د. سعيد الغماز : مصر…والدرس التركي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د. سعيد الغماز (*)

العلاقات الديبلوماسية بين البلدان تتأرجح بين الجيدة بمستويات مختلفة، والسيئة قد تصل حدود القطيعة السياسية أو حتى المواجهة العسكرية. لكن مهما بَلَغت حدة الصراع بين الدول، فإن المصلحة بجميع أبعادها الاقتصادية والسياسية والتجارية تعلو فوق كل الخلافات، لتصير هي المحدد الأساسي في العلاقات الديبلوماسية. لذلك نجد الكثير من الدول في عالمنا الحاضر تُنسق بل وتُقيم اتفاقيات في مجالات محددة مع دول هي في صراع دائم معها. ولعل أبرز مثال لهذا التوجه الديبلوماسي، ما أقدمت عليه الولايات المتحدة الأمريكية من ترتيب مفاوضات مع كوريا الشمالية حول الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. يحدث هذا التشاور مع دولة تجمع من التناقضات مع النظام الرأسمالي الأمريكي ما لا يمكن تعداده أو تصوره. هذه المنهجية في التعامل الديبلوماسي، نجدها في الأنظمة التي تحمل بعدا استراتيجيا وتعمل على خدمة شعوبها وتطوير مجتمعاتها. لكننا في حالة النظام المصري لا نلمس هذا التوجه الديبلوماسي الذي يجعل مصلحة البلد ومستقبل مواطنيه فوق أي صراع خارجي مع أي دولة أخرى مهما كانت أسبابه.

الصراع القائم بين مصر وتركيا له أسبابه وخلفياته السياسية والاقتصادية وربما يلعب فيه التفوق التركي وما حققه ساسة تركيا الحديثة من نهضة وإقلاع اقتصادي دورا رئيسيا. هذه النهضة الشاملة مكنت الاتراك من القدرة على الدفاع عن مصالحهم في شرق البحر المتوسط، وشرعوا في التنقيب عن الغاز في منطقة تريد بلدان الاتحاد الأوروبي الهيمنة عليها وحرمان باقي الدول المطلة على البحر المتوسط من حقها الطبيعي في هذه الثروة البحرية. ومن هذه الدول نجد سوريا ولبنان وليبيا وكذلك مصر. فالصراع الذي تخوضه تركيا لا يهمها لوحدها، بل هي من جهة تخوض صراعا لضمان حقها الطبيعي من ثروات البحر المتوسط، ومن جهة أخرى تخوض تركيا صراعا بالنيابة عن مصر التي لم تستطع المطالبة بحق الشعب المصري في ثروات هذا البحر واكتفت بشراء الغاز الاسرائيلي الذي يتم استخراجه من المنطقة البحرية التابعة لقطاع غزة. أن تكون مصر في صراع مع تركيا يهم المجال السياسي، هو شيء عادي في الديبلوماسية الدولية ومعمول به من قبل العديد من الدول، لكن أن يبلغ هذا الصراع حد التنازل عن المصالح الحيوية للشعوب نكاية في دولة نختلف معها سياسيا، فهو أمر نكاد لا نجده سوى في ذهن النظام الحاكم في مصر. فتركيا لم تُوقع على قانون البحار لعام 1982 وتعتبره مجحفا في حق الكثير من دول البحر المتوسط. في الجزء الثاني الفرع 2 المادة 3 من هذا القانون الذي أقرته الأمم المتحدة نقرأ “لكل دولة الحق في أن تحدد عرض بحرها الإقليمي بسافة لا تتجاوز 12 ميلا بحريا مقيسة من خطوط الأساس المقررة وفقا لهذه الاتفاقية”، لكن وجود جزر يونانية بالقرب من الساحل التركي جعل البحر الإقليمي لتركيا لا يتجاوز 10 كلم.

ولحل مثل هذه الخلافات ينص ذات القانون على إمكانية عقد اتفاقيات ثنائية لتحديد الحدود البحرية. الجلوس إلى طاولة الحوار لترسيم الحدود البحرية هو ما تسعى إليه تركيا وهو ما ترفضه اليونان لأنها تعرف مسبقا أن لتركيا حقوقا مشروعة في مصادر الطاقة التي يزخر بها البحر المتوسط وأي حوار سيمكن تركيا من هذه الحقوق. واليونان كما بلدان الاتحاد الأوروبي تعلم جيدا أن حصول تركيا على حقها الطبيعي في البحر المتوسط سيمكن باقي البلدان المطلة على هذا البحر من حصولها على حقها الطبيعي وعلى رأسها مصر. لذلك نجد أن الصراع لم يقتصر على البلدين المعنيين به، بل دخلت بلدان الاتحاد الأوروبي على الخط لأن الأمر يتعلق بمصادر الطاقة التي تتنازع حولها البلدان المتقدمة لضمان مستقبل شعوبها. على عكس ذلك، قامت مصر بتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع اليونان بشروط هذه الأخيرة والتي جعلت مصر تفقد 7 آلاف كلم مربع من مياهها الاقتصادية ضدا على مصالح الشعب المصري ونكاية في دولة تركيا التي إن تمكنت من فرض جلوس الأطراف المعنية على مائدة الحوار ستربح مصر حدودا بحرية تصل إلى 28 آلف كلم مربع. وكأن لسان حال الساسة المصريين يقول إن على تركيا أن تتخلى عن نهضتها الاقتصادية وتتراجع عن موقعها كقوة لها وزنها العالمي، وأن لا تقوم بالتنقيب عن مصادر الطاقة في البحر بإمكانياتها الذاتية، وباستعمال باخرة تركية للمسح الزلزالي، ما دامت مصر لا تتوفر على مثيل لها.

تركيا رأت بأن الوقت مناسب لها للمطالبة بحقها الطبيعي في شرق البحر المتوسط، وهي تعلم جيدا أن الأمر ليس بالهين ما دام يتعلق بالغاز الطبيعي ومصادر الطاقة. لذلك جندت وسائلها اللوجيستيكية على رأسها باخرة المسح الزلزالي وأرفقتها بقطع حربية في رسالة واضحة أن ميزان القوة تغير وأن تركيا بلغت من التطور الاقتصادي ما يجعلها تتطلع إلى استغلال مصادر الطاقة في مجالها البحري. أما مصر فلم تُطالب بهذا الحق ولم تتحرك في هذا الاتجاه، بل اكتفت بردود الأفعال وقامت بالتضحية بمستقبل الشعب المصري لا لشيء سوى نكاية بدولة تركيا. في الوقت الذي كان على هؤلاء الساسة، إن لم تكن لهم القدرة على التدخل للبحث عن حق شعوبهم الطبيعي في البحر المتوسط، الاكتفاء بملاحظة التطورات، وأي مكسب يحققه الأتراك ستستفيد منه لا محالة أرض الكنانة. وهو ما قامت به سوريا ولبنان وليبيا.

في الأعراف الديبلوماسية، الصراع السياسي يتوقف عندما تكون مصالح الشعب وخيرات الوطن مهددة، لكن يبدو أن ساسة مصر لا تشملهم هذه القاعد. فبعد التخلي عن الجزيرتين المصريتين تيران وصنافير، وإبداء ضعف كبير في المفاوضات مع إثيوبيا حول حق المصريين في مياه النيل، ها هم نفس الساسة يتنازلون عن شريط مائي كبير المساحة لصالح اليونان لا لشيء سوى التضحية بمصالح مصر الاقتصادية لعرقلة حصول تركيا على حقها الطبيعي في البحر المتوسط، علما أن الخلاف هو بين تركيا واليونان ولا دخل لمصر فيه اللهم استفادتها الإيجابية من أي اتفاق ستتمكن تركيا من فرضه على اليونان ومن ورائها الاتحاد الأوروبي. عندما تغيب مصلحة الشعوب ومستقبل الوطن في الحسابات الديبلوماسية، فاعلم ان البلد يسير إلى الوراء ويبتعد عن النهضة الحضارية.

باحث في التنمية وتكنولوجيا المعلومات والإتصال (*)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...