المؤبد و106 أعوام.. الغنوشي يواجه أحكاما قاسية في خريف العمر

إيطاليا تلغراف متابعة

أكثر مما مضى من عمره، بل أكثر مما يتوقع أن يعيشه شيخ مسن لم ترتخ قبضته على عكاز أيام سارت به الآن إلى السنة الرابعة والثمانين، أضيف أمس حكم جديد وقاس على الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسية، والرئيس السابق للبرلمان في بلاده، وأحد أهم مفكري الحرية والديمقراطية في العالم الإسلامي.

لم يكتف الحكم الجديد بالمؤبد، بل أضاف إليه 30 سنة أخرى، ليصل مجموع الأحكام الصادرة على الرجل إلى أكثر من 106 أعوام مع المؤبد.

ليس الغنوشي وحيدا في السجن ولا في الأحكام، فهنالك في سجنه يؤازره عدد من قيادات النهضة نالوا هم الآخرون نصيبا غير منقوص في الأحكام القضائية بعد انصرام عقد ونصف من أحكام نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

الجهاز السري واغتيال بلعيد

تضم لائحة الاتهام الموجهة إلى الغنوشي وقادة حزبه لائحة كبيرة، منها على سبيل المثال الاتهام الإشراف على ما سمي بـ”الجهاز السري للنهضة” المتهم وفقا لفريق الدفاع عن عن السياسيين شكري بلعيد ومحمد براهمي، اللذين اغتيلا في فبراير/شباط ويوليو/تموز عام 2013، بالتورط في اغتيالهما، و”ممارسة التجسّس واختراق مؤسسات الدولة”.

ولأن التهمة كبيرة جدا، فقد وجهت إلى الغنوشي أيضا تهمة رئاسة الجهاز السري والإشراف عليه، وهو ما ينفيه الرجل وحركته، مستندين إلى ماضيهما، ومتشبثين بحاضر يريان أنه قائم على التدافع السياسي والتنافس المدني.

وإلى جانب تلك التهم سبق أن نال الغنوشي أيضا حكما بالسجن 20 سنة في فبراير/شباط من العام الحالي، وذلك بتهمة التآمر على آمن الدولة، وذلك ضمن فريق من قادة النهضة ضم موقوفين وآخرين خارج البلاد.

و”قضية التآمر” هي ملف قضائي أثار جدلا في تونس، ويعود إلى بلاغ من سطر واحد، ولكنه عميق الأثر، يتعلق بـ”اعتزام “مجموعة أشخاص “التآمر على أمن الدولة”.

ولأن الغنوشي لا يتوقع -وفق ما ينقل محاموه وذووه- إنصافا من القضاء التونسي في حقبته الحالية، فقد رفض الطعن في الحكم، واستند إلى جذع من الصبر والتسليم في مواجهة نظام يرى خصومه أنه يستهدف الغنوشي ويثأر منه في سجنه بالأدوات القضائية.

وجاء في بيان هيئة الدفاع عن الغنوشي “يهم هيئة الدفاع إحاطة الرأي العام بقرار الغنوشي برفض التعقيب على الحكم، لقناعته الراسخة بانعدام ضمانات المحاكمة العادلة، وأن القضايا المحالة إليه سياسية مفبركة”.

وأضاف البيان أن “المحاكمة عن بعد ضرب لحق الدفاع”، ولذلك رفض الغنوشي المشاركة في مساريها الابتدائي والاستئنافي.

المسامرة الرمضانية

في منتصف أبريل/نيسان 2026، نال الغنوشي حكما آخر بالسجن لمدة 20 عاما بتهمة التآمر على أمن الدولة، في قضية عرفت باسم “المسامرة الرمضانية”.

بدأت قصة هذه المسامرة في شهر رمضان من عام 2023، إثر توقيف سياسيين ورجال أعمال وناشطين في المجتمع المدني التونسي بتهمة المساس بالنظام العام وتقويض أمن الدولة، وارتفع مؤشر التهم ليفيض إلى “التخابر مع جهات أجنبية”، و”التحريض على الفوضى أو العصيان”.

ولم يجد المتهمون غير نفي التهم، غير أن النفي لم يُجد نفعا، فقد صدر الحكم وقضي الأمر.

إنستالينغو.. “تبيض” الأموال و”تسويد” وجه النظام

بالإضافة إلى التهم الرمضانية، كان الغنوشي ورفاقه أيضا على موعد مع تهمة أخرى، وحكم قاس بـ22 سنة، مع غرامة 80 ألف دينار (نحو 27 ألفا و500 دولار) ومصادرة الأملاك، وكان رفيقه في الإدانة والحكم الوزير الأول السابق هشام المشيسي؛ حيث نال 35 سنة من السجن، إضافة إلى حكمين بـ27 و5 سنوات تباعا، على الصحفيتين شهرزاد عكاشة وشذى الحاج مبارك.

كانت التهمة تتعلق بقضية شركة “إنستالينغو” (Instalingo) المتخصصة في المحتوى الرقمي، وقد اتهمت بأنها واجهة لتبيض الأموال واستغلال التسهيلات للاعتداء المقصود والموجه على هيبة الدولة، وإثارة الشحناء بين السكان.

المال الخارجي.. حبل آخر في عنق الغنوشي

في فبراير/شباط 2024، كان الغنوشي على موعد مع حكم آخر بالسجن النافذ 3 سنوات، رفقه صهره وزير الخارجية التونسي الأسبق رفيق عبد السلام، وذلك بتهمة تلقي حزب النهضة “تبرعات مالية من جهة أجنبية “.

ولضخامة القضية وصعوبتها فقد حكم على الحزب أيضا بدفع غرامة تصل إلى 3.6 مليون دينار تونسي، وهو ما يناهز 1.1 مليون دولار.

تمجيد الإرهاب.. تهم ضد أكبر خصومه

يحمل تراث الغنوشي كثيرا من فواصل ومفردات التصدي الفكري للظاهرة الإرهابية، ونسف المحتوى الديني الذي تتأسس عليه، غير أن ذلك لم يحمه من مواجهة دعوى قدمها ناشط في نقابة أمنية تتهم مؤلف كتاب “الحرية ومركزيتها في الفكر الإسلامي” بـ”تمجيد الإرهاب والإشادة به”.

لم يشفع للغنوشي، تاريخه في مواجهة ظواهر التكفير والإرهاب، فقد قضت المحكمة الاستئنافية بسجنه لمدة عام، وتغريم حركته ألف دينار أي ما نحو (340 دولارا)، زيادة على الرقابة الإدارية لمدة 3 سنوات بعد انتهاء محكومية السجن.

وكان الغنوشي قد وصف في كلمة تأبينية لأحد قادة النهضة بالجنوب التونسي بأنه كان يقاوم الطغيان أو الطاغوت، لتقرع تلك الكلمة الهادئ من قلق خصومه في الجهاز الأمني الذي وجد فيها فرصة لا تعوض لجرجرة الشيخ الثمانيني إلى السجن، حسب ما يقول أنصاره، بينما تؤكد الأجهزة القضائية في تونس أنها تتعامل بحرفية تامة مع الملفات المعروضة أمامها دون أي اعتبارات سياسية خاصة.

الجد السجين.. رهين السجن والمرض

للغنوشي قصة طويلة مع السجون، عرفها وهو في مقتبل العمر رجلا أربعينيا قوي البنية صارم النظرات، قوي الحجة في مواجهة نظام الحبيب بورقيبة، وها هو أيضا رهينها الآن حيث يتوقع أن يطفئ فيها شمعة ميلاده الخامسة والثمانين بعد 19 يوما.

نال الغنوشي في تاريخه السياسي أحكاما قاسية لم تصدر كلها في السنوات الأخيرة، ففي العام 1981 حكم عليه القضاء بالسجن 11 سنة، كما حكم عليه بالسجن مدة الحياة سنة 1987، وتجدد الحكم عليه غيابيا مرتين أيضا سنة 1991- 1997.

وإلى جانب تلك السنوات الحالكة، عاش أيضا غربة اضطرارية استمرت من 1989 إلى عودته لتونس سنة 2011 بعد أن أطاحت ثورة الياسمين بنظام الراحل زين العابدين بن علي.

وسرعان من تسنم الغنوشي مناصب سامية في قياده بلاده، لكن الصعود إلى السلطة فتح أبوابا جديدة للمواجهة، وبدأت سهام خصومه تتراشق على جسد حركته التي تلقت سهاما من أطراف عدة، ووجدت نفسها عالقة بين نارين؛ فقد اتهمها خصومها في تونس بأنها متشددة وإرهابية، ويتهمها خصومها الإسلاميون بالتفريط والتنازل والانسلاخ التدريجي عن مشروعها الإسلامي.

وبين تلك السهام المتضادة، ورهانات دولية لا ترغب كثيرا في قيام نظام “نهضوي” على ضفاف الأبيض المتوسط، وجد الغنوشي نفسه في سجن مرير منذ العام 2023، حيث يكابد هنالك المرض والتقدم في السجن، وأحكاما قاسية لا تريد له أن يرى النور خارج قضبان الزنازين.

ولم تسعف الدعوات المتعددة من حركة النهضة ومنظمات دولية عديدة إلى إنقاذ السجين الثمانيني من موت محقق قد تتسبب فيه مضاعفات الاعتقال.

وفيما بدت التهم غير متماسكة في نظر دفاع الغنوشي فإنه كان أكثر من غيره يفهم -كما عبر عن ذلك- الأسباب التي أنزلته من رئاسة البرلمان و”قيادة تونس” إلى مرارة السجن “أنا في السجن اليوم لأني دعوت إلى قيم الديمقراطية الوطنية، وهي جزء من الديمقراطية الكونية للإنسان، ولأن الصراع في تونس هو صراع بين الديمقراطية واللاديمقراطية”.

ومع تجاهل العالم لمعاناة الرجل الثمانيني، لا يبدو سجن الغنوشي مجرد زنزانة تحتضن -على غير المودة والاختيار- سياسيا كبيرا في السن والفكر والممارسة، بل يمد ذاكرة تونس بقصة عشق أخرى مفروضة بين السجون والسياسيين.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...