناعة المطاط والبلاستيك، و%14- في مجال صناعة السيارات وهو القطاع الذي سجل أدنى تخفيض. أما بخصوص الجهات، فقياسا لنفس الفترة من السنة الماضية، نجد أن الجهة الأكثر تضررا من تقلص عروض الشغل هي جهة مراكش آسفي بنسبة %82- متبوعة بجهة الدار البيضاء السطات بنسبة %81-، في حين تُشكل جهة أكادير (سوس ماسة) الأقل تضررا قياسا لباقي الجهات بنسبة %57-.

لتحديد أثر جائحة كورونا على سوق الشغل في المغرب بشكل دقيق، يجب أن نميز بين المشاكل الهيكلية التي جعلت معدل البطالة يتأرجح بين 8 و10% حسب ظروف كل سنة، وبين تأثر التشغيل بفعل جائحة كورونا. واتجاه الحكومة نحو إلغاء مناصب الشغل المقررة في ميزانية هذه السنة يُفيد الاتجاه نحو خيار توقيف برنامج دعم سوق التشغيل على الأقل في المنظور القريب ريثما تتضح الصورة، وذلك لتركيز جهود الحكومة في اتجاه المحافظة على مناصب الشغل القائمة وتفادي وضعية الإغلاق التام للشركات أو عزمها تقليص عدد العمال. وأمام ما سينتج عن جائحة كورونا من فقدان العديد من مناصب الشغل، يبقى إلغاء الحكومة لمناصب الشغل المقررة لهذه السنة هو التأثير البارز والذي يمكن قياسه وتحديد أرقامه في انتظار معرفة عدد مناصب الشغل التي يُفترض أن تعلن عنها الكثير من الشركات ومعرفة كذلك الإجراءات التي ستقترحها الحكومة على تلك الشركات لتخفيف الأضرار على سوق الشغل.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...