قال الكاتب الصحافي و الإعلامي بالتلفزيون الإيطالي “RAI” زهير الواسيني، إنه مباشرة بعد الإعلان عن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، بدأ مهرجان التخوين الذي تعودنا عليه كلما تعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، واكتفى أغلب الإعلاميين العرب وجزء كبير من الرأي العام العربي بترديد أسطوانة الخيانة.
وأضاف الإعلامي زهير الواسيني، في مقال له حول “الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي”، أنه “بينما إسرائيل كانت، ومازالت، تخطط للتفاوض دائما من موقع قوة، اكتفى العرب بالتنديد والاستنكار بأسلوب يدل عن درجة الفشل والإحباط في تدبير هذا الملف”، مشيرا إلى أن “أكبر حليف للخطاب الصهيوني اليوم، وربما في الماضي أيضا، هو الخطاب الذي يتمترس خلف خطابات فضفاضة تدعو إلى تحرير فلسطين، ومسح إسرائيل من الخريطة بدون أي مقاربة عملية”.
وهذا نص مقال الإعلامي والكاتب الصحافي زهير الواسيني :
كان لدي زميل مصري طالما يردد جملة ربما سمعها من أحد مواطنيه: “عبد الناصر انهزم في حرب 67 فلما قدم استقالته كمسؤول أول عن الانتكاسة خرج الشعب المصري إلى الشوارع مطالبا إياه بعدم التنحي. لما أتى السادات واستعاد الأرض قتلوه”. جملة على بساطتها تلخص تخبط الإنسان العربي عموما أمام واقع غير مفهوم ومليء بالتناقضات كما هو حالنا منذ زمن بعيد.
مباشرة بعد الإعلان عن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، بدأ مهرجان التخوين الذي تعودنا عليه كلما تعلق الأمر بالقضية الفلسطينية. فعوض التحليل العقلاني لواقع جيو-سياسي متحرك في منطقة حساسة جدا حبلى بكل النزاعات الممكنة، اكتفى أغلب الإعلاميين العرب وجزء كبير من الرأي العام العربي بترديد أسطوانة الخيانة ورجم من يعتقدون أن الواقع أكثر تعقيدا من تلخيصه في شعارات ساذجة يؤمن أصحابها بأنها كافية لتحرير البلاد والعباد.
لا أريد الدخول هنا في حيثيات القرار الإماراتي الذي يستجيب أساسا لحق سيادي يجب احترامه ثم بعد ذلك يمكن مناقشته أو حتى انتقاده، ولكن دائما في إطار اللياقة التي يفرضها التعامل مع دولة شقيقة، فلغة المزايدات أثبتت عدم جدواها منذ أن بدأ الصراع العربي الإسرائيلي. فبينما إسرائيل كانت، ومازالت، تخطط للتفاوض دائما من موقع قوة، اكتفى العرب بالتنديد والاستنكار بأسلوب يدل عن درجة الفشل والإحباط في تدبير هذا الملف.
أكثر من ذلك، فإن الزعماء الفلسطينيين عملوا ما في جهدهم لكي يستقلوا بقراراتهم السياسية، وبالتالي الدخول في مفاوضات مباشرة مع “العدو الصهيوني” أسفرت عن النتائج التي نعرفها جميعا والتي زادت الوضع تأزما.
حقا إن إسرائيل خططت وبذكاء للاستفراد بالفلسطينيين وعزلهم عن محيطهم العربي، ولكن لم نر أي زعيم فلسطيني يقف ضد هذا التوجه، بل بالعكس كل القيادات حاولت أن تدافع على مصالح جد ضيقة نرى عواقبها اليوم تتجسد أساسا في العزلة الحقيقية التي تعيشها القضية الفلسطينية عالميا، والتي أصبحت ورقة قليلة الأهمية في صراعات إقليمية أكثر حدة.
السياسة الدولية لا تعترف بالكلمات الرنانة ولا بالشعارات كيفما كان نوعها؛ هناك فقط منطق واحد يعترف بموازين القوى لكل دولة على حدة. فمنذ نشأة إسرائيل سنة 1948، وهي تزيد قوة وتقدما يساعدها على لعب كل أوراقها السياسية بتدبير محكم تتجلى نتائجه على كل المستويات.
في المقابل، الدول العربية تزيد تشرذما وتخاذلا في قضاياها المصيرية الحقيقية. الشجاعة تبدأ من الاعتراف بهذا الواقع والتخطيط لتغييره وليس الاستجداء بقاموس التخوين لكل من يبحث عن طريق آخر للدفاع عن مصالح بلده.
حينما نتحدث عن التغيير، يجب التأكيد أنه لن يكون بدون إرادة سياسية لأصحاب القرار، ما دمنا نعرف أن الرأي العام العربي محدود الفعالية ويكتفي بالتعبير عن تذمره عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لذا، فالحسابات يجب أن تكون دقيقة وتأخذ بعين الاعتبار أن تغيير موازين القوى مرتبط ببناء داخلي صلب يعتمد على قناعة أن الحرب الحقيقية التي خسرناها منذ مدة هي بناء مواطن له دراية بالعالم الذي يعيش فيه اليوم وتجنيبه خراب ايديولوجيات ترميه في أحضان ماض غير موجود بعقلية تجعله لقمة سائغة لكل من لا يريد الخير لهذا الجزء من العالم.
إن قراءة هادئة لما يحصل في الأراضي المحتلة، وبكل موضوعية، توضح أن أكبر حليف للخطاب الصهيوني اليوم، وربما في الماضي أيضا، هو الخطاب الذي يتمترس خلف خطابات فضفاضة تدعو إلى تحرير فلسطين ومسح إسرائيل من الخريطة بدون أي مقاربة عملية.
من يستمر في هذا الخطاب، وعن حسن نية بالتأكيد، يساهم في تغذية التوسع الإسرائيلي الذي تعي قياداته أن الزمن حليف من يحسن اللعب في الرقعة الأممية. تكفي نظرة سطحية للواقع العربي خلال العشرين سنة الأخيرة لكي نفهم ما هو موقعنا في الخريطة العالمية. وشرح الواضحات من المفضحات.





